تونس بين معركة الهوية ومعركة الحرية

بحري العرفاوي الإثنين، 11 فبراير 2019 04:46 م

(1)
الإسلاميون وسرُّ الصناديق

"في البلاد العربية وفي أي وقت تُجرى انتخابات ديمقراطية يترشح فيها إسلاميون سيفوزون بكل يُسر".. هذه حقيقة يرددها المتابعون للساحة العربية، وهي أشبه ما تكون بقاعدة انتخابية منذ تفاجأت السلطات التونسية بارتفاع عدد أصوات المصوتين لحركة النهضة في أول انتخابات تعددية، في 2 نيسان/ أبريل 1989.

ثم في سنة 1990 شهدت الجزائر أول انتخابات للمجالس البلدية الولائية، في مرحلة تجريب التعددية والانفتاح السياسي، وكانت نتائجها فوزا ساحقا للجبهة الإسلامية للإنقاذ، حيث حصلت على أكثر من 950 مجلسا بلديا من أصل 1539 بلدية، و32 مجلسا ولائيا من أصل 48 مجلسا ولائيا.

ونُظمت بعدها انتخابات تشريعية في 26 كانون الأول/ ديسمبر 1991، وفازت أيضا وفي الجولة الأولى الجبهة الإسلامية للإنقاذ بـ188 مقعدا، بنسبة تمثل 82 في المئة من مقاعد البرلمان.

المجلس الأعلى للأمن الجزائري تدخل يومها واتخذ قرارا يقضي بـ"وقف المسار الانتخابي إلى حين استتباب الأمن وعودة الاستقرار وتوفر ظروف الممارسة الديمقراطية"، وتم إلغاء الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية، ثم قرر أعضاء من الحكومة تشكيل المجلس الأعلى للبلاد، وعين على رأسه محمد بوضياف رحمه الله بصلاحيات رئيس جمهورية. وقد كانت"استقالة" الرئيس الشادلي بن جديد إحدى أعنف تداعيات نتائج تلك الانتخابات.

سنة 2005، في انتخابات مجلس الشعب المصري، فاز الإخوان بـ88 مقعدا من جملة 444 مقعدا، وهي نسبة مهمة في ظل المضايقات الأمنية، وهو ما سيجعل النظام يفكر في آليات إضعاف حظوظ الإخوان في انتخابات 2010، إذ أصدر في 2007 قانونا يمنع أي نشاط سياسي على أساس ديني، خاصة وقد كان شعار الإخوان في 2005 "الإسلام هو الحل".

التضييقات الأمنية وتعطيل أداء نواب الإخوان طيلة فترة نيابتهم تلك ستجعلهم يترددون في المشاركة في انتخابات 2010، وسيدخلونها بـ132 مرشحا فقط، بعد أن كانوا شاركوا بـ160 مرشحا في 2005، ثم سيضطرون أمام عنف السلطة إلى إعلان انسحابهم من الانتخابات.

وفي 25 من كانون الثاني/ يناير 2006، فازت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بأغلبية ساحقة في انتخابات المجلس التشريعي، حيث حصلت على 76 مقعدا من أصل 132، فيما حصلت حركة فتح على 43 مقعدا. وأعلنت حركة فتح عدم مشاركتها حماس الحكم، متخيّرة الوقوف موقف "المعارضة" وترك حماس تواجه المشاكل الجمة داخليا وخارجيا، في ما يُشبه عملية "إغراق" في "الفشل".

 

الإسلاميون يفوزون دائما حيث تكون الانتخابات شفافة، وحيث لا تتعرض إرادة الناس للإكراه، وحيث لا تتدخل أياد للعبث بالصناديق..



(2)
الإسلاميون بين الديني والسياسي

بقطع النظر عما إذا كانت الحركات الإسلامية العربية مؤهلة للحكم أم غير مؤهلة، وإن كانت ناضجة سياسيا وفكريا لممارسة الديمقراطية والقبول بالأقليات والمختلفين، فإن الحقيقة هي: الإسلاميون يفوزون دائما حيث تكون الانتخابات شفافة، وحيث لا تتعرض إرادة الناس للإكراه، وحيث لا تتدخل أياد للعبث بالصناديق.. الإسلاميون يتحركون في بيئة يُكيّفها الدين نفسيا وذهنيا وأخلاقيا، وهم أقرب إلى فضاءات عموم الناس، وهم أكثر حضورا في مناسبات لها قدسيتها ومهابتها، وهو ما يجعلهم في الغالب أقرب إلى وجدان الناس وأوفر حظا في كسب ثقتهم وتحصيل أصواتهم حيث تكون انتخابات. هذا ما أكدته تجارب انتخابية في كل من الجزائر ومصر وفلسطين، وهو ما سيتأكد أيضا إثر موجة الثورات في كل من تونس وليبيا ومصر، حيث فاز الإسلاميون بأغلبية مريحة، وهو ما سيُزعج خصومهم وسيدفعهم إلى البحث عن أساليب أخرى (غير سياسية) لإخراجهم من الحكم أو لإضعاف حضورهم قَدر الإمكان، بما يُفقدهم الأغلبية، وبما يمنعهم من العودة إلى السلطة. ولعل أعنف طريقة هي التي حصلت في مصر يوم 3 تموز/ يوليو 2013، حيث تم الانقلاب بالقوة على نتائج الانتخابات.

لقد تحولت الانتخابات التي يشارك فيها الإسلاميون إلى قادح للأزمات السياسية، بدل أن تكون منطلقات للتدرب على ممارسة الحرية والتجريب الديمقراطي، وكسر قيود الاستبداد وسلطة الفرد ودولة البوليس.

(3)
التجربة التونسية بين الذهاب إلى المستقبل والنبش في الماضي

في تونس، يُعَدُّ "المجتمع المدني" من أقوى المجتمعات المدنية في الدول العربية، والنخبة العلمانية أو الحداثية عندنا هي نخبة ذات تجارب في إدارة أنشطة المنظمات والجمعيات، وقد استفادت كثيرا من غياب خصم أيديولوجي مهم لعقدين كاملين؛ بسبب هجمة النظام الشرسة على قيادات الحركة الإسلامية وقواعدها.

 

تحولت الانتخابات التي يشارك فيها الإسلاميون إلى قادح للأزمات السياسية، بدل أن تكون منطلقات للتدرب على ممارسة الحرية والتجريب الديمقراطي، وكسر قيود الاستبداد وسلطة الفرد ودولة البوليس


تلك النخبة كانت على وعي تام بأن خوض الإسلاميين الانتخابات في 2011 سيكون في غير صالحها، ولذلك وضعَ أحدُ رموزهم، وهو السيد عياض بن عاشور، قانونا انتخابيا لا يسمح لأي حزب مهما كانت قوته بالفوز بالأغلبية، قانونا يعتمد ما اصطلح عليه بـ"نظام أفضل البقايا"، حيث يكون متاحا للأحزاب الضعيفة وللمستقلين حصولُهم على مقاعد في البرلمان، وهو ما حدث فعلا، حيث لم تحصل حركة النهضة في انتخابات المجلس التأسيسي في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 إلا على نسبة تجبرها على التحالف مع غيرها لتشكيل الحكومة.

النخبة المحمولة على الحداثة والتقدمية لم تغادر أسلوب الأنظمة الاستبدادية في "محاربة" الحركات الإسلامية حين "حشرتها" في زاوية "الموروث"، وفرضت عليها خوض معركة خارج مقتضيات السياسة والتنمية والحرية والفنون والمعارف والسيادة الوطنية وحقوق الإنسان ومستقبل الأجيال وحماية البيئة ومقاومة الفساد.. فرضت عليها "معركة الهوية" بما تعمدت وتتعمد إثارته من قضايا "استفزازية"، كالنقاب والمواريث والمثلية والمجاهرة بالإفطار والبرامج الفضائحية والنيل من المقدس.. لجعل الإسلاميين في موقف حرج؛ إما أن يدافعوا فيُتهمون بمعاداة الحرية وبممارسة الإكراه الديني، وإما أن يسكتوا فيُحرضون عليهم عموم الناس ويتهمونهم بالتفريط في الهوية والمقدس لغايات سياسية.

 

النخبة المحمولة على الحداثة والتقدمية لم تغادر أسلوب الأنظمة الاستبدادية في "محاربة" الحركات الإسلامية حين "حشرتها" في زاوية "الموروث"، وفرضت عليها خوض معركة خارج مقتضيات السياسة والتنمية والحرية


وقد نجحت (في الغالب) تلك النخبة في تحقيق أهدافها حين فرضت على الإسلاميين معركة "دفع التهمة"، بدل تفرغهم لمعركة "خدمة الناس" ولمعركة الأفكار والمعاني والقيم ولمعركة البرامج والمناهج في السياسة والاقتصاد والتعليم والثقافة والفنون، وفي مقاصد الدين أيضا. حركة النهضة التونسية تُستنزف اليوم في ملفات "الجهاز السري" و"الغرفة السوداء" و"الاغتيالات السياسية" و"المساواة في الميراث" و"التسفير إلى بؤر التوتر"، وهي كلها ملفات لم يُثبتها القضاءُ، غيرَ أنها تُستعمَل كممهدات للمعركة الانتخابية القادمة.

فهل يكون آخر هذه الملفات ملف "الجمعية القرآنية" بمدينة الرقاب من ولاية سيدي بوزيد في الجنوب التونسي (وما راج حولها من تفاصيل مثيرة)، وهو إحدى حلقات "معركة الهوية" المُفتعلة خارج سياق الحرية وخارج مدار الديمقراطية، قبل موسم الحصاد الانتخابي لخريف 2019؟

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً
< <

اقرأ ايضا