آخر الأخبار

هل تلاشت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية للعالم؟ (2من2)

بلال التليدي الجمعة، 05 يوليو 2019 02:13 م بتوقيت غرينتش

تقرير ميونخ للأمن 2019
مؤتمر ميونخ للأمن
عدد الصفحات:102
مصدر التقرير: مستودع التفكير الألماني مؤتمر ميونخ للأمن
الرابط:
file:///C:/Users/maha/Downloads/MunichSecurityReport2019.pdf

يرى التقرير أن ثمة تحديا أكبر من التحدي الذي تمثله الصين وروسيا، وهو ما يمثله ظهور السياسات الشعبوية في الداخل، فعلى الرغم من أن الصين وروسيا أحرزتا تقدما وتفوقا في بعض القدرات الأساسية، فإن الجيش الأمريكي سيبقى لا يعلى عليه لفترة طويلة. والأهم من ذلك، يمكن للولايات المتحدة الاعتماد على الموارد التي تفتقر إليها الصين وروسيا. كما تحتفظ الولايات المتحدة بشبكة واسعة من الحلفاء في جميع أنحاء العالم. ورغم الجهود التي قامت بها الصين وروسيا بتطوير أنواع من التدابير للتأثير على الدول الأخرى لتقويض التماسك الغربي، إلا أنهما لم يتمكنا من بناء تحالفات داعمة كبيرة من تلقاء أنفسهم – وليس من الواضح إن كان بإمكانهما فعل ذلك في المستقبل.

نهاية الهيمنة الحميدة للولايات المتحدة؟

ويرى التقرير أن النظرة الفاحصة إلى خارطة "توزيع الأفكار والهويات" في مختلف البلدان في جميع أنحاء العالم يشير إلى أن نظام الهيمنة الغربي بقيادة الولايات المتحدة، قد يكون أكثر استقرارا مما كان متوقعا. وقد أكد خلاصة عدد من الباحثين من أنه من المستبعد أن تشكل "العناصر المهيمنة للهوية الصينية أساس رؤية دولية مقنعة، أو نظام هيمنة من شأنه أن يروق للقوى العظمى الأخرى في الوقت الذي تتمتع به الولايات المتحدة نظريا بتوازن مادي وتفضيلي قوي في القوة، وأن المشكلة تكمن بالأساس في مخاطرة واشنطن بتبديد مزاياها التنافسية.

 



الأوروبيون يقدرون ـ حسب التقرير ـ رسائل الإدارة الأمريكية التي تتحدث عن السمات التقليدية للشراكة عبر المحيط الأطلسي، ويتعهدون بتجديد التزام الولايات المتحدة بـ "الغرب كمجتمع لدول ديمقراطية يوحدها التاريخ والثقافة والتضحية المشتركة". المجتمع الذي يجب تعبئته وتعزيزه لعصر المنافسة الجيوسياسية، ويرغبون أيضا في الاعتقاد بأن الولايات المتحدة لا تتراجع عن العالم، لكن المزاج العام الأمريكي، حسب ما أكدته مسوح بيو، ترى شيئا آخر، فـ 14 في المائة فقط المشاركون في الاستطلاع العالمي يرون أن الولايات المتحدة تبذل الآن المزيد للمساعدة في معالجة المشكلات العالمية الكبرى مقارنة بالسنوات القليلة الماضية، بما يرسخ القناعة بأن  الرأي القائل بأن الولايات المتحدة تقوم بعمل أقل، هو أمر واسع الانتشار بين حلفائها الأقرب في أمريكا الشمالية وأوروبا.

ويعزز مخاوف أوروبا جملة من السلوكات السياسية الانفرادية التي قامت بها واشنطن، من ذلك تهديد ترامب عقب قمة الناتو الصاخبة في بروكسيل في تموز (يوليو) 2018 "بالذهاب وحده" إذا فشل بقية الحلف في زيادة إنفاقهم الدفاعي بشكل كبير وإعلانه انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، وما يشكله ذلك من إمكانية ترك فراغ كبير من المحتمل أن تملأه إيران وروسيا وتركيا وغيرهم، هذا فضلا عن تعليماته لقادته العسكريين بالتخطيط لسحب حوالي نصف القوات الأمريكية من أفغانستان، ناهيك عن قلق قادة أوروبا من لقاء ترامب مع كيم جونغ أون في سنغافورة، وقراره وقف الولايات المتحدة المناورات العسكرية الكورية الجنوبية، واستعدادها لسحب القوات الأمريكية من كوريا الجنوبية .

ومما يزيد مخاوف قادة أوروبا من سلوك واشنطن، علاوة على ذلك، مساعي الرئيس ترامب وإدارته لإبداء حماس مزعج للأقوياء في جميع أنحاء العالم، وإشادته بالزعماء غير الليبراليين من البرازيل إلى الفلبين، وتحديه لوكالات استخباراته في الإعلان عن مواقفه، والدعم الذي يقدمه للمملكة العربية السعودية بعد اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، بينما كان يحتفظ بأقسى انتقادات له تجاه كندا أو ألمانيا أو الاتحاد الأوروبي، دون أن يغفل التقرير ازدراء ترامب بالمؤسسات والاتفاقيات الدولية مما يعتبره هؤلاء الحلفاء الطريقة الوحيدة لمعالجة المشكلات العالمية، إذ يشعرون في العديد من القضايا ذات الأهمية الكبرى بالنسبة لهم ـ من اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني إلى معاهدة الوقود النووي المشع، بالتجاهل، أو يتم التعامل مع أمريكا في أسوأ الأحوال، كمنافسين، بدلا من الحلفاء والشركاء ذوي الاهتمامات والمصالح المشروعة.

ويرى التقرير أنه بعد عامين من سلطة ترامب، أطلقت إدارته عملية إعادة تقييم للعلاقات عبر المحيط الأطلسي في أوروبا، مشيرة إلى انتهاء عصر الهيمنة الأمريكية الحميدة مع بروز مؤشرات استعداد أوروبا لكبح بعض قرارات ترامب، لاسيما بعد رحيل ماتيس الذي كان يشكل بالنسبة إلى قادة الغرب صمام أمان للتحالف الأمريكي ـ الأوروبي، وأن رحيله آذن بضرورة دفاع ألأوروبيين عن أنفسهم بشكل متزايد.

هل يتم إنقاذ بقية الغرب؟ 

يطرح التقرير سؤال بقية الفاعلين الغربيين، وبشكل خاص، مجموعة السبع، (كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة ـ وكذلك أستراليا وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي)، التي تمثل النظام الدولي الليبرالي، ويرى التقرير أن قادة هذا العالم قد فهموا، بدرجات متفاوتة، أنهم بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد، مع طرحهم لسؤال كيفية المبادرة في ظل عدم وجود إجماع مع الولايات المتحدة بشأن العبء الذي يجب مشاركته. وهل دورهم يتلخص في مجرد التقاط ما تبقى من القيادة الغربية؟

وفي هذا السياق، يسجل التقرير دعوة العديد من القادة في القوى المتوسطة الليبرالية الديمقراطية إلى تعاون أقوى فيما بينهم للحفاظ على السمات الأساسية للنظام الدولي، وعلى تعددية الأطراف فيه، بينما عبرت بريطانيا عن رغبتها بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي بأداء دور بناء سلسلة غير مرئية تربط بين ديمقراطيات العالم، وعبرت كندا عن رغبتها في العمل لإيجاد طرق للديمقراطيات الليبرالية المتشابهة في التفكير للعمل على قيمنا والكفاح من أجل النظام المتعدد الأطراف.

 



ويعكس هذا القلق أزمة تشكل النظام الدولي الجديد، والتوتر الذي يعكسه واقع تنافس إرادات تتجه سياساتها لنسف قواعد النظام الدولي السابق، دون إحداث خطوط توازن لنظام دولي جديد، وبين قوى محافظة تدافع عن مبادئ النظام الدولي، لكنها بسبب من فقدانها القدرة على تحصين الإجماع مع واشنطن، تقف في موقع عدم الفاعلية وضعف النجاعة في تحويل اتجاهات السياسات الدولية.

أوروبا.. الحكم الذاتي الاستراتيجي أم التبعية غير الاستراتيجية؟

يسجل التقرير أن الاتحاد الأوروبي لم يعد مستعدا لعصر جديد من منافسة القوة العظمى. وأن عدم اليقين المتزايد حول الدور المستقبلي للولايات المتحدة، أفضى إلى تجدد النقاش حول "الاستقلال الذاتي الاستراتيجي" لأوروبا. كشكل من أشكال الاحتياط أو حتى التحرر من الولايات المتحدة. ويعكس ذلك تنامي الجدل حول ضرورة تطوير منظومة دفاع أوروبية مشتركة، سواء في شكل موحد أو تعاوني تنسيقي بين الجيوش الوطنية الأوروبية، وبناء الأطر المؤسسية لهذه الفكرة وتنزيلها.

 



ويعتبر التقرير أن هذه الخطوات المرحب بها أوروبيا، التي من شأنها أن تمهد الطريق لاتحاد أوروبي أكثر قدرة على المدى الطويل، لا التحديات الكثيرة القصيرة الأجل. إذ يواجه أعضاء الاتحاد الأوروبي فجوات كبيرة في القدرات اللازمة للوفاء بمستوى طموح الاتحاد الأوروبي، وسيتم استنفادهم سريعا إذا اضطروا إلى ذلك. مما يدفعهم إلى تبني خيار "الاستقلال الاستراتيجي" أو سياسة خارجية أوروبية أقرب لما يمكن تسميته بـ"التبعية غير الاستراتيجية"، على الأقل في المجال العسكري.
 
على الرغم من أن معظم المفكرين الإستراتيجيين في أوروبا يتفقون على أن الشراكة القوية عبر الأطلسي ستبقى أفضل ضمان أمني لأوروبا، فإن هذا الخيار المفضل قد لا يكون متاحا في المستقبل. في الوقت نفسه، لا يوجد خيار (ب) واقعي بعد. ونتيجة لذلك، فإن العديد من الحكومات الأوروبية كانت تسير بخط رفيع، في محاولة للحفاظ على الخيار (أ)، مع الاحتياط والاستثمار في الخيار (ب) دون جعل الخيار (أ) أقل احتمالا. أو كما قال von der Leyen في مؤتمر ميونيخ الأمني في عام 2018: "نريد أن نبقى عبر الأطلسي -وفي الوقت نفسه، نصبح أكثر أوروبيين." 

أزمة في تشكل نظام دولي جديد 

يستعين التقرير بما قاله الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي، من أن الأزمة تتشكل حين يموت القديم ولا يتشكل الجديد وتظهر مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأعراض المرضية، ليصف حقيقة المشهد الذي يعرفه النظام الدولي، فقد انتهت فترة ما بعد الحرب الباردة والتفاؤل العام المرتبط بها، وتم استجواب العديد من الحقائق التي اعتبرها معظم الناس في العالم الغربي أمرا مسلما، لكن من غير الواضح نوع النظام الجديد الذي سيظهر، وما إذا كان يمكن الحفاظ على المبادئ الأساسية للنظام القديم، وما إذا كنا سنرى عالما ذا أوامر متنافسة، وما إذا كانت الفترة الانتقالية ستكون سلمية أم لا؟

لكن ما أكده التقرير، أن المرحلة الفاصلة ستكون مرحلة محكومة بعدم الاستقرار وعدم اليقين لفترة طويلة. والأهم من ذلك أن عدم اليقين الجديد هذا، يعني أن قادة العالم يتحملون مسؤولية كبيرة. 

عشرة نزاعات دولية
 
استعان التقرير بما تنشره مجموعة الأزمات الدولية، من قائمة الصراعات التي ينبغي مراقبتها في العام المقبل، لاسيما بعد تلاشي قيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وسعي مزيد من القادة إلى تعزيز نفوذهم بالتدخل في النزاعات الخارجية، وحصر التقرير هذه النزاعات في نزاع اليمن، وأفغانستان، والتوترات بين الولايات المتحدة والصين، والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وسوريا، ونيجيريا، وجنوب السودان، والكاميرون، وأوكرانيا، وفنزويلا.

 

اقرأ أيضا: هل تلاشت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية للعالم؟ (1من2)

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا