الغنوشي.. قصة ثوري ناعم عائد من المشنقة إلى الديمقراطية

تونس- عربي21- نورالدين العويديدي الإثنين، 21 يناير 2019 02:47 م

ما زالت سفينة الديمقراطية التونسية التي تعيش هذه الأيام ذكراها السنوية الثامنة تعيش على وقع التجاذب الأيديولوجي القديم بين الإسلاميين وخصومهم من اليساريين والقوميين. وهو تجاذب لم يؤثر فقط على مسار السفينة برمتها فقط، وإنما ألقى بطلاله على باقي دول المنطقة، التي تراقب عن بعد حركة هذا الوليد الديمقراطي، الذي تجمع كل الآراء على فرادته.

ولئن كان التباين في الآراء السياسية من طبيعة بناء بشكل عام، فضلا عن أن يكون من طبيعة الانتقال الديمقراطي نفسه، على اعتبار أن التعددية السياسية والفكرية هي جوهر الديمقراطية، فإن ما يثير الانتباه في الحالة التونسية، هو تحول الخلاف الديمقراطي المحمود مع التيارات الإسلامية إلى عداء شخصي موجه ضد زعيم التيار الإسلامي الشيخ راشد الغنوشي، الذي كان شريكا رئيسيا للمكون الديمقراطي في الخلاص من النظام الشمولي الذي حكم البلاد لأكثر من نصف قرن.  

الثورة.. الحرية.. الكرامة.. الإسلام السياسي.. الإسلام الديمقراطي.. الانتقال نحو الديمقراطية.. الانتقال من النجاح السياسي إلى النجاح الاقتصادي والتنموي.. الإبقاء على جذوة الثورة حية رغم حدة  العواصف المحيطة بشمعتها.. الشمعة الوحيدة التي لم تطفئ لهيبها رياح الثورات المضادة للربيع العربي.. هموم وقضايا ومشاغل غطت الشطر الاكبر من عمر وعقل واهتمامات المعارض الأبرز لنظام الحكم قبل 2011 وأحد أبرز وجوه السياسة في تونس ما بعد الثورة.. إنها الهموم والقضايا التي تشغل بال الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإسلامية في تونس، اليوم ومنذ عقود من النضال الطويل.
 
نضال اقترب فيه الرجل من حبل المشنقة أكثر من مرة وعاش بسببه مرارة النفي والتهجير، حتى خالجته الشكوك أن يموت منفيا خارج بلده.. ثم قامت الثورة فأعادت الروح لتونس وشعبها.. وعاد الرجل لبلاده بعدها.. وبات منذ ذلك التاريخ المهم في حياة التونسيين ينظر إليه البعض باعتباره صانع الرؤساء ومن يدير الخيوط من خلف ستار، في حين ينظر إليه آخرون بأنه الرجل الذي ضيع من بين أيديه ثورة كانت قاب قوسين أو أدنى من أن تحقق موعوداتها العظيمة.

التكتيكي والاستراتيجي في ممارسات الغنوشي

يصفه البعض بـ"التكتاك"، يشيرون بذلك في رأيهم إلى غرقه في التكتيكات الصغيرة التي تضيع الهدف الاستراتيجي، ويراه آخرون خائنا للثورة متحالفا مع أعدائها خاضعا لإملاءات الخارج.. لكنه لا يقبل بذلك، ويرى أن ما نجح فيه هو وحركته ومن شاركه العملية من الطبقة السياسية قد حقق معجزة غير مسبوقة في عالم العروبة والإسلام.. ويقول أنصاره إنه إن ناور و"تكتك" فإن الغاية النهائية التي تحكم ممارساته هي الحفاظ على الثورة وإنجاحها وحمايتها من العواصف الكثيرة والزلازل العديدة التي تهددها.. وبالفعل فقد تمكن الرجل وشركاؤه من الحفاظ على الراحلة فلم تمت في الطريق، وعلى السفينة فلم تغرق في لجة البحر العاصف.. إنه المبدئي اللين.. أو هو السياسي القابل لتقديم التنازلات ما لم تحرف تلك التنازلات عربة الثورة عن طريقها، كما يقول أنصاره. 

وصفه الصحفي زياد كريشان بأنه الرجل الذي يقدم القرابين للرئيس الباجي قايد السبسي حتى يرضيه.. لكن الشيخ الغنوشي يلجأ للتاريخ ويرد بالقول "إذا كانت عادتنا تقديم القرابين فلماذا لم نفعل ذلك مع الزعيم بورقيبة رحمه الله؟ ‎ولماذا لم نفعل ذلك مع ابن علي؟ ‎ولماذا بقيت حركة النهضة تقريبا الحزب الوحيد الذي لم يشهد انشقاقات تذكر؟".

 

إقرأ أيضا: الغنوشي يشيد بإضراب 17 يناير في تونس.. هذا ما قاله

ويضيف موجها خطابه للصحفي زياد كريشان: "أطمئنكم بأننا لسنا في وضع تقديم القرابين بل مواصلة ترسيخ مقومات الانتقال الديمقراطي واستكمال مؤسسات الجمهورية الثانية ودولة القانون التي يتساوى أمامها الجميع". ويؤكد "النهضة ملتزمة بهذا الخيار، ونحن ندرك جيدا دورنا في تأمين هذا المسار وحمايته من الانتكاس، ولو كان ذلك على حساب مصالح حزبنا، وذلك في وضع سياسي يتميز بالتشتت ونقص البرامج والاستراتيجيات وتغليب منطق التهييج والفتنة".

ويختم رده على الصحفي كريشان: "لا نستغرب أن يعمد غير الديمقراطيين إلى كل الأساليب للتشويش على المسار والتشويه والشيطنة والخديعة وافتعال القضايا المختلقة، ولكن ذلك لم يمنع مناضلات النهضة ومناضليها ومعهم كل المناضلين الشرفاء من كل العائلات السياسية لإنجاح استحقاقات هذه السنة والذهاب إلى عهدة انتخابية جديدة شعارها التنمية لا المزايدات والمهاترات"، وفق تعبيره.

الدستور.. المصالحة.. وحياة الثورة

يتهم رموز ما يعرف في تونس بـ "التيار الثوري" الشيخ الغنوشي بأنه هو من أعاد النظام القديم للحكم من خلال التحالف مع "نداء تونس" ومن خلال إسقاط قانون العزل السياسي وإقرار قانون المصالحة الإدارية.. وهو ما أضر بالثورة ومكن من الانقلاب عليها بطرق ناعمة، كما يقولون.. 

يرد أنصار الشيخ الغنوشي بأن من أعطى الشرعية السياسية لـ "نداء تونس" ليست النهضة بل حلفاء النداء في ما عرف تونسيا بـ "اعتصام الروز بالفاكية" أو ما سمي "اعتصام الرحيل"، وأن النهضة تنازلت على السلطة وتمسكت بإقرار الدستور حتى يكون الخيمة التي تستظل بها الثورة، وأن من قبل بالدخول تحت خيمة الدستور فقد دخل تحت خيمة الثورة.. فالدستور فاصل بين زمنين ما قبله وما بعده، من قبل به قبل بالثورة ومن رفضه رفض الثورة وثمارها.

تحدث الشيخ الغنوشي كثيرا عن قانون العزل السياسي منذ إسقاط هذا القانون في المجلس التأسيسي بمشاركة فعالة من الشيخ الغنوشي وحركته.. وكلما ذكر قانون العزل ذكر النموذج الليبي.. هناك في الجارة الشرقية لتونس لم يأت قانون العزل السياسي بما يحصن الثورة الليبية، بل بالعكس دفع أولئك الذين عزلتهم الثورة وحرمتهم من ممارسة السياسة والترشح للانتخابات للتمرد على الثورة واعتبارها كأن لم تكن.. 

 

إقرأ أيضا: الغنوشي يقر بوجود "قطاع طرق" يحاولون إجهاض تجربة بلاده

ويرى الشيخ الغنوشي أن ما فشلت فيه ليبيا نجحت فيه تونس بفضل مرونة طبقتها السياسية، وعلى رأسها حركة النهضة ورئيسها، إذ نجحت الثورة التونسية في أن تحسم الخلافات بين تياراتها وقواها المختلفة بالانتخابات، وبمرجعية الدستور، الذي بات الخيمة الحامية للثورة والمحصنة لها، فمن قبل بدستور الثورة فقد قبل بها وصار ضمنها.. ولهذا حافظت الثورة التونسية على وجودها حية متألقة، وإن عانت من صعوبات وخضات كثيرة، بينما ماتت الثورات أو تم الانقلاب عليها وتفسيخها لدى باقي دول الربيع العربي.. إنها عبقرية المرونة، التي تلتف على المصاعب وتحتويها فتغلبها ولا تنكسر أمامها.

الانتخابات والتوافق والمسار الانتقالي

بينما يرى ما يسمى بـ "التيار الثوري"، الذي خسر خسارة مدوية في انتخابات العام 2014، في تلك الانتخابات عودة للنظام القديم، ترى النهضة في تلك الانتخابات تداولا على السلطة، وخطوة في مسار الانتقال الديمقراطي وترسيخا للعودة إلى رأي الشعب.. ويعتبر الشيخ الغنوشي أن أبرز ما يميز النظام الديمقراطي كون الشعب هو مرجع العملية السياسية وأن الشعب إن اختار اليوم هذا الحزب فإنه قد يختار غيره غدا، ومن ثم فما دام نداء تونس أو غيره قابلا بدستور الثورة فلا يهم إن فاز النداء اليوم، لأنه على الأرجح سيخسر غدا.. والمهم أن يستمر المسار وأن يصلح نفسه بنفسه مع الأيام.

في آخر ظهور كبير له بمناسبة الاحتفال بالذكرى الثامنة لقيام الثورة أعلن الشيخ راشد الغنوشي قراره عدم الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة.. إنها الرؤية ذاتها التي دفعت "النهضة" من قبل للتنازل عن الحكم حتى تستمر التجربة الديمقراطية.. يقول الشيخ الغنوشي "قلت ليس لي طموح شخصي للرئاسة، لأوقف سيل التعاليق والانتظارات التي تريد التأجيج والتأليب ولتأكيد أن النهضة ملتزمة بالحكم التوافقي مهما كانت نتيجة الانتخابات". 

ويرى الشيخ الغنوشي أن الثورة التونسية "نجحت حين تحولت إلى انتقال ديمقراطي، وستنجح أكثر حين تتحول إلى انتقال تنموي، وأننا أضعنا كنخبة سياسية وقتا طويلا في خلافات كان الأولى تخصيصه لإنقاذ اقتصادنا وعملتنا الوطنية، وأن السلم الاجتماعي هام ويتطلب الحفاظ على التوازنات المالية".

المصالحة.. الاعتذار.. وجبر الضرر

قبل أشهر قليلة طرح الشيخ الغنوشي مبادرة جديدة للمصالحة الوطنية.. فهيئة الحقيقة والكرامة، التي انتهت عهدتها في كانون أول (ديسمبر) الماضي، وهي الهيئة التي تم اختيارها من قبل المجلس التأسيسي في العام 2013 للقيام على شؤون المصالحة الوطنية، نجحت في جوانب وأخفقت في جوانب أخرى.. لقد عرت جانبا من التعذيب المنهجي وكشفت بعض آليات عمل النظام الدكتاتوري في انتهاك حرية الشعب التونسي.. وأتاحت للضحايا فرص التعبير عن معاناتهم، لكنها لم تفلح في النهاية في الوصول بالتونسيين لمصالحة تضمد الجراح القديمة.. وحتى الملفات التي عرضت على القضاء فقد تميزت بغياب المتهمين ورفضهم الحضور أمام القضاء، ما يفقدها الأهمية المعول عليها.

من هنا جاءت مبادرة الشيخ الغنوشي التي طرحها في شهر تشرين أول (أكتوبر) الماضي في الندوة السنوية لحركة "النهضة" وأعاد طرحها في محاضرة له مؤخرا بمناسبة ذكرى الثورة التونسية. وتنص المبادرة على على حاجة تونس لـ"قانون عدالة انتقالية يشجع مرتكبي الانتهاكات على الاعتراف والاعتذار مقابل العفو وجبر الممكن من كسور الضحايا، لأننا نريد الحقيقة وليس الزج بهؤلاء في السجن.. نريد تونس موحدة متضامنة حرة مزدهرة"، على حد قوله.

ويرى الشيخ الغنوشي أن التونسيين لن يستفيدوا شيئا من الزج بمن مارس التعذيب من قبل في سجون اليوم، وأن الاعتراف وكشف طرق الدكتاتورية في القمع والاضطهاد وإفساد الحياة السياسية واختراق الأحزاب وتدمير المعارضة، هو المطلوب حتى لا يتكرر ذلك مستقبلا، وذلك من خلال فضحه وجعل الشعب على بينة منه، بعد ذلك يعتذر الجلادون لضحاياهم، ومن ثم يسامحهم الضحايا ويقبلون اعتذارهم، وتقوم الدولة بجبر أضرار الضحايا، وتطوى صفحة الماضي الأليم وتتأسس الدولة العادلة الديمقراطية.. وذلك هو النجاح الحقيقي للثورة، كما يرى الشيخ الغنوشي، وليس إقصاء البعض أو الانتقام منهم هو نجاح الثورة المأمول، لأن كل إقصاء وانتقام يخلق أزمة جديدة من شأنها أن تهدم البناء الجديد مهما بدا عاليا راسخا.

ولقد كان لافتا للانتباه ومثيرا للاستغراب لدى كثير من المعنيين بالشأن التونسي، أن قسما من المعارضة التونسيية، اختار أن يحيي الذكرى الثامنة للثورة برفع شعارات سياسية معادية للشيخ الغنوشي نفسه، ورميه بتهمة القتل ومعاداة الديمقراطية. 

مهما اختلف الناس حول الشيخ الغنوشي فلا ينكر أحد مساهمته وحركته في الحفاظ على الحد الأدنى من الثورة.. إنه الثوري الناعم اللين المستعد لتقديم التنازلات.. يقدمها كما يقول أنصاره لا لتحقيق أغراض حزبية أو شخصية.. ولكن حتى تظل الثورة حية في محيط مضطرب معاد بحدة. 

 

إقرأ أيضا: الغنوشي يعلق على اتهام موجه للنهضة بتشكيل "تنظيم سري"

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً
< <

اقرأ ايضا