تونس.. "اتحاد الشغل" وشروط بناء الكتلة التاريخية

لندن ـ عربي21 الإثنين، 13 مايو 2019 02:43 م

الكتاب: الاتحاد العام التونسي للشغل حِزْبًا مُعَارِضًا
الكاتب: توفيق المديني 
الناشر: جمعية هوية المقاومة، الطبعة الأولى ـ تونس ـ نيسان/أبريل 2019، 
(371 صفحة من القطع الكبير).

على الرغم من جهود الحكومات المتعاقبة على حكم تونس، للهيمنة على المنظمة النقابية الأكبر في البلاد، "الاتحاد العام التونسي للشغل، فقد ظل هذا الأخير ينحت كيانه النقابي المتميز، الذي أوصله إلى نيل جائزة نوبل للسلام مع عدد من المنظمات النقابية التونسية الأخرى.

الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني، يسلط الضوء في كتاب شامل صدر حديثا عن الاتحاد العام التونسي للشغل، على مسيرة هذه المنظمة النقابية، ويتساءل عما إذا كان سيتحول إلى حزب سياسي على النمط البريطاني، ثم يكون مدخلا لكتلة تاريخية بين القوى السياسية الأبرز في البلاد لبناء نظام ديمقراطي صلب.

وفي الجزء الثالث والأخير من هذا العرض للكتاب، الذي أعده قسم أفكار في "عربي21"، نسلط الضوء على مفهوم الكتلة التاريخية، التي يرى المديني أن الاتحاد العام التونسي للشغل يمكنه أن يضطلع بمهمة تشكيلها، ليس فقط للدفاع عن قواعده العمالية، وإنما في تأسيس نموذج ديمقراطي قريب من التجارب الغربية.

يعتقد حزب العمال الجديد أنّ الطبقة المتوسطة المطرودة من السلطة بصفتها الاجتماعية، والفئات الشبابية المهمشة، والعمال والفلاحين، لا تزال هي القوى الاجتماعية المؤهلة لحمل المشروع السياسي الديمقراطي في تونس، على الرغم مما أصابها من ضعف وتهتك، ورغم الاتجاهات التقليدية التي استقطبت معظم الفئات المهمشة. ولا تزال هذه الفئات تؤلف ما يمكن تسميته بالكتلة التاريخية بالمفهوم الغرامشي، التي تشكل تحالفًا طبقيًا حقيقيًا بين الشرائح الثورية والديمقراطية من الطبقة المتوسطة، والعمال والفلاحين الفقراء ضد الشرائح العليا التي أصبحت شرائح قمعية وكمبرادورية من طبيعة جديدة، إلا أنَّ القوى الاجتماعية التي تشكل قوام حركة سياسية شعبية وتحالف ديمقراطي عريض، تنحصر في أربع: اثنان منها تنطويان على تعدد واختلاف أيديولوجي وسياسي، وعلى ميلٍ واضحٍ نحو التحديث والعصرنة السياسية، في صيرورتهما الطبقية، وهما الطبقة المتوسطة، ولاسيَّما كتلة الانتلجنسيا، واثنان أخريان تنطويان على ضرب من وحدة إيديولوجية، وعلى ميلٍ إلى المحافظة والتقليدية، ناتج عن تأخر الوعي، هما العمال والفلاحون. 

لذلك يرى حزب العمال الجديد، وفق كتاب توفيق المديني، أنّه لابد من أن تتصدى الطبقة المتوسطة باعتبارها تشكل العمود الفقري للمجتمع التونسي على وهنها، وكتلة الإنتلجنسيا لقيادة المشروع الوطني الديمقراطي، وعلى مدى نجاحها في إعادة إنتاج وعي سياسي حديث ديمقراطي، وعلى مدى جسارتها، تستطيع أن تستقطب العمال والفلاحين والفئات المهمشة لمصلحة تحقيق تحالف ديمقراطي، ومن أجل تحقيق أهداف الثورة، في بناء الدولة الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية. 

فما هو تعريف الطبقة المتوسطة؟

يقول المديني في هذا السياق: "في ما يتعلق بالواقع العربي: علينا أن نرى الاختلاف الجذري الأساس في التكون التاريخي لمختلف شرائح الطبقة المتوسطة. فالمجتمع العربي شأنه شأن كل مجتمعات بلدان العالم الثالث، يتميز بتعدد الأنماط الإنتاجية فيه. ومزايا أنماط العالم الثالث مرتبطة مع سمة مميزة أخرى وهي تمازج وتناسب بعض الأنماط والوزن النوعي لكل منها، وحتى عدد هذه الأنماط أيضا، والذي (أي التمازج) لم يكن مألوفا لتاريخ دول الغرب المستقلة". 

 



واستعرض المديني رأي عدد من الباحثين الغربيين إزاء مفهوم الطبقة الوسطى، ومنهم مورو برجر(Morro Berger) الذي يشدد على الأهمية التاريخية لنشوء الطبقة المتوسطة الحديثة، التي تقوم بأعباء التحديث والنهضة الوطنية في مصر الثورة، في مؤلفه البيروقراطية والمجتمع في مصر المعاصرة، إذ جاء في ختام هذا المؤلف الصياغة التالية لمقولته:"وكثيرًا ما يقال أن النظام العسكري القائم يحاول تمثيل الطبقة المتوسطة التقليدية من موظفي الحكومة وأرباب الأعمال الحرّة وصغار التجار. وإنّما الحقيقة تكمن في أنّ النظام العسكري يحاول أن يكون ممثلاً للطبقة المتوسطة (الحديثة)، التي مازالت في طورالتكوين، والتي تقع على عاتقها مهام تكنولوجية وإدارية وريادية في مجال تحفيز الإستثمارات. وعلى وجه التحديد، فإن النظام العسكري يحاول خلق طبقة جديدة ليمثلها". 

وضمن هذا الإطار، طرح بعض أساتذة العلوم السياسية في الغرب، مثل مانفردهولبرن، وجيمس بل، مقولة "الطبقة المتوسطة الجديدة، لكي تقتصر على الفئات التكنوقراطية والمهنية والبيروقراطية المدنية والعسكرية العليا، والتي أصبحت في نظرهم محور السلطة الاقتصادية والسياسية ورمزالجاه الإجتماعي والإداري في بلدان الشرق الأوسط". 

وهكذا، فإنّ الطبقة المتوسطة، وفق المديني، تضم مختلف الشرائح الاجتماعية التي تعيش بشكل أساسي، على المرتبات المكتسبة في الحكومة والقطاع العام، وفي قطاع الخدمات والمهن الحرّة الخاصة. كما يمتلك بعض من شرائح هذه الطبقة وسائل الإنتاج (مثل العقارات أو الأراضي الزراعية، أو أسهم بعض الشركات). 

وقسم المدينة الطبقة المتوسطة إلى ثلاثة شرائح تضم كل شريحة فئات متجانسة بقدر الإمكان: الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة، وتضم العلماء والباحثين وأساتذة الجامعات والمعاهد العليا والمديرين وأصحاب المهن المتميزة كالأطباء والمهندسين والقضاة والمحامين والفنانين وكبارضباط الجيش والمخابرات والفنيين العاملين في قطاع المعلوماتية، والمدراء العامين في القطاع العام. 

والشريحة المتوسطة من الطبقة المتوسطة، وتضم عددًا أكبرمن الأفراد بالمقارنة مع الشريحة العليا. وتتكوّن أساسًا من الموظفين الذين يشغلون وظائف إدارية وفنية وإشرافية في الوزارات والأجهزة والمصالح الحكومية وإدارات الحكم المحلي، مثل الموظفين في القطاع العام، والأساتذة، والموظفين العاملين في البنوك. 

أما الشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة، فتضم الموظفين الصغار العاملين في قطاعات الدولة المختلفة. وغالبًا لا يتمتع أفراد هذه الشريحة بمستوى تعليمي عالي، وهم يمثلون أغلبية الطبقة الوسطى، وقاعدتها العريضة. كما تضم أيضا المعدمين وصغار المزارعين وصغار الحرفيين وصغار المشتغلين بتجارة التجزئة وغالبية عمال الزراعة والصناعة والمشتغلين بمختلف أنواع الخدمات الرثة. 

وأكد المديني "أنّ الطبقة المتوسطة بشرائحها الثلاث طبقة فضفاضة واسعة تستقبل يوميًا مواليد جددًا من خارجها". 

طحن الطبقة المتوسطة بعد الثورة 

ولاحظ المؤلف أن تآكل الطبقة المتوسطة في تونس، يعود بصورة رئيسة إلى التوزيع غير العادل للثروات، وهذا ما أصبح متفشيًا منذ بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، حيث مالت كفة الفساد على حساب الاعتدال في الإنفاق والإيرادات، الأمر الذي قاد إلى تقسيم الطبقة المتوسطة - التي هي في الأساس عماد نهضة المجتمع التونسي - إلى قسمين: قسم ينضم إلى الفئة النخبوية من المجتمع الغني وقسم ينحدر إلى الطبقة الفقيرة أو محدودة الدخل. 

 



وأضاف: "ما تشهده تونس من انزلاقها في غياهب الثورة الشعبية ووقوفها على صفيح ساخن لا تحمد عقباه دليل على انسحاق الطبقة المتوسطة. ويمكن تشبيه ما يحدث على الساحة التونسية في العصر الحديث إلى ما واجهته الدول الرأسمالية الغربية في العقود السابقة خلال القرنين الثامن عشر والعشرين على وجه التحديد وثورات شعوبها ضد الأنظمة المستبدة الإقطاعية، وضد الأنظمة الفاشية والنازية، وبعضها ضد الأنظمة الاشتراكية الشمولية". 

وبعد أن عرض المديني للتحولات الاقتصادية التي عاشتها تونس خلال النصف قرن الماضي، وتأثير ذلك على انخفاض نسبة المنتمين للطبقة الوسطى بمختلف شرائحها، أكد أن توسع قاعدة الطبقة المتوسطة مرتبط بصفة وثيقة بتطور مؤشرات النمو والحوكمة ومكافحة الفقر. 

وأضاف: "إن تراجع هذه الأخيرة بتونس خلال السنوات الأخيرة لاسيما على صعيد الناتج المحلي الإجمالي (8%) واشتداد موجات التضخم المحسوس إلى حدود 9 % وطغيان التوجس والخوف في ميدان الاستثمار يدفع جدّيًا إلى إعلان التفكير في صياغة المعالم الحالية للطبقة المتوسطة بمختلف شرائحها". 

وتابع: "هذه حقيقة الطبقة المتوسطة في تونس التي كانت ضامنًا لاستقرار البلاد في عهد النظام السابق (حكم الحبيب بورقيبة، وحكم زين العابدين بن علي) والتي كانت تشكل العمود الفقري للمجتمع التونسي، ولا تزال، وكانت مفخرة لتونس، لا سيما أنّ الرئيس المخلوع بن علي استعمل شريحة منها مقربين لدائرة سلطته لمؤازرة نظامه، ودَجَّنَ شريحة أخرى منها بتسهيل القروض الاستهلاكية كالسيارة الشعبية والكمبيوتر والقروض المزدوجة". 

الطبقة المتوسطة محرك رئيس للتنمية الناجحة في تونس

وأشار المديني إلى أن "الانتفاضات العربية التي اندلعت بسبب نوعية الحياة المتاحة لها ونظم الحوكمة القائمة اهتمام خبراء الاقتصاد السياسي والباحثين الذين استخلصوا مفهوم الطبقة المتوسطة في النقاط التالية: تحسين مؤشرات التنمية في الصحة والتعليم مقابل تقلص الاستثمارات في الخدمات الاجتماعية العامة من حيث الكم والنوع خصوصًا في معظم البلدان غير النفطية ذات الدخل المتوسط، إضافة إلى ارتفاع مستويات التعليم لدى القوى العاملة مقابل تراجع فرص العمل اللائق مما أدَّى بالشباب العربي من ذوي المؤهلات العلمية الأعلى بشكل خاص إلى الهجرة نحو الغرب". 

وذكر المديني، أنَّ الجدير بالاهتمام أن الطبقة المتوسطة هي أكبر شريحة اقتصادية في المنطقة العربية، تضم زهاء نصف عدد السكان وبعد أن بقي حجمها شبه ثابت بين سنوات 2000 و2011 بدأت تتقلص على أثر الأزمات التي عمت عددًا من بلدان المنطقة". 

وأشار إلى أن الطبقة المتوسطة لم تعد اليوم في حاجة إلى الصدقات المتمثلة في الإعانات وغيرها من أشكال الدعم التي توفرها الحكومة، بل تريد وظائف وفرص عمل تُمَكِّنُهَا من النجاح والتألق"، مؤكدا أن ذلك "يتطلب اعتماد السياسات الهادفة إلى زيادة الإنتاجية الاقتصادية، وتوجيه الاستثمارات اللازمة لهذا الغرض من أجل إنعاش الصناعات التحويلية، وتعزيز الصناعات الأخرى والخدمات ذات القيمة المضافة العالية، علاوة على ذلك يستحسن اتخاذ مبادرات صغيرة قادرة على تحقيق التنمية خصوصًا في المناطق الريفية". 

ورأى المديني أنّ مناقشة سياسات التنمية والعدالة الاجتماعية تُعَدُّ أمرًاضروريًا لدفع الطبقة المتوسطة إلى الأمام وتسمح للفقراء بأن ينخرطوا في الطبقة المتوسطة. 

وقال: "هكذا يبدو أننا في تونس، في حاجة ماسة إلى كتلة تاريخية حقيقية بقيادة الطبقة المتوسطة، وتتكون من مختلف أطياف العائلات الفكرية والسياسيىة والنقابية اليسارية والقومية والليبرالية، لمساعدة الشعب التونسي على تحقيق طموحاته في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ومن أجل بناء نظام ديمقراطي جديد، هذا مع احترام السيادة الوطنية". 

حزب وفاقي

وأكد المديني في ختام كتابه أن بناء حزب عمالي جديد أصبح ضرورة، بوصفه حزبًا وفاقيًا مدنيًا تونسيًا تقدميًا ديمقراطيًا اجتماعيًا، يستمد أصالته من كلّ تجارب الحركة الإصلاحيّة التقدمية التونسيّة وتاريخ الحركة الوطنيّة بأبعاده السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والنقابيّة، ويتبنى المنهج العلمي في التحليل للواقع الاجتماعي والسياسي، أي الديالكتيك بوصفه عقل الواقع. 

ويتمايز حزب العمال الجديد المرتقب وفق المديني، عن الأحزاب الشمولية، على اختلاف مرجعياتها الأيديولوجية: القومية والماركسية، والإسلامية، التي تعتقد أنّها تمتلك الحق والحقيقة. 

 



أهمية كتاب المديني، لا تكمن فقط في أنه يناقش من داخل ذات الأفكار المشكلة للاتحاد عن تطلعات قطاع عريض من مكونات هذه المنظمة النقابية العريقة للعب دور سياسي مشابه لدور الاتحاد أيام معركة التحرير الوطني مطلع القرن الماضي، طالما أن معركة الظلم واحدة، ولكن تكمن في أنه يضع الاصبع على موضوع مهم للغاية، وهو الدور السياسي للمنظمة النقابية، وهو موضوع لا يتم مناقشته في تونس إلا في سياق الصراع الدائر بين العائلتين الفكرتين الأكبر في تونس، وهما العائلة الليبرالية والعلمانية واليسارية المشكلة للاتحاد، والعائلة الإسلامية ذات الانتشار الاجتماعي الواسع.

وتزداد أهمية كتاب المديني، الذي يمكن أن يكون جزءا من جهود تاريخية لتوثيق إسهامات الاتحاد العام التونسي للشغل في الثورة التونسية التي أسقطت نظام حكم ابن علي، ومهدت لحراك ثوري لازالت فصوله لم تنته بعد في عدد من دول العالم العربي، في كونه يأتي بينما يستعد التونسيون للانتخابات التشريعية والرئاسية المرتقبة نهاية العام الجري، وهي محطة يراهن عليها النمراقبون عامة، والتونسيون على وجه الخصوص، لأن تكون داعما لنموذج ناجح للتحول الديمقراطي في المنطقة العربية، لا يستثني أحدا من مكونات المجتمع.

 

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً
< <

اقرأ ايضا