تونس.. مقاربات عن الإسلاميين والهوية والإرهاب (2من2)

تونس ـ عربي21 ـ كمال بن يونس الثلاثاء، 29 يناير 2019 02:08 م

نجح نحو 50 من الجامعيين والباحثين والإعلاميين التونسيين من مدارس فكرية مختلفة، في صياغة دراسة شاملة، هي الأولى من نوعها عربيا، عن السلوكيات الثقافية والاجتماعية والسياسية في علاقة بالمرجعيات الثقافية الدينية.

هذا البحث الذي أنجز في شكل دراسة عميقة وأنيقة من 1500 صفحة من الحجم الكبير، في 4 مجلدات، عن سنوات 2011- 2015  اعتمد أشكال البحث العلمي المختلفة من المقاربات النظرية إلى الدراسات الكمية والإحصائية وإنجاز استبيان شمل عينة من 1800 شخصية من شمال البلاد وجنوبها.

وقد توصل الباحثون إلى استنتاجات جديرة بالمتابعة حول الملفات التي لها علاقة بالتعدد والتعددية فكريا ودينيا والأقليات الدينية والمذهبية وخصوصيات "الاتجاه الإسلامي" التونسي بكل مكوناته وتعبيراته التقليدية والحداثية الرسمية والمستقلة والمعارضة .وتوصلوا إلى استنتاجات تساعد على فهم "الاستثناء الديمقراطي التونسي" سياسيا والتعبيرات الدينية السلفية الاقصائية والعنيفة التي طفت على السطح ثم همشت.

نوه المشرف العام على البحث منير السعيداني في حديث لـ "عربي21"، بكون إضافات التقرير كانت مرتبطة بتنوع صفات فريق البحث واختصاصاتهم التي شلمت أكاديميين وغير أكاديميين من أصحاب الخبرة الميدانية في مؤسسات الدولة والإعلام والعمل الميداني، أسوة بالمدرسة الأنغلوسكونية وتجارب مراكز الدراسات التابعة للمجتمع المدني.

وقد أمكن بفضل هذا التنوع صياغة استنتاجات بعيدة عن الأفكار المسبقة عند تناول ملفات ساخنة من نوع سياسة الدولة الدينية ومعركة التحكم في المساجد ما بين 2011 و2015 والصراعات بين العلمانيين وتيار من المتدينين حول بعض فصول دستور 2014 وبصفة أخص الفصل الأول منه من حيث تنصيصه على هوية البلاد والدولة في علاقة بالإسلام والعروبة والنظام السياسي وتطبيق أحكام الشريعة.

التعدد لا يعني التعددية 

وفي سياق التحليل للجزء الرابع من التقرير المخصص للعمل الميداني كشف عالم الاجتماع عبد اللطيف الهرماسي أن الإجابات عن أسئلة الاستبيان كشفت تأثرا كبيرا بالموروث الثقافي وبالإطار التاريخي الجغرافي بالنسبة لمجتمع غالبيته الساحقة من المسلمين السنة المتأثرين بالتيار الأشعري والمذهب المالكي.

 

إقرأ أيضا: قراءة في تحولات العقل السياسي لحركة "النهضة" التونسية
 
لكن الهرماسي أورد أن المقاربات الدينية في تونس تتراوح بين الانفتاح والانغلاق. يبرز الانفتاح من خلال الإجابات على الاستبيان والإقرار بالحقوق الدينية للأقليات من بين أتباع المذهبين الإباضي المنتشر خاصة في جزيرة جربة والجنوب التونسي والعاصمة، والحنفي وهو المذهب الرسمي لرئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي وآلاف العائلات المنحدرة غالبا من جذور تركية أو عثمانية.

 

منذ أكثر من 60 عاما اقترنت مرحلة بناء الدولة الحديثة في تونس وتركيا بتوجهات علمانية أدت إلى تحديث المجتمع تحديثا كاملا بما أضعف دور التدين التقليدي والمؤسسات الدينية.


 
وبرز إقرار مماثل بحقوق الأقلية الشيعية مع تقديم نقاط استفهام حول تسييس الانتماء إلى هذا المذهب الإسلامي.

وتبين الإقرار بالتعدد من خلال الإقرار بحقوق الأقليات الدينية وبينهم آلاف المواطنين اليهود وحوالي 30 ألف مسيحي غالبيتهم من الأجانب والبهائيين.

ويتراجع الإقرار بالحق في التعددية الدينية، عندما يتعلق الأمر بالأسئلة الخاصة بالحق في تغيير الدين، أو "الردة"،  أو المذهب، أو الانتماء إلى "اللادينيين" أو "المعارضين لكل الأديان والمقدسات".

ويستنتج الباحث نادر الحمامي أن في تونس "تعددا دينيا ومذهبيا يكرسه الواقع وليس تعددية تقوم على الإقرار قولا وفعلا بحق الاختلاف".

تأثيرات فرنسا وبورقيبة وتيارات الإصلاح 

وهنا ينتقل عدد من واضعي هذا التقرير عن الحالة الدينية في تونس من مرحلة الوصف والتشخيص والاستبيان والتحليل إلى طور التفسير التأليفي والتركيب.

ويتوقف عبد اللطيف الهرماسي عند بعض الحقائق المهمة التي أثرت في التوجهات الفكرية والثقافية والدينية داخل المجتمع والنخب في تونس من بينها أن الاستعمار الفرنسي لم يكن اقتصاديا فقط بل أثر كذلك في السياسات التربوية والثقافية والاعلام والسلوكيات الاجتماعية وساهم في تصدع المؤسسات التقليدية.

 

إقرأ أيضا: "النهضة" التونسية.. قراءة في الفصل بين الدعوي والسياسي

ومنذ أكثر من 60 عاما اقترنت مرحلة بناء الدولة الحديثة في تونس وتركيا بتوجهات علمانية أدت إلى تحديث المجتمع تحديثا كاملا بما أضعف دور التدين التقليدي والمؤسسات الدينية.
 
في هذا السياق أمر الحبيب بورقيبة بالاختلاط بين الجنسين في نفس المدارس والجامعات وداخل نفس القسم والجلوس في نفس الطاولة. كما شجع السياحة مبكرا لأسباب اقتصادية وثقافية وكرس الانفتاح على أوروبا وثقافتها عبر تعميم تعليم اللغة الفرنسية منذ المرحلة الاولى من التعليم الابتدائي.

وفي مجال فهم النصوص الدينية دعم بورقيبة منهج التيار الإصلاحي العقلاني ومشروع الطاهر حداد وتلامذته، بما ساهم في دعم القراءة العقلانية والتحديثية للقرآن وبقية النصوص الدينية.
 
بل إن تشريع الإفطار كان ضمن تأويل معين للنصوص الدينية والسيرة النبوية وحادثة تبرير الإفطار في مرحلة الجهاد ثم الحديث النبوي الذي وصف مرحلة البناء بعد فتح مكة بـ "الجهاد الأكبر".

بين الخصوصية والكونية 

وقد أكدت هذه الدراسة المعمقة على نسبية ما يروج من تضخيم لدور المقدس والديني في الشأن العام ولنسبة التونسيين والتونسيات بين التكفيريين وأعضاء الجماعات المسلحة في بؤر التوتر.

وسجل عبد المجيد الشرفي في هذا السياق ظاهرة "التأليف" بين سلوكيات وأفكار متناقضة مع الدين مثل ارتداء الحجاب بكثافة بحجة أن شعر المرأة فتنة دينيا، في نفس الوقت الذي تتزين فيه المحجبات وترقصن بحضور الرجال..

واستنتج أن تراجع تأثير التيارات السلفية المتشددة ناجم عن معطيات إقليمية متصلة بالمتغيرات الجيو استراتيجية.

واعتبرت ورقة الشرفي أن التحاق بعض الشباب التونسي بالجماعات الإرهابية كان ظاهرة هامشية لكن وقع تضخيمها لأن العنف والتطرف مرفوضان بقوة في تونس.

وأكد مع عدد من الباحثين على كون الظاهرة الإرهابية كونية أسبابها سياسية وإن تغطت برداء الإسلام. 


وقد ثبت أن الثقافة الدينية للغالبية الساحقة من المورطين في العنف والإرهاب ضحلة جدا.

نظرة شاملة 

استنادا إلى هذا التقرير الشامل عن الحالة الدينية في تونس، وهو حقا عبارة عن دراسة عميقة تستحق التعميق والمناقشة والاثراء، يتضح أنّه لم يعد من الممكن في أي بلد التفكير في المسألة الدينيّة بمعزل عن المستجدات الجيو استراتيجية والمعاهدات والمواثيق الدوليّة والإقليميّة وأثرها في الدستور والقوانين.

وفي نفس السياق وافق الاسلاميون والليبراليون وخصومهم عند صياغة دستور 2014 على التنصيص على حرية الضمير والمعتقد والدين، بما كرس العلاقة الجديدة بين المحلّي الثقافيّ والكونيّ بقطع النظر عن كيفيّة احترام المكاسب الحقوقية الكونية والأممية من عدمه..

 

إقرأ أيضا: تونس.. مقاربات عن الإسلاميين والهوية والإرهاب (1 من 2)

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً
< <

اقرأ ايضا