تبادل الأسرى بين الأمس واليوم

أحمد عمر الإثنين، 15 أبريل 2019 01:15 م

أهاج إهداء سوريا عبر الحليف الروسي جثث أربعة جنود إسرائيليين غزاة إلى إسرائيل المواجع، وقد أحسَّ الإعلام السوري بالحرج فأطلق محلليه السياسيين لتبرير التبادل، بلوم الصديق الروسي ومعاتبته أو تزكيته بالقول: لابد أن وراءها صفقة لم يحن قطف ثمارها، فامتلأ اليوتيوب بالمقاطع المضحكة التي تصلح برامج كوميدية من غير مونتاج.

 

وصلت هيئة الإغاثة الإنسانية التركية مع السلطات السورية على صفقة تبادل للسجناء، تخلي بموجبها المعارضة السورية سبيل "الحجاج" الإيرانيين الـ 48، بينما تخلي السلطات السورية سبيل 2130 سجيناً منهم 70 امرأة من مواطنيها



ثلاثون عملية تبادل مع إسرائيل وقعت حتى الآن. آخر التبادلات كانت صفقة تبادل بين حزب الله وحكومة إسرائيل عبر الوسيط الألماني، في 29 كانون ثاني (يناير) 2004 أفرجت إسرائيل بموجبها عن (462) معتقلاً فلسطينياً ولبنانياً، بالمقابل أفرج حزب الله عن قائد في الجيش الإسرائيلي هو (الحنان تانينباوم) ورفات 3 جنود إسرائيليين هم (آدي أفيتام وبيني أفراهام والدرزي عمر سويد)! يمكن أن نخلص إلى أن اليهودي يعادل 200 عربيا! لقد علوا علوّاً كبيرا.

تجربة مؤلمة

لكن المثال السوري في تبادل الأسرى يشير إشارة أخرى أكثر إيلاماً من مثال التبادل مع إسرائيل التي مدحها حسن نصر الله، لأنها تقدس مواطنيها اليهود أمواتاً وأحياء. الواقعة السورية تحدث لأول مرة في التاريخ الذي يكاد أن ينتحر خجلاً، حيث توصلت هيئة الإغاثة الإنسانية التركية مع السلطات السورية على صفقة تبادل للسجناء، تخلي بموجبها المعارضة السورية سبيل "الحجاج" الإيرانيين الـ 48، بينما تخلي السلطات السورية سبيل 2130 سجيناً من مواطنيها منهم 70 امرأة اعتقلن من بيوتهن أو على الحواجز، وبينهم سجناء أتراك! ولا نعرف عدد النسوة اللاتي سيتم الإفراج عنهن بوساطة قطرية، حيث أفرج بتاريخ (23 تشرين أول/ أكتوبر 2013) عن ثمانية وأربعين امرأة اعتقلهن النظام!

عمليات التبادل الحالية بين العرب وإسرائيل، وبين سوريا وشعبها مذلّة وجدانياً وإنسانياً، لكن الحرية الجريحة لا تخلو من حلاوة! التقدير الأولي يقول: إن سعر الشيعي الشقيق (مع الإقرار بأن الخطف جريمة) يعادل ثلاث مرات سعر السنّي، وفي بلده!

ويمكن أن أعرّج على أجمل عمليتي تبادل في التاريخ الإسلامي، نتركها من غير تعليق. أول عملية تبادل أسرى وقعت في بدر، وبدر هي ملحمة الإسلام الأولى، وفيها ملاحم صغرى فرعية.

أسرى مقابل قرطاس وقلم:

أول عملية تبادل أسرى أجريت في بدر، التي تمور بالدروس والعبر الحربية والقانونية والفقهية والوجدانية وفيها وقعت عملية فداء بالمال وبتعليم عشرة صبيان من صبيان المدينة لمن ليس له مال. يقول صاحب عيون الأثر: (َأسَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ أَسِيرًا، وَكَانَ يُفَادِي بِهِمْ عَلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ، وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَكْتُبُونَ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ لا يَكْتُبُونَ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِدَاءٌ دَفَعَ إِلَيْهِ عَشَرَةَ غِلْمَانٍ مِنْ غِلْمَانِ الْمَدِينَةِ يُعَلِّمُهُمْ، فَإِذَا حَذِقُوا فَهُوَ فِدَاؤُهُ. 

ومن الأسرى من أفرج عنه بلا تعويض مالي، منّاً، يقول صاحب الرحيق المختوم عن النبي عليه الصلاة والسلام: (منّ على ختنه أبي العاص بشرط أن يخلي سبيل زينب، وكانت قد بعثت في فدائه بمال، بعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة، أدخلتها بها على أبي العاص، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رقّ لها رقة شديدة، واستأذن أصحابه في إطلاق أبي العاص ففعلوه، واشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي العاص أن يخلي سبيل زينب، فخلاها، فهاجرت، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار..) وقصة هجرتها طويلة مؤلمة.
 
ومنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدد من الأسرى، فأطلقهم بغير فداء، منهم: المطلب بن حنط، وصيفي بن أبي رفاعة، وأبو عزة الجمحي وهو الذي قتله أسراً في أحد، القاعدة التي استقرت هي الفداء برأي معظم الفقهاء.
 
الدروس الوجدانية كثيرة أشهرها، تألم النبي عليه الصلاة والسلام لأنين العباس، وقصة القلادة التي مرّ ذكرها، وتألم النبي لمقتل مطعم بن جبير ويمكن الرجوع إلى مصادر الوقائع.. التشريع الذي استقر هو الفداء برأي جمهور علماء المسلمين.

أسرى فديتهم قبلة!

يروي كتاب معرفة الصحابة لأبي نعيم... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَسَرَتِ الرُّومُ عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ صَاحِبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: تَنَصَّرْ وَإِلَّا أَلْقَيْتُكَ فِي الْبَقَرَةِ (قدر) مِنْ نُحَاسٍ قَالَ: افْعَلْ، فَدَعَا بِالْبَقَرَةِ النُّحَاسِ فَمُلِئَتْ زَيْتًا وَغُلِيَتْ وَدَعَا بِرَجُلٍ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ فَأَبَى فَأَلْقَاهُ فِي الْبَقَرَةِ فَإِذَا عِظَامُهُ تَلُوحُ فَقَالَ لِعَبْدِ اللهِ: تَنَصَّرْ وَإِلَّا أَلْقَيْتُكَ، فَقَالَ: مَا أَفْعَلُ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِي الْبَقَرَةِ فَكَتَّفُوهُ فَبَكَى، فَقَالُوا: قَدْ جَزِعَ قَدْ بَكَى، قَالَ: رُدُّوهُ قَالَ لَهُ: لَا تَرَى أَنِّي بَكَيْتُ جَزَعًا مِمَّا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ بِي، وَلَكِنِّي بَكَيْتُ حِينَ لَيْسَ لِي إِلَّا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ يُفْعَلُ بِهَا هَذَا فِي اللهِ، كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِي مِنَ الْأَنْفُسِ عَدَدُ كُلِّ شَعْرَةٍ فِيَّ، ثُمَّ تُسَلَّطُ عَلَيَّ فَتَفْعَلُ بِي هَذَا، قَالَ: فَأُعْجِبَ مِنْهُ وَأَحَبَّ أَنْ يُطْلِقَهُ قَالَ: قَبِّلْ رَأْسِي وَأُطْلِقُكَ قَالَ: مَا أَفْعَلُ، قَالَ: تَنَصَّرْ وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي وَأُقَاسِمُكَ مُلْكِي قَالَ: مَا أَفْعَلُ، قَالَ: قَبِّلْ رَأْسِي وَأُطْلِقُكَ، وَأَطْلِقُ مَعَكَ ثَمَانِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: أَمَّا هَذِهِ فَنَعَمْ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَأَطْلَقَهُ وَأَطْلَقَ مَعَهُ ثَمَانِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، قَالَ: فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمَازِحُونَ عَبْدَ اللهِ فَيَقُولُونَ: قَبَّلْتَ رَأْسَ عِلْجٍ، فَيَقُولُ لَهُمْ: «أَطْلَقَ اللهُ بِتِلْكَ الْقُبْلَةِ ثَمَانِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ".

رسالة تهديد من الخليفة عمر بن عبد العزيز:
 
يذكر ابن عبد الحكم أنه عندما أرسل الخليفة عمر بن عبد العزيز رسولاً إلى ملك الروم، وقصّ عليه قصة رجل أسير في بلد الروم أجبر على ترك الإسلام واعتناق النصرانية، قائلين له: "إن لم تفعل سملت عينك"، فاختار دينه على بصره فسملت عيناه، فأرسل الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى ملك الروم وقال له: "أقسم بالله لأن لم ترسله إلى لأبعثنّ إليك من الجنود جنوداً يكون أولهم عندك وآخرهم عندي"، فاستجاب ملك الروم لطلبه، وبعث بالرجل إليه.

كانت صفقة رفات الجنود الأربعة كبيرة جداً، والثمن أن يبقى الشعب السوري كله أسيراً في معتقل السجان بشار الأسد.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً
< <

اقرأ ايضا