كتاب ينتقد منطق الهيمنة ويدعو إلى التعايش بين الثقافات

بلال التليدي السبت، 19 يناير 2019 06:52 م

الكتاب: سياسة الاعتراف
المؤلف: شارلز تايلور
ترجمة: عبد الحريم الدقون
تقديم: محمد الشيخ
الناشر: عقول الثقافة للنشر والتوزيع
سنة الإصدار 2018

لم تحظ الحقوق اللغوية والثقافية بالاهتمام في منظومة حقوق الإنسان إلا في الجيل الثالث، بعد أن ترسخت مطالب الجيل الأول والثاني المتعلقة بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد تأخر الاهتمام بمطالب الجيل الثالث، بسبب التداخل الحاصل بين مطلب الجماعة أو الهوية الصاهرة للجماعة، وبين مطلب بعض الأقليات التي يطلب منها الانصهار في الوقت الذي تحتفظ فيه بخصوصية ثقافية ولغوية.

ولئن عصر ما قبل الإقرار بالحقوق الثقافية واللغوية، كان محكوما بالهيمنة في تدبير هذه الحقوق، وأحيانا باختلاق مبررات للعنف والإبادة في حق هذه الأقليات، فقد عمدت الكتابات الأولى المؤصلة لأطروحة الحقوق الثقافية واللغوية إلى بناء حججها من مدخل ما يسمى بـ"الاعتراف"، الذي لم يكن في جوهره سوى مدخل للمصالحة بين مكونات الشعب الواحد، وإقرار حقوقه الثقافية واللغوية، ودمج هذه الروافد في وحدة لغوية وثقافية، محكومة بتعددية مرنة لا تقوض أسس الهوية الجماعية.

مدخل الاعتراف يبدأ من حيث جاءت الهيمنة... من أمريكا

كان من الطبيعي أن تجد البوادر التأسيسية الأولى لفلسفة الاعتراف داخل الفضاء الأنكلوساكسوني، وبالتحديد الأمريكي، وذلك لاعتبارات متعددة، منها التعددية الضخمة التي تطبع هذا المجتمع، وإشكالية الأصل التاريخي لهذا المجتمع، وموقع الشعوب الأصلية في السلم الاجتماعي الأمريكي، لغة وثقافة ووضعا، فضلا عن النقاش الحاد الذي أثير حول العدالة في هذا المجتمع، بين  مفكري الفلسفة السياسية والفلسفة الأخلاقية، خاصة بعدما أخرج رولز سنة 1971 نظرته حول العدالة، والتي عمقت التوتر بين  الليبراليين الجدد، وبين ما يسمى بالجماعاتيين، فحاول شارلز تايلور، الفيلسوف الكندي، أن يوفق بين هذه الأعمال، ويدشن أولى الكتابات حول سياسة الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للشعوب.

 

اقرأ أيضا: قراءة نقدية للتطبيقات الغربية لليبرالية السياسية

لم تطرح مسألة التعدد الثقافي في المجتمعات الليبرالية الكلاسيكية بالشكل الملح الذي تطرح به اليوم، لأن المجتمع الأمريكي في القرن الثامن عشر والمجتمع الإنجليزي في القرن التاسع عشر، لم يعرف بتعدد الأعراق والثقافات، وإنما كان المجتمع الإنجليزي والأمريكي أقرب إلى الانسجام ووحدة الهوية والعرق والإيمان المسيحي، وفي أحسن الأحوال، كانت الأقليات العرقية والدينية تشكل الاستثناء.

ولذلك، لم تجد الليبرالية، وهي تؤسس لمبدأي الحرية والمساواة أي معاندة على خلفية الاعتراف الثقافي واللغوي، فساهمت في بناء الدولة الوطنية، في شكل قومية ليبرالية تجمع بين شقين لا يأتلفان (مفارقة القومية الليبرالية بتعبير الفيلسوف الكندي ويل كيميليكا)، إذ حصل فيما بعد التوتر بين هذين المكونين، بعد أن أصبح المواطن الأوروبي والأمريكي يتوقان لحياة ليبرالية، ويتطلعان في الوقت ذاته إلى اختلاف قومي، فبدأ الحديث عن هوية مختلفة، وبدأت موجة النقد للأطروحة الليبرالية، كونها تسعى إلى التعمية والتغطية عن انتماءات الأفراد اللسانية والثقافية والقومية، ذلك أنها افترضت على الدوام وجود انتماء قومي واحد للدولة الواحدة.

وقد بدأت الإرهاصات الأولى لنقد الفكر الليبرالي الكلاسيكي على خلفية إنكاره للاختلاف والتعدد الثقافي وإيمانه بوحدة القومية، في الربع الأخير من القرن الماضي، في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وكان شارلز تايلور من بين أهم من بدأ التفكير في قضية التعدد الثقافي وحقوق الأقليات الثقافية وذلك من مبدأ الاعتراف، فألف كتابه سياسة الاعتراف سنة 1992 أو ما صار يعرف بسياسة الاعتراف، وهو الكتاب الذي ترجمه الباحث المغربي عبد الرحيم الدقون، وأشرف عليه الدكتور محمد الشيخ الباحث في فلسلفة الدين وفلسفة السياسة وأستاذ الفلسفة في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.

من الهيمنة إلى المطالبة بالحق في الأصالة

يرى شارل تايلور أن المجتمعات القديمة لم تكن معنية بفكرة الاعتراف بحقوق الأقليات، لأنها كانت في الأصل قائمة على مبدأ الشرف والنبل، وأنه بهذا الاعتبار، لم يكن يحصل الاعتراف إلا للشريف والنبيل، فيما كان وضع الخسيس أو الوضيع هو عدم الاعتراف، وأن يكون دائما في وضع الخادم للمعترف به.

لكن هذا الوضع لم يدم، حسب تايلور، إذ سرعان ما تغير الأصل الذي تقوم عليه المجتمعات، فحلت الكرامة محل الشرف والنبل، وأعيد تقييم قيمة الإنسان، فأصبح النظر ينصب على كرامته بغض النظر عن أصله ووضعيته.

غير أن المجتمعات الحديثة التي قامت على مبدأ الكرامة، انتهى بها الوضع إلى تحقيق كونية سوية بين البشر امحت فيها كل التمايزات، وتم صهر الجميع في بوتقة واحدة، شكلت فيما بعد هوية أغلبية مهيمنة، اصطلح عليها تايلور بوضعية ساد فيها" العمى عن الاختلافات"، مما جعل مبدأ الاعتراف بكرامة الإنسان بقطع النظر عن أصوله، تنعكس ضدا، فتصير إلى المطالبة بالحق في الأصالة، أي مطالبة كل فرد أو جماعة بحقه وحقها بحفظ الاختلاف والتميز في الهوية.

 

اقرأ أيضا: خبير فرنسي: الصين خلقت نظاما رقميا للهيمنة على العالم

ولأن سياسة الاعتراف بنيت في الأصل على مبدأ أن لكل إنسان الحق في تشكيل هويته وتحديدها بوصفه فردا وبوصفه ثقافة، فقد تحول الكسب البشري في التأصيل الحقوقي مع شارل تايلر، من مبدأ رفع التمايزات بين البشر على أساس من كرامتهم، إلى الاعتراف بهوية وثقافة شعوب، بناء على أن مطلب رفع التمييز تضمن إقرار كونية سوية مهيمنة أقصت الاختلاف وقضت على التنوع.

وحسب تايلور، فإن مسار سياسة الكرامة انتهت إلى مخاصمة لسياسة الاختلاف، لأن الأولى، تضمنت التعامل مع الناس على قدم المساواة، بحيث أدى مسارها إلى التعمية على الاختلافات والتغطية عليها، في حين انطلقت سياسة الاختلاف من الاعتراف بالخصوصية وتشجيعها، فأصبحت سياسة الكرامة تعيب على سياسة الاختلاف خرقها مبدأ عدم التمييز، في حين صارت سياسة الاختلاف تعيب على سياسة الكرامة إنكارها كل هوية وفرض قالب نمطي على كل الناس حتى وهو لا يناسبهم.

سياسة الاعتراف والاعتدال في الموقف

ومع أن النقد الراديكالي ذهب بعيدا في تجريحه للفكر الليبرالي واتهامه بالتنكر للهويات ومحاولته فرض هوية خاصة على كل الشعوب والمجتمعات وإنكار لخصوصيتها، إلا أن شارل تايلور لم يساير هذا النقد، محاولا بذلك التأسيس لسياسة اعتراف تحظى بسمة الاعتدال، فهو يعتبر أنه توجد حقا سياسة احترام متكافئ يصفها بأنها "غير مضيافة" أي غير متسامحة مع الاختلافات وغير رافدة لها، لأنها تقوم على تطبيق حرفي للقواعد التي تحدد حقوق الناس، بلا استثناء، ولأنها شديدة الحذر من كل مقاصد اجتماعية، لكنه في المقابل، يقر بأن هذه السياسة ليست تسعى – بالقصد- إلى إلغاء الاختلافات الثقافية، وإنما يبكتفي فقط بوصفها غير مضيافة، أي لا تستضيف التباينات الثقافية بين المواطنين، لأنها لا تقبل بما يطمح إليه أعضاء الجماعات المتباينة، ولأنها تسعى دائما أن تحصن الجماعة من الفناء.

ويميز تايلور بين المجتمعات الليبرالية، فيرى أنها ليست كلها غير مضيافة، فمنها ما يسميه "الشكل الليبرالي الإجرائي" المنشد إلى حقوق الأفراد وإلى دولة محايدة قيميا وصارمة إجرائيا، أي إلى دولة بلا مقاصد ثقافية أو دينية، وبدون أهداف جماعية مشتركة عدا الحرية والأمن الشخصي ورغد العيش وسلامة المواطنين، ومنها الشكل الثاني، الذي تجنح فيه الدولة إلى حفظ المجتمع ككل بما فيه ثقافاته المختلفة ودياناته المتباينة، شريطة الحفاظ على حقوق المواطنين الأساسية، ويفضل تايلور هذا الشكل الثاني، ويرى أنه يتوافق مع سياسة الاعتراف التي يدعو إليها.

وخلافا لنظرة الراديكاليين النقدية، يطالب شالز تايلور في كتابه إلى موقف معتدل يتمتع بالحكمة، وإلى صوت متوسط بين المطلب المعبر عن اللاأصالة والهيمنة بالنسبة للاعتراف بالمساواة في القيمة من جهة، وبين الانغلاق الإرادي داخل معايير المركزية الإثنية من جهة أخرى. ويرى أنه توجد ثقافات أخرى، نحن في حاجة أكثر فأكثر إلى أن نحيا جميعا على المستوى العالمي كما داخل خليط مجتمعاتنا الفردية.

ويؤكد شارلز تايلور بكل تواضع أن المجتمعات المهيمنة في حاجة إلى الشعور بإسهامها الخاص المحدود بالنسبة إلى كل تاريخ الإنسانية، وأن الغطرسة وحدها أو غياب الحس الأخلاقي المتماثل هو ما يمنعها منه. 

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً
< <

اقرأ ايضا