الإسلام السياسي في تونس.. قراءة في النشأة والتوجه (1من2)

بلال التليدي الجمعة، 01 فبراير 2019 06:58 م

الكتاب: الإسلام السياسي في تونس.. تاريخ حركة "النهضة"
المؤلفة: آن وولف
تاريخ الإصدار باللغة الإنجليزية أيار (مايو) 20017
تاريخ النشر الإلكتروني يناير 2019
 
يكتسي هذا الكتاب أهمية كبيرة، لا من حيث المعطيات التاريخية التي قدمها عن نشأة حركة "النهضة" التونسية وتطور كسبها الفكري والسياسي، فهذا شيء متاح في عدد من الأدبيات الأكاديمية البحثية التي سبقته، لاسيما جهود فرانسوا بورغات وأيضا فانسون جيسر وإريك جوب، وإنما يكتسب فرادته من المنهجية العلمية التي حاول التزامها، ذلك أن الكاتبة حاولت ما أمكن أن تلتزم طريقا وسطا في التعاطي مع تاريخ الحركة، ولم تتورط في الدفاع عنها ولم تنزلق لمواقع إدانتها واتهامها كما تفعل العديد من الدراسات التي تتحامل على حركات الإسلام السياسي، فقد تعاملت مع حركة "النهضة" كموضوع لحقل بحثي التزمت فيه بمنهجية علمية في التعاطي معها.

ويستمد الكتاب أيضا فرادته من زاوية الإضافة التي يقدمها، ففضلا عن المعطيات التأريخية التي ترصد نشأة الحركة وتطور كسبها الفكري والسياسي، فقد حاولت الكاتبة أن تجتهد في تقديم تحليل لنشأة هذه الحركة وتطورها معتبرة آلية التفاوض مفتاحها في تفسير تحولات العقل السياسي داخل هذه الحركة.

"النهضة" ثمرة لأزمة صراع الهوية في تونس

لا تختلف الدكتورة آن وولف، المتخرجة من كوليج سانت أنتوني بجامعة أكسفورد والباحثة المشاركة في مركز الأبحاث حول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بجامعة كمبريج، في شيء عن الباحث الفرنسي المتخصص في دراسة الإسلام السياسي، فرانسوا بورغات في تفسير نشأة ظاهرة الإسلام السياسي في تونس، فهي تصنف هذه الحركة باعتبارها ثمرة لأزمة تشكل الهوية في تونس وذلك منذ القرن التاسع عشر، وتجاذب المكون العربي الإسلامي مع المكون العلماني وصراعها من أجل الاستفراد بصياغتها، كما تقر في كتابها، بأن مصدر قوة حركة "النهضة"، هو قدرتها عبر مسارها التاريخي الطويل على التكيف مع السياقات المتغيرة، وقدرتها على المقاومة لتبرير وجودها وتأمين استمرارها.

الاختيارات العلمانية القسرية للرئيس لحبيب بورقيبة وراء نشأة "النهضة"

تقدم الباحثة في هذا الكتاب دراسة تأريخية للحزب الإسلامي التونسي، حركة "النهضة"، منذ نشأته في بداية الستينيات إلى سنة 2016، وقد حاولت في هذا العمل أن تقدم سردا تاريخيا تفصيليا حول هذه الحركة، مستفيدة في ذلك من التراكم الذي حصل في التأريخ لهذه الحركة لاسيما جهود الباحث الفرنسي فرانسوا بورغات.

 

إقرأ أيضا: الغنوشي.. قصة ثوري ناعم عائد من المشنقة إلى الديمقراطية
 
ترى الباحثة أنه قبل ثورة 2011، كان من الصعب القيام بدراسة حول هذه الحركة تعتمد منهجية البحث الميداني، بحكم أن الحركة كانت تعتبر حركة إجرامية مدانة من قبل السلطة السياسية، لكن بعد ذلك صار الأمر متيسرا. وقد حاولت وولف أن تقدم هذا العمل التوثيقي والتأريخي مرفوقا بقراءة تحليلية معتمدة في ذلك على تقنية المقابلات، إذ قابلت مختلف مكونات الحركة وقياداتها، بما في ذلك بعض أعضائها ومناضليها، ساعية ما أمكن تحكيم معيار التمثيلية الجغرافية، ليس فقط في تونس، وإنما حاولت تتبع ورصد قيادات الحركة في بلاد المهجر، وبشكل خاص بريطانيا وفرنسا، وذلك حتى تكون رؤية مستوعبة عن مختلف الحساسيات الفكرية والسياسية التي تضمها هذه الحركة، وذلك باستحضار تأثير السياق السياسي في تكوينها.
  
وبحسب الدكتورة آن وولف، فقد أخذ منها هذا البحث أربع سنوات من العمل الميداني، أجرت فيها أكثر من 400 حوار، فضلا عن الاطلاع على الأرشيف السري للحركة. وقد حاولت أن تقدم الكتاب بلغة بسيطة، وذلك حتى يسهل على الجمهور التفاعل معه، وحتى لا يبقى ملكا فقط للنخب المتخصصة.

يتكون الكتاب من ستة فصول، خصصت الخمس الأولى كلها للحديث عن المسار التاريخي لحركة "النهضة" قبل الثورة، فيما خصصت الفصل السادس للمرحلة الراهنة، مركزة في ذلك على الحلقات الأكثر أهمية في تكوين الحركة، وتطور كسبها الفكري والسياسي. وقد حاولت الباحثة في الفصول الأولى الحفر في جذور الحركة التاريخية وتطورها الفكري والسياسي، وقد جارت في ذلك عددا من الباحثين مثل فرانسوا بورغات.

 

إقرأ أيضا: "النهضة" التونسية.. قراءة في الفصل بين الدعوي والسياسي

وبحسب الباحثة، فإن الاختيارات العلمانية التي قام بها الحبيب بورقيبة وكذا رغبته في تفكيك المؤسسة الدينية، كانت من أهم العوامل التي ساهمت في بروز هذه الحركة، بحيث كان ظهورها الأول في شكل (الجماعة الإسلامية)، وكان هدفها الرئيس هو محاولة "إعادة أسلمة المجتمع" انطلاقا من القاعدة. وقد كان يقودها في تلك المرحلة كل من الشيخ راشد الغنوشي واحميدة النيفر وعبد الفتاح مورو.
 
تحول "النهضة" للعمل السياسي

بحسب الباحثة، ثمة ثلاثة عوامل مهمة ساهمت انتقال الحركة السريع للعمل السياسي: أولها، الانتشار الواسع لأدبيات الإخوان المسلمين، وثانيها، النشاط الديني لعدد من القيادات الطلابية في الجامعة، والثالث، مرتبط بالسياق الإقليمي والدولي، وبشكل خاص تأثيرات الثورة الإيرانية.

وقد حاولت الباحثة في سياق استعراضها للتحولات التي عاشتها الحركة أن تسلط الضوء على بعض كواليسها، خاصة ما يتعلق بصراعات أجنحتها وتسوياتها الداخلية، محاولة في ذلك تفسير تطور كسبها اعتمادا على مفهوم التفاوض الداخلي، إذ اعتبرت أن معظم التحولات التي عاشتها الحركة كانت في جوهرها ثمرة لمفوضات داخلية جد معقدة. 

ففي سنة 1970، انطلقت المفاوضات الداخلية على خلفية صياغة هوية الحزب بشكل يتعارض مع هوية الشعب التونسي المسلم، ويقترب من هوية الإخوان المسلمين بمصر. وقد كان من نتائج هذا الخيار انسحاب الشيخ احميدة النيفر، وأخذه مسافة عن الحركة، إذ كان، على خلاف أغلبية الحركة، يعارض هوية الإخوان المسلمين وأدبياتهم، وكان لا يرى صلاحيتها على الانسحاب على الواقع التونسي.

وتمثل وولف لفاعلية التفاوض في تدبير التوترات الداخلية بما حدث داخل هذه الحركة في طورها الثاني، مع حزب حركة الاتجاه الإسلامي، الذي تأسس سنة 1979، وتم الترخيص له رسميا سنة 1981، والذي أخذ فيما بعد اسم حركة "النهضة"، إذ عرف هو الآخر توترات داخلية، بين تيار مناضل براغماتي يقوده عبد الفتاح مورو، وتيار يدافع عن رؤية دوغمائية يقوده الراحل صلاح كركر وصادق شورو، بينما كان الزعيم راشد الغنوشي دائما يلعب دور الوساطة بين التيارين، بحيث كان مركز الثقل يتحول من تيار إلى تيار، وذلك بحسب الظروف والرهانات السياسية، وبحسب الوضعية السوسيوسياسية التونسية والدولية. 

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً
< <

اقرأ ايضا