بنكيران والعثماني.. حزب واحد بخطابين سياسيين مختلفين (2-2)

بلال التليدي الثلاثاء، 15 يناير 2019 03:46 م

يواصل الكاتب والإعلامي المغربي بلال التليدي، تتبع أوجه التشابه والتباين بين خطابي رئيس الحكومة المغربية السابق عبد الاله بنكيران والحالي سعد الدين العثماني، وفق ما جاءت به الدراسة الحديثة التي صدرت تحت عنوان "دراسة تحليلية مقارنة في خطاب رئيسي الحكومة المغربية السابق والحالي" والتي كتبها الباحثان في جامعة الحسن الثاني، كلية ابن مسيك بالدار البيضاء، إيمان العمادي وعبد المجيد بوزيان. 

وبعد أن رصد أهم خصائص الخطاب السياسي كما يتجلى في تجربة عبد الإله بنكيران، يستعرض التليدي في الجزء الثاني من عرضه للدراسة أهم ملامح خطاب سعد الدين العثماني، منطلقا من ما تسميه الدراسة "الاقتصاد في الخطاب لتجنب التأويلات". 

الحديث باسم الجمع بدل المفرد

وتلاحظ الدراسة، أنه خلافا لخطاب بنكيران، فإن الدكتور سعد الدين العثماني، يظهر أقل احتفاء بالمفردات الدينية، وأنه أحيانا يفتتح خطاباته بكلمة "مرحبا" التي يستهدف بها نوعا خاصا من الجمهور هم الشباب، كما سجلت الدراسة، ميله أكثر لاستعمال "نحن" بدلا عن "أنا" وذلك لإعطاء صورة عن جماعية القرار في حزب العدالة والتنمية، وأيضا عدم  الرغبة في تحمل المسؤولية وحده في قراراته، وأنه يكرر في خطابته مرارا، أن حكومته لا تشكل قطيعة مع الحكومة السابقة، وأنه جاء يستكمل الإصلاحات التي بدأتها الحكومة السابقة، وأنه يعبر بكلمات قصيرة ويجيب فقط عن الأسئلة التي توجه له، ويريد أن يكون دقيقا في كلماته حتى يتجنب التأويلات التي يمكن أن يحملها الخطاب.

 

أي دراسة تسعى لتحليل خطاب بنكيران هي محكومة مسبقا بالنجاح الذي حققه في معارك حزبه الانتخابية، وبشكل خاص استحقاق 2015 و 2016



ثمة ملاحظات أساسية على منهجية هذه الدراسة ونتائجها أيضا، فمن حيث المنهج يمكن أن نسجل ثلاث ملاحظات أساسية:

1 ـ محدودية العينة المدروسة: فالعينات التي تم الاكتفاء بها لا تقوى لتمثيل خطاب رئيسي حكومة، فالمفترض في أي دراسة تسعى لبحث مفاصل الخطاب أن تجمع قدرا كافيا من العينات التي يمكن الاشتغال عليها لتبين معالم الخطاب عند رئيسي الحكومة السابقة والحالية، فبالأحرى إجراء مقارنة بينهما.  لكن هذه الملاحظة ـ مع وجاهتها ـ إلا أنها لا تنسف نتائج الدراسة، فأحيانا تظهر مقومات الخطاب ومعالمه في أي عينة كانت، لكن ذلك ليس على الاطراد كما سنبين في الملاحظة الثانية.

 

إقرأ أيضا: المغرب.. "العدالة والتنمية" أشاع فكرا مقاصديا معتدلا

2 - المسافة الزمنية لدراسة خطاب العثماني غير كافية: فليس من التكافؤ منهجيا وعلميا أن ندرس خطاب رئيس حكومة استوفى ولايته، واكتسب بفعل التجربة عناصر الخطاب ونوعية التخاطب مع الجمهور، وبين رئيس حكومة لم يمض في المسؤولية إلا سنتين اثنتين مطبوعيتن بتحديات كبيرة.

3 ـ خطاب العثماني في سياق التبلور: فإذا كان لعبد الإله بنكيران أسلوبه في الخطاب، أسسه من خلال تنشئته الاجتماعية (الاعتماد على القصص والأمثال والشواهد والشهادات) وعلى تجربته السياسية (الحدس والنباهة في الرد على الخصوم مع استعمال النكتة والقفشات)، فإن أسلوب العثماني، تبلور في سياق توافقي باحث عن المشترك، ولم يحدث أن تبلور في سياق حجاجي يدافع الخصوم، ما جعل خطابه يأخذ أكثر من سمة ويتطور، وأحيانا يجتهد للاقتراب من أسلوب بنكيران، مع اختلاف الخلفية الثقافية والفكرية. فإذا أضيف إلى ذلك السياق السياسي المتحول، المحكوم كله بالرغبة من التخلص من الإسلاميين، والخلاف داخل الحزب حول تقدير طبيعة المرحلة ونوع الجواب الجماعي الواجب إنتاجه لمواجهة تحدياتها، يتبين أنه من السابق لأوانه وضع عينات لخطاب سعد الدين العثماني في مقابل عينات مقابلة من خطاب بنكيران في سياق المقارنة.

فإذا انتقلنا من هذه الاعتبارات المنهجية، فإنه يطرح علينا إشكالان موضوعيان:

الأول: أن أي دراسة تسعى لتحليل خطاب بنكيران هي محكومة مسبقا بالنجاح الذي حققه في معارك حزبه الانتخابية، وبشكل خاص استحقاق 2015 و 2016، بخلاف سعد الدين العثماني، فإن عدم انتهاء ولايته، تجبر أي دراسة على تحليل خطابه وفق شروط المرحلة المحكومة بتقدير تراجع في شعبية حزب العدالة والتنمية. ونتيجة لهذا الاختلاف، فمن الطبيعي أن تكون أي دراسة مجبرة على دراسة جوانب القوة في خطاب بنكيران وجوانب الضعف في خطاب العثماني.

 

أسلوب العثماني، تبلور في سياق توافقي باحث عن المشترك، ولم يحدث أن تبلور في سياق حجاجي



الثاني: أن هذه الدراسة، سايرت أحكام قيمية شائعة حول استعمال الدين في الخطاب السياسي، ولم تدرس بشكل علمي المجالات التي يستعمل فيها الدين، وهل تتعلق بالسياسات العمومية، أن تعكس في عمومها شخصية الإنسان المغربي الذي يبتدئ ببسم الله، ونسب إلى الله في حالة عدم الجزم، أعمالا مستقبلية تقيدا بمقتضيات مرجعية، فليس هناك وضوح على مستوى تصنيف العبارات الدينية، ومجالات استخدامها، ودلالة كل استعمال على حدة.

تبقى هذه مجرد ملاحظات أولية بين يدي الدراسة، حتى يتم إنعاش الحس النقدي في التعاطي مع المنهجية والنتائج معا، حتى تستفيد الدراسات المقبلة المشتغلة على تحليل الخطاب ومقارنته بوضع ضوابط منهجية أكثر على العينات ومراعاة المسافة الزمنية وملاحظة اختلاف السياقات.

 

إقرأ أيضا: بنكيران والعثماني.. حزب واحد بخطاب سياسي مختلف (2-1)

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً
< <

اقرأ ايضا