آخر الأخبار

الخيار العروبي والنزعة الأمازيغية في الجزائر 3 من4

توفيق المديني الجمعة، 25 يناير 2019 03:21 م بتوقيت غرينتش

الكتاب: البربر الأمازيغ عرب عاربة ـ وعروبة الشمال الأفريقي عبر التاريخ
الكاتب: الدكتور عثمان سعدي
الناشر: دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر.
الطبعة الأولى: 2018 ـ 269 صفحة من القطع الكبير

هناك اتجاه سياسي تاريخي عرف منذ نشأته بتبنيه للنزعة الأمازيغية في الجزائر مدعوما من فرنسا، التي دعمت الدعوة البربرية 1949، من أجل التصدي للثورة الوطنية التحررية الجزائرية، وأنشأت الأكاديمية البربرية في باريس عام 1967، أي سنة الهزيمة التي منيت بها الحركة القومية العربية بكل ما يعنيه هذا التاريخ من دلالات. 

وتساند فرنسا اليوم هذا الاتجاه في إطار اللعب بجدية بورقة البربر في نطاق مواجهة سياسة الهيمنة الأمريكية في منطقة المغرب العربي، بعد التحسن الواضح في العلاقات الجزائرية ـ الأمريكية، وبعد إشادة واشنطن بالرئيس بوتفليقة أيضا، والكلام عن موقع الجزائر في السياسات الأمريكية اتجاه قيادة المغرب العربي، والتحسن في العلاقات العسكرية بين الجزائر وأمريكا وحلف شمال الأطلسي.

 

اقرأ أيضا: الخيار العروبي والنزعة الأمازيغية في الجزائر (4-1)

وهذا الاتجاه يقف باستمرار إلى جانب التشديد على العنصر الأثني البربري، وكذلك إلى جانب التشديد على ازدواجية اللغة (الفرنسية) ضد التعريب. ويعادي هذا الاتجاه في الوقت الحاضر المسألة القومية (العربية)، ويعتبرها حركة شوفينية عنصرية، ويشدد على طرح المسألة الأمازيغية التي يهدد بتحويلها إلى إشكالية سياسية (أي قومية انفصالية) في نهاية المطاف، ويطرحها حاليا ضمن نطاق الاهتمام بالثقافة والهوية الأمازيغية، أو ضمن العناية بالثقافة الشعبية. 

وهذا الاتجاه يستند إلى بعض الجوانب المعطاة في الواقع الموضوعي المستند عليها لتبرير دعواه، هذه الجوانب التي تعود في جوهرها إلى سبب اجتماعي اقتصادي، وبشكل ثانوي "لغوي ثقافي"، تضفي نوعا من الشرعية الواقعية.

العروش القبائلية

إن العروش القبائلية ـ العروش تعني وجهاء القبائل الذين ينتمون إلى مختلف المناطق البربرية ـ انقسمت على نفسها إلى تيارين: تيار ما زال يراهن على جدوى الحوار مع الحكومة الجزائرية ونهج السبيل السلمي لتحقيق المطالب القبائلية، وتيار بات يؤمن بالعنف والحتمية الثورية لتحقيق كل الأهداف البربرية، وهذا التيار لا يتبنى المطلب الثقافي فقط، بل يطالب بالسماح للبربر بإقامة دولتهم والانفصال الكامل عن الدولة الجزائرية التي تسببت في نظرهم في أزمات البربر وغيرهم، وضمن هذا التيار تنشط حركة القبائل الحرة التي تطالب بالانفصال عن الدولة المركزية وصممت علما أصفر، وراحت تقيم المهرجانات في كبريات المدن القبائلية لنشر خطابها التجزيئي الانفصالي.

وتؤكد العديد من المؤشرات في مناطق القبائل أن احتمال التصعيد في المرحلة المقبلة وارد، وخصوصا بعد تعرض زعيم التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية البربري سعيد سعدي إلى محاولة اغتيال، ولو حدث أن عملية اغتياله نجحت لكان ذلك كفيلا بإضرام نار الفتنة في منطقة القبائل، تماما كما أدى اغتيال المطرب البربري معطوب الوناس إلى تفجير فتيل الأزمة في المناطق القبائلية؛ حيث تتهم القوى البربرية المخابرات الجزائرية باغتيال معطوب الوناس لحمل المناطق القبائلية على حمل السلاح ومحاربة الجماعات الإسلامية المسلحة، التي توجد في مناطق كالأخضرية والبويرة ومشدالة وكلها مناطق قبائلية. 

 

اقرأ أيضا: الخيار العروبي والنزعة الأمازيغية في الجزائر 2من4

وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده سعيد سعدي في فندق لالَّا خديجة ـ لالَّا بمعنى سيدة ـ في منطقة تيزي أوزو اتهم سعيد سعدي المخابرات الجزائرية بطريقة غير مباشرة، وصرح بأن دوائر في السلطة الجزائرية أصدرت أوامرها بتجميد التحقيق في محاولة اغتياله، وهو الأمر الذي دعا سعدي إلى رفع قضية محاولة اغتياله إلى لجنة حقوق الإنسان الأممية في جنيف، والبرلمانات الأوروبية كما اجتمع مع مسؤولي 17 سفارة عاملة في الجزائر، وحمل سعدي الأجهزة باللجوء الدائم والفوري إلى التصفية الجسدية. 

وقد رأى المراقبون في محاولة اغتيال سعيد سعدي، وتوقف لجنة التحقيق في أحداث القبائل الأخيرة عن مواصلة عملها وعودة العروش إلى تكثيف التظاهرات والمواجهات والإضرابات، بأنه مؤشر على قرب عودة التصدع إلى المناطق القبائلية. والسلطة الجزائرية التي قدمت للعروش القبائلية وعودا بتصحيح الأوضاع في مناطق القبائل ومنح البربر حقوقهم الثقافية، إنما تخشى أن ينتقل البربر فور حصولهم على حقوقهم الثقافية إلى المطالبة بتنفيذ مشروعهم السياسي، وخصوصا أن بعض المحاور الدولية والإقليمية مع الاعتراف بحق البربر في إقامة دولتهم في الجزائر.

من هنا، ينبغي إعطاء هذه القضية أيضا كل ما تستحقه من اهتمام، لما تشكله من خطر حقيقي على تفجير الصراع بين العرب والبربر، وعلى علاقة الشعب الجزائري بالشعب العربي، والمصير العربي المشترك، وبحركة القومية العربية، من خلال توضيح الأسباب التي جعلت المجتمع الجزائري يظل متخلفاًعلى هذا الصعيد (القومي)، وتوضيح الثقافة الوطنية الديمقراطية القومية، وموقع وحدود الثقافة الشعبية ضمنها، ثم موقع وحدود اللغة الأمازيغية كجزء من تراث الشعب الجزائري التاريخي.

 

من دون ديمقراطية ليست ثمة دولة جزائرية حديثة مستقلة، ولا وحدة وطنية يتعايش فيها العرب والبربر على قدم المساواة


وتتحمل الدولة القطرية الجزائرية، أي دولة الجنرالات الفرانكوفونيين المدعومة من قبل لوبي فرنسي صهيوني، متكون من عناصر الحركة البربرية المتطرفين أو من المتغربين المحنطين في دغمائيتهم، مسؤولية تاريخية في الأزمة الحالية التي تعيشها الجزائر، لأن الدولة التي تلغي حرية الأفراد والجماعات والفئات والطبقات والأحزاب والنقابات واستقلالهم وذاتيتهم، إنما تلغي حريتها واستقلالها وذاتيتها، وهو إلغاء للمجتمع، ونكوص إلى ضرب من سديمية قطيعية تقيمان الاستبداد. 
 
فمن دون ديمقراطية، ليست ثمة دولة جزائرية حديثة مستقلة، ولا وحدة وطنية يتعايش فيها العرب والبربر على قدم المساواة. وما أشكال الاستبداد العسكري القائم الآن في الجزائر، وصور الشوفينية والتعصب والنزعات العرقية عند الأقلية البربرية التي تقول إن المجتمع الجزائري ليس متجانسا في الأصل العرقي، وأنه خليط من عنصرين من البشر، العنصر العربي والعنصر البربري، إضافة إلى وجود اللغة الأمازيغية، وغيرها من التشوهات والانحرافات في المسألة الوطنية الجزائرية، سوى نتاج ضمور الديمقراطية أو غيابها.

ويندرج ضرب الرصيد الروحي واللغوي للشعب الجزائري في سياق الإجهاز على الهوية الوطنية الجزائرية، لكي تقدمها هذه الأقلية البربرية التي ترفض الاندماج القومي إلى فرنسا والولايات المتحدة والكيان الصهيوني على طبق من ذهب، حين أجمعت هذه الأقلية على ضرب ثوابت ومقدسات الهوية الجزائرية، دون حياء أو خجل من الإسلام واللغة العربية، خصوصا أن الوعي القومي في بلدان المغرب العربي، وعي مركب من الإسلام والعروبة. ويعد هذا المزج بينهم إلى خلو بلدان المغرب العربي من دين غير الإسلام على عكس بلدان المشرق العربي.

 

يندرج ضرب الرصيد الروحي واللغوي للشعب الجزائري في سياق الإجهاز على الهوية الوطنية الجزائرية



في ضوء ذلك، نستطيع أن نميز بين رؤيتين للهوية، إحداهما تتمثلها الأقلية البربرية وتحصرها في مجال الثقافة واللغة الأمازيغية، بل في التراث الأمازيغي و"الثقافة الشعبية"، فيتحول لديها مفهوم الهوية إلى مفهوم الجوهر الثابت والسرمدي. والثانية القومية الديمقراطية العربية التي تضع الهوية في مجال التاريخ والصيرورة الاجتماعية، ولا ترى من جواب منطقي وتاريخي لحل إشكالية الهوية القومية في الجزائر، إلا في المجتمع المدني الحديث ـ مجتمع التعدد والاختلاف والتعارض ـ ودولة الحق والقانون، المبنيين على أسس ديمقراطية وإنسانية.

المصلحة الوطنية والقومية في الجزائر تقتضي ضرورة تفادي ضرب البربر والعرب ببعضهما. ويظل خيار الديمقراطية على الرغم من صعوبته هو الحل النوعي والواقعي لتحقيق الاندماج القومي، وحل مسألة الأكثرية والأقلية السياسيتين، وإخراج الجزائر من أزماتها المستعصية التي تتغذى من معادلة الرعب القائم بين العسكر ومعارضيه الإسلاميين. علما أن لا وحدة وطنية في الجزائر من دون الجبهة الوطنية للإنقاذ، التي ما زالت تمثل الرقم الصعب في معادلة التأزيم والحل. وفي غير ذلك، سوف يستمر التناقض التاريخي قائما بين جزائر الدولة وجزائر المجتمع، وتستمر معه أزمة الهوية أو عقدة الهوية في الجزائر بصيغها التقليدية والماضوية. 

استهداف اللغة العربية وعروبة المغرب العربي 

يرى الدكتور عثمان سعدي، أن عروبة المغرب العربي مستهدفة من قبل الأحزاب البربرية، المدعومة بقوة من قبل الدوائر الإمبريالية الفرنسية والحركة الصهيونية العالمية، لا سيما أن خطة الحركة الصهيونية، منذ بداية القرن العشرين، تتمثل في تفتيت الوطن العربي إلى دويلات على أساس عرقي أو طائفي: دولة الأكراد، ودولة الموازنة، ودولة الدروز، ودولة العلويين، ودولة الشيعة، ودولة الأقباط، والدولة النوبية، والدولة البربرية. وبمجرد أن سنحت لهذه الدوائر الفرصة، فصل شمال العراق الكردي عن القطر الأم، وتوضع الآن الأسس لخلق الدولة الكردية بالأرض العربية، لا في تركيا ولا في إيران، حيث الأكراد أكثر كثافة منهم في العراق. والتآمر هذا يدور الآن حول اللغة العربية. العامل الوحيد القوي الذي لا زال يربط العرب كشعوب ودول، بعد أن تمت لأعداء الأمة العربية تكييف السياسة والاقتصاد العربيين، وفقا لما يريدون، بواسطة انفتاح متوحش حوّل الوطن العربي إلى سوق لبضائع الغرب وحليفته إسرائيل، وإلى بئر بترول رخيص، وحوالي ألف مليار دولار مودعة في المصارف الغربية ـ اليهودية تدر الخير العميم على إسرائيل.

 

اقرأ أيضا: دوّن بالفيديو: اللغة العربية وموقعها في التدريس بالجزائر

فالعربية في هذه المرحلة هي المستهدفة، فمنذ نهاية العقد الثامن من هذا القرن تزرع العواصم العربية بالنوادي والجمعيات المشبوهة، من أجل توجيه الشباب إلى الأغنية الغربية، والوطن بالكلمات الأجنبية في تعاملهم؛ ومن أجل توسيع سيطرة الفرنسية بالمغرب، والإنجليزية بالمشرق، على تدريس العلوم والتكنولوجيا، وعلى ما يسمى بالبحث العلمي، خدمة لاقتصاد (التربندو - الشنطة)، الذي يتسبب في هجرة المئات من الكفاءات العربية سنويا. 

واكتشفت دوائر الصهيونية، والاستعمار الجديد، التي تتحكم الآن في الأوضاع، أن أنجع طريقة لضرب العربية، خلق ضرات لها، كالكردية، والنوبية، والقبطية، والبربرية وتطويرها بالحرف اللاتيني من لهجات إلى لغات، يتم على أساسها بلقنة الوطن الكبير. فقد بدأت المسألة الكردية في العراق باللغة الجهوية، وانتهت بالانفصال. وهذا ما يخطط له في الجزائر. بل إن المسألة أخطر من المسألة الكردية، فالأكراد لم يطلبوا في يوم من الأيام إصدار مرسوم عراقي يعترف فيه باللغة الكردية كلغة رسمية ووطنية، وإنما طالبوا بالاعتراف لهم بلغتهم كلغة جهوية تدرس بمناطق الأكراد فقط وبالحرف العربي، مع التسليم بأن اللغة العربية الرسمية الوطنية العامة بالعراق بما في ذلك المناطق الكردية. لم يطالب الأكراد بإلزام تعليم الكردية للطفل البغدادي أو الموصلي أو البصري العربي.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا