آخر الأخبار

التعليم العربي والاغتراب.. تونس نموذجا

تونس ـ عربي21 ـ نورالدين العويديدي الإثنين، 28 يناير 2019 02:11 م بتوقيت غرينتش

أعادت الاضطرابات التي شهدها مجال التعليم في تونس في السنوات الأخيرة، وتصاعد مطالب النقابات التعليمية، سؤال الإصلاح التعليمي إلى الواجهة. وبدلا من أن تكون الثورة، التي يحتفل التونسيون بذكراها الثامنة هذه الأيام، مدخلا لحوار عميق من أجل إنجاز إصلاح حقيقي للتعليم، لا سيما القطاع العام منه على وجه الخصوص، فإن غلبة الشق المطلبي للعاملين في المجال التعليمي غطت على تحدي الإصلاح.

وأثار تصعيد نقابة التعليم الثانوي الأخير، وعدم عقد امتحانات الثلاثي الأول من السنة الجارية، مخاوف من إمكانية سنة تعليمية بيضاء، لا سيما مع تزامن إضراب مدرسي المرحلتين الإعدادية والثانوية، مع إعلان الاتحاد العام التونسي للشغل عن إضراب وطني لمدة يومين خلال شباط (فبراير) المقبل. 

 

إقرأ أيضا: كيف يبدو النظام التعليمي في الشرق الأوسط؟

وخلف أسئلة اليومي من حاجيات العاملين والقائمين على التعليم يظل السؤال عن أي أجيال تخرجها المدارس العربية؟ ولماذا رغم كل الإنفاق على التعليم لا تتحسن أحوال العرب العلمية والتقنية وتزداد تبعيتهم كل يوم للخارج؟ وأين الخلل؟ هل الخلل في السياسة بما هي تخطيط وإدارة عامة للدولة ووضع الرجل في مكانه والشيء في موضعه؟ أم الخلل في المدرسة أيضا؟ وهل تخرج مدارسنا أجيالا أكثر علما وأصالة ووعيا أم تخرج أجيالا أكثر غربة عن مجتمعها؟

الاغتراب اللغوي 

يبدأ الخلل في التعليم في العالم العربي منذ الطفولة المبكرة من اللغة المستخدمة في العملية التعليمية. فالعرب يزهدون في لغتهم ويتدافعون على تعلم اللغات الأجنبية، لعلها تكون سبيلهم للاندماج في العصر والنهل من منبعه.. لكن ذلك يزرع عقدة نقص تكبر مع المتعلم حتى توشك أن تنتهي به إلى الزهد في ثقافته ولغته رغم أنها ثقافة عريقة ولغته هي الرابعة في العالم من حيث عدد المتكلمين بها، فضلا عن قدرتها التعبيرية وغناها اللفظي والتركيبي، حتى عدها الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن اللغة الأقوى في العالم قبل الألمانية من حيث قدرتها على الاشتقاق والتوليد.

 

إن اللغة الأم هي سبيل الإبداع، ولا توجد في التاريخ القريب أو البعيد أمة نهضت بغير لغتها


في امتحان الثانوية العامة في تونس عام 2016 حصل 7 آلاف طالب على علامة صفر في اللغة الإنجليزية وحصل 5 آلاف طالب على علامة صفر في اللغة الفرنسية.. ومع ذلك تصر الدولة التونسية على تدريس العلوم والمعارف الأساسية باللغة الفرنسية، ويصر غيرها من الدول العربية على التدريس بغير لغة الضاد التي يفهمها التلميذ والطالب، وهو ما يجعل حصاد التعليم ضعيفا في عمومه، فضلا عن عقد النقص التي يصنعها في التلميذ تجاه اللغات والثقافات الأخرى.. 

أخطر من ذلك فإن التعليم يجري في العادة بطريقة تقطع الطالب عن مجتمعه وأمته، فهو يعيش وجدانيا بأمثلة تعليمية منتقاة من غير بيئته، وتزرع فيه العملية التعليمية الشكوك وهو طفل صغير في ثقافته وفي مجتمعه، وتقدم له ثقافة الآخر الغربي باعتبارها رمز الإبداع والعقل والتقدم، ما يخلق في نفسه منذ الطفولة ازدراء لاواعيا لمحيطه وتعلقا بمحيط بعيد تضرب منه الأمثلة التعليمية.
 
إن اللغة الأم هي سبيل الإبداع، ولا توجد في التاريخ القريب أو البعيد أمة نهضت بغير لغتها، وخلال أكثر من نصف قرن من التعليم والحصاد زقوم، ومع ذلك تصر دولنا على استضعاف لغة الضاد واحتقارها، وكأنها عاجزة عن أن تكون وعاء لأشد العلوم دقة وتعقيدا، لصالح لغات بعضها بدأ يموت في بيئته الأصلية، لكنه يعيش أمجاده في دولنا، وأعني هنا الفرنسية التي بدأت تتراجع في فرنسا ذاتها، لكنها ماتزال تستحوذ على تعليم معظم أبناء المغرب العربي.

المدرسة والوعي المأزوم

حتى في سنين مجدها وما بعده كان ثمة لوثة ترافق المدرسة في تونس مثلا منذ إنشائها.. فعلى الرغم من تزويد الدولة والإدارة ومؤسسات الاقتصاد بالمهندسين والخبراء والموظفين وسائر العمالة، إلا أن المدرسة كانت تخرج متعلمين يعجز الكثير منهم عن التواصل الجيد مع مجتمعهم.. فأكثرهم متكبرون عنه.. لا يرون فيه إلا التخلف والانحطاط.. وبدلا من أن يمدوا أيديهم لإخراج ذلك المجتمع، الذي أنفق عليهم أغلى ما عنده، من التخلف المدعى، فإن كثيرا من الخريجين تحولوا إلى مجرد كائنات تعيش لذاتها في قوقعة أنانية ضيقة مغلقة، لا تكاد تبالي بالمجتمع الذي علمها وأنفق عليها حتى تصل ما وصلت إليه..

في هذا السياق أيضا يمكن فهم هجرة العقول المميزة نحو الغرب. فعلى الرغم من الأسباب الكثيرة لتلك الهجرة، إلا أن جرثومة الاغتراب التي تزرعها المدرسة مبكرا في المتعلم تجعل منه مستعدا للهروب بجلده من المجتمع الذي رباه وأنفق على تعليمه، في أول سانحة تتاح له، وهو ما يجعله يرى في الهجرة فرصة لا تعوض للعيش في المجتمع الغربي المتقدم، هربا من مجتمع التخلف.

المدرسة والاغتراب الاجتماعي

تساءل مدون تونسي شهير (محمد صالح رابحي) عن الأسباب التي تجعل زواج الأميين أكثر صمودا من زواج المتعلمين، وقال "الشيء الغريب الذي أراه بالعين المجردة أن الحياة الزوجية بالنسبة لغير المتعلمين تكون أهدأ وأطول، وفي أغلبها تتواصل حتى وفاة أحد الزوجين، حينها فقط يفكر الطرف الآخر في الزواج".

 

أكبر المشاكل الناجمة عن تعليمنا أنه تعليم يجتث المتعلم من بيئته ويصنع له أوهاما ويزرع فيه الشك في مجتمعه


وأضاف: "لا أعرف ما هو الشيء الغريب الذي يجمع الزوجين غير المتعلمين وسر القدرة العجيبة على التوافق وتحمل بعضهما البعض (....) على عكس ذلك نرى أن الزواج الحديث وأقصد بذلك زواج المتعلمين يكون في أغلبه قصير العمر ويتسم بالكثير من الشجار وعدم الفهم، بل وعدم القدرة على تحمل كل منهما الآخر (.....) ومن هناك تنتهي الحياة الزوجية في المحاكم دون إعطاء أي قيمة ولا أهمية للأطفال".

ويتساءل المدون رابحي: "هل إن الجهل هنا سبب في السعادة الزوجية والتعلم سبب في التعاسة؟... ما قيمة التعلم إن كان الواحد منا لا يستطيع استعمال ذلك في الحفاظ على الطرف الآخر ودراسته جيدا؟ أم إننا يمكن ببساطة أن نقول إن الجاهل أقدر على فهم الحياة الزوجية من المتعلم".

 

إقرأ أيضا: دولة عربية هي الأولى عالميا في معدلات الطلاق

تضع هذه التساؤلات البسيطة من هذا المدون تعليمنا ومدارسنا وجامعاتنا جميعا موضع سؤال كبير.. فإذا كنا بالتعليم نخرج أناسا فاشلين اجتماعيا فما فائدة التعليم إذن؟ ولعل ما غاب عن مدوننا أن التعليم والتعلم لا يكون في المدرسة وحدها.. الحياة هي المدرسة الحقيقية.. والأمي ليس جاهلا، بل فقط فاتته مهارة القراءة والكتابة وهي مهارة من مهارات كثيرة في الحياة.. فقد تجد شعراء أميين هم أرباب القوافي والمعاني والحكم.

كما إن أكبر المشاكل الناجمة عن تعليمنا أنه تعليم يجتث المتعلم من بيئته ويصنع له أوهاما ويزرع فيه الشك في مجتمعه ويغرس فيه التكبر على ناسه.. إنه تعليم يمكن المتعلم من بعض المهارات لكنه يفسد عمقه ويشوش فكره ويجتثه من بين أهله.. وبمناهج تعليمنا اليوم فإن المتعلم ينشأ في خصام غير واع مع مجتمعه.
 
وبما أن لكل مجتمع إنساني خبرة تاريخية وحكم متوارثة تتجلى أساسا في الأمثال الشعبية، والأمثال الشعبية كلام بليغ مختصر يحمل في طياته الحكمة والخبرة وخلاصة التجارب الاجتماعية، ومتعلمونا مقطوعون عن خبرة مجتمعاتهم متكبرون عليها أو على الأقل لا يعيشونها بالعمق المطلوب..
 
لكل هذا نفهم لماذا كانت الأسرة القديمة أكثر تماسكا من الأسرة الحديثة، لأنها أكثر تجذرا في دينها وهويتها وخبرتها الاجتماعية، بخلاف الأسرة الحديثة التي تقوم على عوامل  ارتباط عابرة، وتبدأ حياتها بالديون حتى يظهر الزوج يوم زواجه غنيا مقتدرا حداثي التفكير واسع الإمكانيات.. وبعد أشهر من الزواج تبدأ الضغوط، التي توتر العائلة الصغيرة وتخلق الشقاق والصراع بين طرفيها وتنتهي آخر الأمر بالمحاكم والطلاق.

وللسياسة نصيب الاغتراب الأكبر

قد لا يكون التعليم وحده مسؤولا عن استفحال الطلاق ولا على مظاهر الفشل الأخرى في مجتمعاتنا، فضغوط الحياة الكثيرة تساهم في ذلك.. ولكن لابد من أن نسجل أن تعليمنا مأزوم وأنه أخفق في الارتقاء بأوضاع العرب، فهم يكادون يكونون عالة على غيرهم، يستوردون ما يأكلون وما يلبسون وما يركبون، ولا يصدرون إلا خامات المعادن التي وهبها لهم الله وهم اليوم يبذرونها يمينا وشمالا.. ولعل المدرسة مع مسؤوليتها البارزة إنما وضعها هي ذاتها هو ثمرة لسياسة التبعية والاحتلال غير المباشر.. فالعرب اليوم وخاصة حكامهم لا يفكرون إلا في كراسيهم، يحمونها بالولاء لأصحاب الجيوش والأساطيل.. ومن هنا يبدأ الاغتراب الأكبر والتيه الأعظم.

 

إقرأ أيضا: أزمة التعليم تتسع بتونس.. والأساتذة يهددون بالتصعيد (شاهد)

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا