عن الاستبداد السياسي والأديان.. مفاهيم وتجارب (1من2)

غازي التوبة الثلاثاء، 12 مارس 2019 04:55 م

أطلق كثير من الكتاب على تاريخنا الإسلامي أنه تاريخ استبداد، وصنفوا في ذلك كتبا ودراسات ونظريات. وأرجع بعضهم سبب تعثر مسار الانتقال الديمقراطي في العالم العربي والإسلامي إلى هذا المعطى.

ويعود سؤال العلاقة بين الاستبداد والفكر الإسلامي ليلقي بظلاله اليوم، مع اندلاع ثورات الربيع العربي، التي أعادت بالفعل طرح ليس فقط إشكالية العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وإنما أيضا أعادت قراءة التاريخ السياسي العربي والإسلامي، ومقارنته بما جرى ويجري في باقي ثقافات وحضارات العالم.

فلماذا هذا الربط بين الاستبداد والفكر الإسلامي تحديدا؟ الكاتب والباحث في شؤون الفكر الإسلامي الدكتور غازي التوبة يجيب على هذا السؤال في هذا العرض المفهومي والتاريخي للاستبداد في علاقته بالأديان.

للجواب على هذا السؤال لنر أولاً: علام يقوم الاستبداد؟ 

ومن أجل الإجابة على السؤال السابق سنستعرض طبيعة الحكم في ثلاث حكومات في التاريخ، وهي: الحكومة الكنسية، وحكومات الملوك الإقطاعيين، والحكومة الفارسية.

طاعة الحكام في المسيحية

لقد كان موقف المسيحية منذ البداية داعياً إلى طاعة الحكام وعدم مناوأتهم، فقد أرجع القديس بولس السلطة إلى الله، فقال: "ليخضع كل واحد للسلطات المنصّبة، فإنه لا سلطان إلاّ من الله. والسلطات الكائنة إنما رتبها الله. ومن يقاوم السلطان ـ إذن ـ إنما يعاند ترتيب الله. والمعاندون يجلبون الدينونة على أنفسهم" وتعتبر أقوال بولس من الأقوال المرجعية في الفكر الكنسي في صدد الموقف من الحكام.

ثم بعد أن أصبحت السيادة للكنيسة في القرون الوسطى، أصبح السلطان هو البابا، وعندما حاول فريدريك الثاني المطالبة لنفسه بالسلطة التامة أجابه البابا إينوسان الرابع (1243 ـ 1254م) بأن سلطة الحكومة الزمنية لا يمكن أن تُمارس خارج الكنيسة "لأنه ليس هناك من سلطة أسسها الله خارجها"، وأضاف: "إن نائب المسيح تلقى سلطة ممارسة قضائه بواسطة المفتاح الأول على الأرض بالنسبة للأمور الزمنية، وبواسطة المفتاح الثاني في السماء بالنسبة إلى الأمور الروحية".

 

كان موقف المسيحية منذ البداية داعياً إلى طاعة الحكام وعدم مناوأتهم ثم تمرد الأوروبيون عن سلطة الكنيسة وفصلوا السلطة الزمنية عن السلطة الكنسية



ثم تمرّد الملوك الأوروبيون على سلطة الكنيسة، وفصلوا السلطة الزمنية عن السلطة الكنسية، وقد فعل ذلك فيليب الجميل الذي حكم فرنسا (1285 ـ 1314م)، وأصدر قراراً في عام 1297م فصل فيه الحكومة الزمنية عن الحكومة الدينية، وأقام سلطته على حق الملوك المقدس، أو نظرية الحق الإلهي، وتقوم هذه النظرية على أن السلطة مقدسة، فالملوك هم خلفاء الله في الأرض وعن طريقهم يدير شؤون مملكته، لذلك لم يكن العرش الملكي عرشاً ملكياً فقط، بل كان ذلك العرش هو عرش الإله ذاته، فالملوك يَحِلّون محل الإله الأب، وهي مطلقة، ولا يجب أن تكون محل اعتراض.

ومن الكلام السابق بدءاً من كلام الرسول بولس، مروراً بكلام البابا إينوسان، إلى كلام الملك فيليب نجد أن الاستبداد يقوم على خمسة عناصر هي: السلطة مقدسة، الحاكم مقدس، السلطة مطلقة، ولا يجب أن تكون محل اعتراض، السلطة أبوية وهذا يعني أن البشر عاجزون عن تدبير أنفسهم، وهم بحاجة إلى هذه السلطة الحاكمة، والسلطة تقوم على قهر الرعية. 

الاستبداد في الدولة الفارسية

أما الاستبداد الذي عرفته الدولة الفارسية، فهو يمثل الذروة في تطويع الشعوب للمستبدين، وخير ما يعبّر عن هذه المنظومة الثقافية الفارسية هو "عهد أردشير" الذي كتبه أردشير لولده، واعتبرت هذه المنظومة أن الدين طاعة رجل، وأن طاعة السلطات من طاعة الله، واعتبرت ـ أيضاً ـ أن الملك عنصر أساسي وضروري في الأخلاق الكسروية، وطاعته هي القيمة المركزية في هذه الأخلاق، وقد دمجت الثقافة الكسروية في النهاية "الدين والطاعة والسلطان" في حزمة واحدة.

 

الاستبداد الذي عرفته الدولة الفارسية، فهو يمثل الذروة في تطويع الشعوب للمستبدين



من خلال المقارنة بين المنظومة الثقافية للكنيسة والملوك الإقطاعيين من جهة وبين المنظومة الكسروية من جهة ثانية نجد كثيراً من التشابه في عناصر الاستبداد، فنجد أن السلطة مقدسة والحاكم مقدس عند كلتيهما، وأنهما متطابقتان في بقية العناصر وهي: أن السلطة مطلقة، وأبوية، وقهرية.

استبداد الدولة الإسلامية

أما الاستبداد الذي عرفته الدولة الإسلامية فهو يختلف عن الاستبداد الذي عرضنا عناصره فيما سبق، فهو لا يعطي القدسية للحاكم ولا للسلطة وقد دل على ذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في كلمته التي ألقاها عند توليه الخلافة: "أيها الناس لقد ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".

 

ليست سلطة الحاكم مطلقة في الحكم الإسلامي بل مقيدة بالشريعة الإسلامية المعلنة،


وقد أوضح أبوبكر الصديق في كلمته إلى المسلمين الذين انتخبوه أنه حاكم بشر، وأن سلطته بشرية، وأنها محددة بشرع الله وطاعة الله ورسوله، وأنه مسموح الاعتراض عليه، وقد بقي هذا الفهم راسخاً عند المسلمين على مدار القرون، وهو أساس المنظومة الثقافية الإسلامية في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهناك عشرات الأدلة على ذلك، وقد اتضح هذا في مسيرة العلماء ـ رحمهم الله جميعاً ـ على مدار الأربعة عشرة قرناً، منهم على سبيل المثال لا الحصر أئمة المذاهب الأربعة: أبو حنيفة، مالك بن أنس، الشافعي، أحمد بن حنبل إلخ...

ولذلك ليست سلطة الحاكم مطلقة في الحكم الإسلامي بل مقيدة بالشريعة الإسلامية المعلنة، ويمكن أن يعترض المسلمون على بعض تصرفات الحاكم، بل هذا واجبهم، وسلطة الحاكم لا تقوم على قهر الشعب لأن هناك تواصلاً ثقافياً بين الحاكم وبين الشعب قام على اللقاء في الحقائق التي طرحها القرآن الكريم في مختلف المجالات: الإنسان، والكون، والحياة، وما قبل الحياة، وما بعد الموت إلخ..

حرص الإسلام على “الشورى" وأمر بها، فقال تعالى: "وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ" (الشورى 38) "وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ" (آل عمران 159) ومع ذلك فإن الدولة الإسلامية عرفت نوعاً من الاستبداد، فما هي أبرز صفات هذا الاستبداد؟

 

من خلال استقرائنا لوقائع التاريخ الإسلامي، نجد أن أبرز صفات الاستبداد السلطاني، وهي:

1 ـ الاستبداد السلطاني لا يشاور الآخرين: فكان الحاكم المتغلب يصرف أمور الحكم دون مشاورة واسعة، كاملة وتامة لأهل الحل والعقد والرأي في زمانه.

2 ـ الاستبداد السلطاني لا يشارك الآخرين: كان الحاكم المتغلب لا يجعل الآخرين يشاركونه في قرارات الحكم، وينفرد وحده بتصريف أمور الحكم.

استبدادهم واستبدادنا

إذن هناك خلاف نوعي بين الاستبداد الذي عرفته المنظومتان الثقافية الفارسية والأوروبية من جهة، والمنظومة الثقافية الإسلامية من جهة ثانية، لذلك كان الإصلاح بالنسبة للمنظومتين الأوليتين لا يتم إلا بالثورة على تلكما المنظومتين وتدميرهما والمجيء بغيرهما، وهو ما حدث في الثورة الفرنسية عام 1789م، أما بالنسبة لاستبداد الدولة الإسلامية فيحتاج إلى تغيير شخص الحاكم، وليس تغيير المنظومة الثقافية، وهذا ما حصل في عدة مراحل من التاريخ الإسلامي.

 

هناك خلاف نوعي بين الاستبداد الذي عرفته المنظومتان الثقافية الفارسية والأوروبية من جهة، والمنظومة الثقافية الإسلامية من جهة ثانية



فعندما جاء عمر بن عبد العزيز إلى الحكم عام 99 للهجرة انتهت كل مفاعيل الاستبداد السابق، وعادت الأمور إلى وضعها الطبيعي في كل المجالات: المالية والاجتماعية والسياسية إلخ، ومن المعلوم أن عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ وصف بالخليفة الراشد الخامس، ووصف كذلك بأنه مجدد المائة الأولى من تاريخ أمتنا، من أجل الأعمال التي قام بها.


وقد نقل التاريخ -كذلك- أن حاكماً آخر أصلح الأمور وسار فيها بأحسن ما يمكن من الإصلاح والبعد عن الاستبداد وهو نور الدين زنكي حتى لقب بالخليفة الراشد السادس، وقد نقل لنا التاريخ -أيضاً- عن حكام كثيرين أقاموا مجالس للشورى في عدة مجالات، منها: القضاء، والمال، والجيش إلخ... وقد كان هذا في عهد المماليك، وكانت هناك أيام محددة لاجتماع السلطان مع هذه المجالس للتشاور معها فيما يتعلق بأمور الحكم.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً
< <

اقرأ ايضا