"الحورية العثمانية".. كتاب جديد للكاتب أحمد عمر

لندن- عربي21 الإثنين، 13 مايو 2019 04:06 م

صدر كتاب جديد للكاتب أحمد عمر عن دار "انتر أسيست" الألمانية، وهو العاشر للكاتب.

 

ويقع الكتاب في 185 صفحة من الوسط. ويضم الكتاب الذي يمكن وصفه بالأدب الساخر، نحو 45 نصا قصصيا.

وجاء في كلمة الناشر:

يدون الكاتب السوري أحمد عمر وقائع يومياته وأيامه في تركيا وألمانيا، بصحبة شاب كردي اسمه نوري، في الإقامة والظّعن والمغرم والمغنم، ويطرزها على شكل نصوص قصصية مشمولة برعاية الأجناس الأدبية من قول وقص وشعر، ويحفها برشقات من النقد السياسي والاجتماعي، كأنهما دون كيشوت وسانشو؛ أحدهما يمثل صوت العقل والحكمة والفطرة، والثاني صوت الجسد والطيش والغريزة.. نصوص ساخرة ومرحة، ترش على الأحزان السوداء السكر الأبيض.

نص من الكتاب:

الحوريّة العثمانيّة

فكرتُ في ربط حجر على بطني. حللت مشكلة الجوع بالصمون الفائض، الذي يعلقه الترك على أسوار الحيطان تكريماً للخبز، وتقديساً، أمام حاويات القمامة. وقد بحثت عن أسباب تقديس الخبز في بلادنا، والتمر أكرم منه في الأحاديث النبوية، فوجدت أن سببه قد يعود إلى أصول عشتارية قديمة، أو إنجيلية، وربما يعود السبب إلى حديث شريف روي عن عبد الله بن عمر، أَنَّهُ رَأَى كِسْرَةَ خُبْزٍ مُلْقَاةً، فَقَالَ لِغُلَامِهِ: ارْفَعْ وَأَمِطْ عَنْهَا الْأَذَى، فَلَمَّا أَمْسَى وَأَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ قَالَ لِغُلَامِهِ: مَا فَعَلْتَ بِالْكِسْرَةِ؟ قَالَ: أَكَلْتُهَا. قَالَ: اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ؛ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: "مَنْ وَجَدَ كِسْرَةً فَرَفَعَهَا وَأَكَلَهَا لَمْ تَصِلْ إِلَى جَوْفِهِ حَتَّى يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ".

ثمة مجاعة من نوع آخر، هي المجاعة العاطفية. يقول المثل: "أعزب دهر ولا أرمل شهر". مرّت بي سبعة أشهر عجاف، وأنا "طاوي ثَلاثٍ عاصِبِ البَطنِ مُرمِلٍ" كما يقول الحطيئة في قصيدته الرائعة الآسرة. كان فؤادي بغرفه الأربع خاوياً يغرد في فلوات الوحشة المترامية الأطراف.

كنت أتلصص، مضطرب الطرف، مخصوف الجوى، على الترك وهم يصطحبون نساءهم في سهرات عائلية. تذكرت المثل الكردي الشتوي الذي يقول: "ليس أطيب من ثلاث؛ أكل البرغلات ونكاح التركيات والنوم في الفروات".

كان الوقت شتاء أيضاً، في الشتاء يحن الذكر إلى دفء الأنثى.

نوري يُحضر كل أسبوع قطعتين تركيتين، فأخلي له الشقة من أجل الخلوة غير الشرعية، فأنا مثل السبع، إذا شممت رائحة ذكر آخر على جسد أنثى وردَ زئيري الفرات والنيلا. في أحد الأيام وقفت في طابور المشترين أمام نضد البيع في سوبر ماركت "البيم"، وبيدي العدد الأول من مجلة "أوراق" السورية، دعتني هيئة تحريرها إلى لمّ الشمل ففعلت، وانضممت إليهم. هيئة التحرير منبثقة عن رابطة الكتاب السوريين في المنفى، وهم متطوعون أفاضل، كرام. أرسلوا إليّ زكيبة من الأعداد حتى أوزعها على المعارف والأصحاب.

عندما بلغت نضد الشراء، وكنت الأخير في الطابور، هتفت الصبية التركية الحسناء على نضد الحساب: "كيتاب".. ومدت يدها إلى كتاب "أوراق" المكتوبة باللغة "العثمانية" الذي كنت أحمله. ناولتها الكتاب، فتلقفته بخشوع وكأنه كتاب مقدس! مسدّته براحة يدها، وأصابعها الشفافة الرقيقة الناعمة، التي يمكن قراءة الأحرف من تحتها، وكأنها ماء نهر عذب، ابتسمت لي ابتسامة من ضوء.

قلت بتركية طفل: هذه مجلة، وأنا محرّر فيها، ولي قصة فيها، وفتحت الكتاب، فرفرف النور بأجنحة صفحاته وحطّ على قصتي.

أشرق ثغرها عن سداة وجهها المنضد بعناية وردة، في تويجات الحجاب التركي الأبيض، أشارت إليَّ متسائلة وقالت: كاتب؟ هززت رأسي سعيداً، بأكبر مكافأة في حياتي على فروسية القلم، وقلت لها: هذا الكتاب هدية لك يا مولاتي.

فشهقت وضمت الكتاب إلى صدرها!

ترادف ورائي المشترون، فدفعت ثمن علبة السكر وخرجت. التفتُ، فردّت عليَّ بابتسامة عريقة، غادرت وكأني أتخلى عن الأندلس مثل أبي عبد الله الصغير.

فيما بعد استدنت بعض النقود من جاري خوجا إسماعيل، من أجل قِمار الحب. أذهب إلى السوبر ماركت، وأطلب مساعدة الحسناء التي أطلقت عليها اسم "فتاة عثمان"، فتبحث لي عن سمسم الغياب، وجوز الهند، والسند، وعصير "الميوى" وحليب العصفور، والمن، والسلوى، والجبن الذي تحوّل من الشوق والحنين على نار الشوق إلى خيوط واهية.

كنت أجتهدُ في اختراع بضائع لم ينزل الله بها من سلطان، فتهبُّ صبية الكاوبوي لمساعدتي باسمة، مهرعةً، في بنطلون الجينز، تتدلى على طرفي خصرها، أسلحةً وذخائر تعالج بها البضائع..

هكذا كنا نلعب يوميا أغرب لعبة "غميضة"، ونضيع في غابة الأمتعة، والبضائع والأغذية، وتحتار كيف ترضي الطفل الكبير الضائع.. يسألني الزملاء المحررون في اجتماع الخميس، عن مصائر نسخ مجلة أوراق، فأطمئنهم: إنها في "أيد أمينة"، فيسعدون لأنّ خبز جهدهم الفكري يصل إلى القلوب الجائعة للثقافة.

أعود إلى العشة في أعلى السطح، رابطاً حجراً على قلبي، وحيداً مع مجلة "أوراق" الثكلى، أراقب العائلات التركية بحسرة وهي ذاهبة إلى السهر أو آيبة منه. أعشق المطر، واعتبر نفسي خائناً إذا هطل من غير أن ابتلَّ به.  كل مطر لا أشهده مهدورٌ وضائع. وأتخيّل نفسي مع فتاة عثمان على السطح، وأقول لها ويدي على كتفها: أحضرت لك هدية فتشهق وتقول: كيتااااااب!

تنظر بفضول ظامئ، فأقول لها بتركية طفل: هذا المطر كله لك يا مولاة فؤادي.

فتقول: ليس على وجه الأرض أغلى من هذه الهدية!

وترمي بنفسها شهيدة من شاهق جبال الشوق في؛ بحيرة قلبي.. العميقة.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً
< <

اقرأ ايضا