كتاب عربي 21

السيسي .. ولا مؤاخذة!

1300x600
كما تدين تدان، وما فعلوه في الرئيس محمد مرسي، يُفعل في زعيمهم المختار على نحو انتقل به ليكون الوصف هو الأكثر استخداماً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من اسم الرئيس أوباما.

مثلي لابد أن يقاوم ليكون قدوة في الصمود، فلا يمكنه بعد هذا العمر، أن يستخدم "الهاشتاج" إياه، بالرغم من الغواية، وبالرغم من أنه تم استخدامه أكثر من مائة مليون مرة، وربما يصل إلى مائتي مليون عندما ينشر هذا المقال، وبالرغم أيضاً من أن هذا الانتشار الواسع دفع به لأن ينطق عبر فضائيات وقورة، وقد استمعت لمذيعة شامية تنطقه، فوقفت على أن نطقها البديع لا يجعل من الضروري أن نستبدل الوصف بكلمة: "ولا مؤاخذة".

"ولا مؤاخذة" هي كلمة اعتذار عن استخدام اللفظ النابي، وقد تكون بديلاً عن استخدامه، فتقول "ولا مؤاخذة" فيفهم من يستمع لك، المقصود تماماً حتى وإن لم تنطقه.

لا أخفي شماتة من هذا الانتشار السريع لـ"ولا مؤاخذة" فالقوم مهدوا لانقلابهم بما أطلقنا عليه في حينه "استهياف الرئيس"، ولي مقال حمل هذا العنوان، ولم أكن من أنصار الرئيس محمد مرسي، لكن كان ما يحدث يزعج أي كائن حي، وكانت البداية بإطلاق لقب "الاستبن"، على الرئيس، ويعني الاحتياطي، إذ كان مقرراً أن يكون خيرت الشاطر هو مرشح جماعة الإخوان المسلمين، وتم الدفع بالدكتور محمد مرسي ليمثل بديلاً له في حال استبعاده لأسباب قانونية!.

ولأن فضائيات الثورة المضادة، حصلت على الحرية الكاملة في عهد محمد مرسي فقد انطلقت تتجاوز في حق الرجل، على نحو مثل السكوت عليه إهانة لمقام الرئاسة، لا يعفي مرسي من المسؤولية، الذي كان يحكم بالحكمة والموعظة الحسنة، في حين كنا أمام "زفة عوالم" ومن أمن العقوبة أساء الأدب.

الدعوة تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، لكن في الحكم ينبغي أن يكون القانون هو الحاكم، لردع حالة الخروج عليه، وقد انطلق بعض الإعلاميين ليقوموا بعمل من أعمال قطاع الطرق.. وانطلق البعض يهتف كلما ذكر الرئيس: "مصر كبيرة عليك"، وكانت هذه الحملة هي التي مهدت للانقلاب، بعد أن صار الرئيس مهاناً.

ولا أخفي أنني ومنذ اللحظة الأولى للانقلاب، كانت مهمتي التي حددتها لنفسي هي معاملة زعيمهم بالمثل لكن ليس على نفس المستوى من السقوط!.

لقد قدموا "المتقاعد" عبد الفتاح السيسي، على أنه زعيم كعبد الناصر، وإيزنهاور، والبعض "أخذته الجلالة" فوصفه بأنه صلاح الدين الأيوبي، قبل أن يتطور المشهد ليصبح واحداً من أنبياء الله، ومن موسى كليم الله، إلى السيد المسيح، في وقت لاحق!.
كان رأيي في البداية، والرجل ليس له أي إنجاز يُقدم به، أننا في مواجهة عمل من أعمال "البروباجندا". وأن السيسي المناضل ذكرني بزميل دفعته الأقدار لسكة النضال، والفارق بينهما أن الزميل انزعج لتعاملنا معه على أنه المناضل الزعيم، في حين أن السيسي أعجبته اللعبة.

في واحدة من اعتقالات خيرت الشاطر نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، تم تنظيم وقفتين على "سلالم نقابة الصحفيين"، شاركت فيهما، ربما من باب التضامن مع المتضامنين معه لقلة عددهم وهوانهم على الأمن، أكثر من فكرة التضامن مع المعتقل، فدائماً تجدوني مع الأقليات، وفي موضوع هاشتاج "ولا مؤاخذة" كنت مع الأقلية التي لم تتعامل به، رُغم غواية الأغلبية!.

في المرة الأولى، وقبل موعد انعقاد المؤتمر، حاصرت قوات الأمن محطة مترو أنفاق "جمال عبد الناصر" القريبة من نقابة الصحفيين، ووجهت الخارجين منها إلى خطوط سير أخرى غير المتجهة إلى شارع "عبد الخالق ثروت" حيث تقع نقابة الصحفيين، ثم أغلقت الشارع تماماً، ولم تسمح إلا لمستقلي السيارات بالعبور.. فجاء البعض، ومنهم زوجة الشاطر وابنته، بسيارتهم.. ودخلوا "جراج النقابة" لتفاجئ بهم قوات الأمن على "السلالم"، وتم تدارك ذلك في الوقفة الثانية.
ففي مظاهرة التضامن الثانية، منعت قوات الأمن قبل انعقاد المؤتمر المرور تماماً من الشارع، وقد رابطت على أطرافه ومداخله، فلم يقف على السلالم سوى نحن الذين كنا في النقابة قبل أن يغلق الشارع الذي كان خالياً تماماً من البشر والسيارات على غير عادته!.

كنا خمسين فرداً تقريباً وقفوا على السلالم محاصرين بجنود الأمن المركزي أضعاف عددنا، بينما الشارع فارغ تماماً، وعل مدد الشوف وجدت في مشهد ساخر زميلنا عاطف عبد الفتاح، يسير وحده، وكأنه يسير في الصحراء.
عاطف عبد الفتاح مؤلف لقصص الأطفال، ويعمل في مجلة "ميكي"، وزميلنا طارق الضبع أطلق عليه "ميكي"، وصرنا نناديه بـ "ميكي"، فليس اسمه عاطفياً مع كونه يخاطب "الأطفال" ويكتب لهم!.

عندما وصل "ميكي" إلى الجنود الذين يحاصرون "السلالم" فوجئوا به، فترددوا في السماح له بالدخول، لأقطع عليهم ترددهم بالهتاف: "سيبوا عاطف".. "ادخل يا عاطف"، ولأن معظم المتظاهرين لا يعرفون "عاطف" فقد رددوا الهتاف خلفي كما لو كان هتافاً ثورياً، وكما لو كان "عاطف" هو زعيم الأمة. وقد ارتج عليه، ووقف من أسفل يتشاجر مع الذين يهتفون باسمه، وقد ظن أنهم بما يفعلون يمكن أن يسلموه لقوات الأمن فقد يستقر في عقول قياداتها أن عاطف من الزعماء الكبار، وأنهم لم ينتبهوا لخطورته عندما سمحوا له بالدخول!.

روى لي "عاطف"، بعد ذلك كيف تمكن من اختراق هذه الحواجز الأمنية، إلى أن وصل إلى النقابة، ببطاقته الصحفية المدون فيها أنه يعمل في مجلة "ميكي"، وبعض القيادات الأمنية تبين أن أبناءهم يتابعونه، ومن لا يعرفه لم يتعامل معه بجدية، فلا خطورة أمنية من شخص يكتب للأطفال.

الفارق بين عاطف (عبد الفتاح) و (عبد الفتاح) السيسي، أن (عبد الفتاح) الأول رفض الزعامة لحظة وصولها إليه، في حين أن (عبد الفتاح) الثاني استقبلها بقبول حسن و"عاش اللحظة"، والقوم يقدمونه على أنه الزعيم، وفق قواعد "الكيد السياسي"، لأنني لا أعتقد أن علاء الأسواني عندما سعى لإدخال الغش والتدليس على روبرت فيسك، بقوله أن السيسي هو أهم قائد عسكري بعد إيزنهاور كان يصدق نفسه. وإيزنهاور قائد عسكري خاض المعارك وانتصر لشعبه، في حين أن عبد الفتاح السيسي رأى المعارك عبر برنامج "نادي السينما" عندما كانت درية شرف الدين وزيرة الإعلام حالياً، تقدم من خلاله عرضاً للأفلام الأجنبية.
كان من رأيي ضرورة هدم الأسطورة، لنقدم السيسي واقعاً، فكان مقالي "الاستدعاء القسري لعبد الناصر"، وكان موضوع حلقة من برنامج "على مسؤوليتي" على قناة "الجزيرة مباشر مصر"

فليس في السيسي، الذي صنعه المخلوع مبارك على عينه، ما يفيد أنه وثيق الصلة بعبد الناصر، والذي كان ضد الإقطاع وسيطرة رأس المال، في حين أن هذا الإقطاع هو حليف أساسي في الانقلاب. وعبد الناصر كان ضد الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، والانقلاب حليف أساسي لواشنطن وتل أبيب، فضلاً عن أن من وقف ضد مشروع عبد الناصر كانت هي الرجعية العربية ممثلة
في الحكم السعودي، في حين أن هذا المشروع هو الراعي الرسمي للانقلاب إقليمياً.

السيسي لم يقل أنه عبد الناصر، ولم يعلن ما يمثله له، لكن كان من الملاحظ أنه في اللحظة التي كانت تصنع فيه أسطورته بأنه جمال عبد الناصر الذي جاء للعالم على قدر، كان في "مناماته" وأضغاث أحلامه يرى السادات.

وكانت التسريبات هي القشة التي قصمت ظهر الزعيم، ورفعت عنه غطاءه، فإذا بنا أمام رجل بلا رؤية سياسية، أو مرجعية فكرية، وإذا بالخطاب مسخرة، فالحديث عن جاذب النساء، وعن الرؤى والأحلام.. وتم استبدال الشعار التاريخي: تعليماتك أوامر. إلى أحلامك أوامر، فهو يحلم والشعب يحول أحلامه إلى واقع!.

وكان أن وصلنا إلى "الهاشتاج" إياه، الذي يطلق على السيسي لفظا نابيا، ينتمي لمهنة عتيقة، كان معترفاً بها رسمياً في زمن الاحتلال، عندما كان مسموحاً ببيوت البغايا.

لقد استهدفت الثورة المضادة، الدكتور محمد مرسي باستهيافه، فإذا بقائدهم يتحول باستهيافه من المحلية التي خلقتها التسريبات، ومحاولاتي المتواضعة، إلى العالمية، وقد تدخل موسوعة جينس.

فأخذ الانقلابيون يعضون أناملهم على ما فعلوا فليس لهم أن يقوموا بدور الأستاذ المعلم الذي أقوم به الآن بأنه لا يجوز يا قوم استخدام هذه الكلمات في وصف المذكور، وهم من روجوا للإساءة وفحش القول من قبل.

ومعلوم أنني ظلت فترة أحافظ على صفحتي على "الفيس بوك" من أن تغزوها هذه الكلمة، ثم انهارت قلاعي، أمام العصف الجماهيري الحاد، وإن كنت لا أزال محافظاً على لباقتي فلا أنطق الكلمة إنما أقول: "السيسي ولا مؤاخذة"

ويا أيها "السيسي ولا مؤاخذة" اشرب.. مما صنعته يداك.