آخر الأخبار

التغيير في المنطقة شرط البقاء والاستمرار

محمد الشبراوي الإثنين، 11 فبراير 2019 03:27 م

في منطقتنا لا يختلف الواقع في كثير من الدول، فالقاسم المشترك بينها جميعا هو الحاجة للتغيير في ظل تراجع دور الشعوب لمصلحة الحاكم الفرد أو النخبة الحاكمة، مع صعود في منحنى الظلم والاستبداد. فالعدل مفقود، والظلم والاستبداد واقع مشهود وبالقوة وباسم القانون مفروض، وذلك على عكس ما شهدته سائر دول العالم مع النصف الثاني من القرن العشرين وانتهاء حقبة الاستعمار، حيث كانت الأمور تسير نحو مزيد من التمكين للشعوب.

لقد كان من المفترض أن تشهد حقبة ما بعد الاستعمار تغييرا عبر صعود دور شعوب المنطقة في حكم نفسها، وفقا لدساتير تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتحدد العلاقة بين السلطات المختلفة، وتنطلق من هوية الشعوب وثوابتها وتراعي مصالحها، وتحقق العدل الذي هو غاية إنسانية تُحفظ به أركان الدول ويُصان وجودها، ولكن ما حدث كان خلافا لذلك.

لقد خرج الاستعمار الغربي المباشر من المنطقة بعدته وعتاده ليحل محله وكلاء محليون ارتبطت مصالحهم به، سواء عن عمد أو جهل أو هوى أو عن ضعف إرادة، ويعملون على أكمل وجه بما يحقق مآربه ويحفظ مصالحه في المنطقة، والتي تتصادم بطبيعة الحال مع مصالح الشعوب.

لقد بات واضحا جليا بما لا يدع مجالا لأدنى شك؛ أنه لا يمكن أن يستقر نظام حكم في المنطقة العربية لا يرضى عنه الغرب والولايات المتحدة الأمريكية؛ "وريثة الاستعمار الغربي القديم في المنطقة" والتي جعلت من ضمان أمن الكيان الصهيوني المزروع في المنطقة شرطا للقبول والرضى حتى أصبح هناك قاعدة ثابتة هي أن "الوصول إلى رضى القلب الأمريكي لابد أن يمر عبر شرايين الكيان الصهيوني المسمى بإسرائيل".

لقد كانت النتيجة الطبيعة لوجود النظم المحلية الوكيلة للمحتل الخارجي أو المستعمر القديم الجديد أن تتصادم هذه النظم مع الشعوب وتنكشف حقيقة تبعيتها للغرب، ويزداد البون اتساعا بينها وبين شعوبها، ومن ثم اصبح عملها متركزا في الحفاظ على الحاكم ونظام الحكم على حساب الأوطان وحقوق الشعوب وحرياتها، وأصبحت تستند بالكلية في بقائها على تأكيد التبعية ونيل الرضى والقبول الخارجي، وتعمل وفقا للخطوط الحمراء للمستعمر القديم الجديد، وبات ذلك هو جل الهم تبذل فيه النظم جهدها ومقادير دولها.

لم تكن الفترة من منتصف القرن العشرين وحتى وقتنا الراهن إلا امتدادا لفترة الاحتلال الأجنبي الذي هيمن على هذه المنطقة منذ القرن التاسع عشر الميلادي، وما حدث لم يكن سوى مجرد تغيير لشروط الاحتلال وطريقته لتنتقل المنطقة من الاحتلال المباشر إلى الاحتلال عبر الوكلاء المحليين.

لقد كانت انتفاضة الشعوب في المنطقة في ما سمي بالربيع العربي تمثل خطوة في الطريق نحو التحرر والتغيير الذي تُقاد إليه الأمة عبر قرنين من الزمان، كما كانت تلك الانتفاضة كاشفة لحقيقة أدوار نظم حكم كانت مخفية عن الكثيرين؛ تحت شعارات براقة للإحياء الوطني الذي تحول إلى احتكار سلطوي يخفي وراءه يد المحتل الغربي القديم الجديد.

في منطقتنا العربية، وبعد الانقلاب على انتفاضة الشعوب المفاجئة في الربيع العربي، تقود دول في المنطقة عملية متسارعة لإعادة إنتاج مشروع الاستبداد والتبعية والمرتبط كليا بالغرب، متجاوزة في سبيل ذلك سائر الخطوط الحمر التي كانت تعمل وفقا لها من قبل، سواء ما تعلق منها بالثوابت والهوية ومنظومة القيم، أو بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي كانت توفرها لكسب ولاءات الشعوب.

وعلى جانب آخر، قامت في المنطقة معادلة أطرافها أمريكا والكيان الصهيوني (إسرائيل) ونظم الحكم في المنطقة، وتنطلق هذه المعادلة من إدراك الكيان الصهيوني أن بقاءه واستمراريته مرتبط ببقاء النظم العربية بوضعيتها الحالية، بينما الشعوب ثابتة على عداوتها. وتقوم هذه المعادلة على تقديم إسرائيل خدمات الدعم والتأهيل للقبول لدى البيت الأبيض الأمريكي، بينما تقدم النظم العربية أموال شعوبها رغبة ورهبة إلى الخزائن الأمريكية، فيما تواصل إسرائيل تكريس وجودها كأحد دول المنطقة، وإنهاء فكرة العداء التاريخي والصراع العربي الإسرائيلي، وفرض نفسها زعيما وشرطيا للمنطقة وتحويل الصراع نحو عدو جديد.

على مدار عقود مضت لم تنجح المنظومة القائمة في المنطقة في تحقيق تفوق أو خلق تنمية مستدامة وإحداث تغيير حقيقي يمكنها من اللحاق بالركب العالمي، بل أنتجت حالة من الانسداد السياسي والتراجع الاقتصادي والانقسام المجتمعي وتنامي الطبقية وتقسيم طائفي وغياب للعدل، وتسببت سياسات هذه النظم في معاناة شعوب المنطقة في ظل أوضاع دولية تسير نحو التغيير والتبديل.

يوما بعد يوم المنظومة السياسية الحاكمة في المنطقة بممارساتها وخروجها على الثوابت تفقد ظهيرها الشعبي، مما يجعلها تتهافت وتزداد ضعفا وتصبح أكثر حاجة للدعم الخارجي، بما يعني استمرار عدم الاستقرار الذي سيقود حتما إلى لحظة فاصلة، قد تتأخر لكنها ستأتي مصحوبة برياح التغيير للجميع والذي تفرضه طبائع الأمور والسنن الكونية؛ لأن التغيير أصبح شرطا لبقاء واستمرار هذه الأمة.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً
< <

اقرأ ايضا