عـاجل
آخر الأخبار

سوريا في دوامة التوحش ونفي الدولة.. شهادة للتاريخ

عبير فؤاد الإثنين، 08 يوليو 2019 01:34 م بتوقيت غرينتش

الكتاب: سورية الدولة المتوحشة
المؤلف: ميشيل سورا
ترجمة: أمل سارة ومارك بيالو
الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشرـ 2019

بينما كان ميشيل سورا يرسم بمقالاته البحثية خارطة بنيان النظام السوري (نظام حافظ الأسد) ويسقط الأقنعة عن وجه استبداده وطغيانه، رسم في الوقت ذاته خارطة مصيره الشخصي المفجع على يد النظام نفسه. ويمكننا القول إنه قلما اشتبك باحث بموضوع بحثه ونسجت خيوط أحدهما الآخر كما هي الحال مع سورا. فالشاب الذي اغتيل في الثامنة والثلاثين من عمره، والذي ولد في تونس وغادرها فتى صغيرا لم يغادره المجتمع العربي يوما، فعاد إليها دارسا وباحثا ميدانيا، متنقلا بين دمشق وبيروت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ليبحر عميقا في فهم قضايا المنطقة وصراعاتها الاجتماعية السياسية، ممتلكا قدرة استثنائية على قراءة وتحليل واقعها، ميزته عن غيره من علماء الاجتماع الذين ظلوا يقاربونها بآليات ومفاهيم غربية قادتهم إلى استنتاجات مبتسرة وأحيانا زائفة.

 

إن الطائفة العلوية أدت دور خط الدفاع والحماية الأول بين الطبقة المسيطرة والمجتمع، وقد كرس حافظ الأسد، منذ استيلائه على الحكم في 1970، كل سياسته لربط مصير الطائفة بمستقبله الشخصي،



لكن تميز سورا واستثنائيته كانتا أيضا سببا لدفعه ثمنا باهظا لم يكن أقل من حياته، فكيف يصبر طاغية يختبئ خلف شعارات التقدمية والنضال ضد الإمبريالية والرجعية والأصولية على صوت يفند دعاويه ويفكك آليات استبداده، سيما إذا كان لهذا الصوت مصداقية خاصة كباحث اجتماعي غربي. 

 



"سوريا الدولة البربرية" كما هو عنوان الكتاب بلغته الأصلية، أو ".. الدولة المتوحشة" كما اختار له محررو ومترجمو الكتاب بنسخته العربية، وثيقة بحثية اجتماعية نادرة في استشرافيتها "تفسر الآليات والمبادئ الأولى لتأسيس نظام الأسد وعمله، وأساليب حكمه، وتعاملاته مع الرأي العام السوري والعالمي" وهو كتاب يقدم "ربما أكثر من أي كتاب آخر حديث، مفاتيح أساسية للإجابة عن سؤال: لماذا وصلت سوريا إلى الوضع الكارثي الذي تعرفه اليوم؟" بحسب ما يقول الدكتور برهان غليون في مقدمته للترجمة العربية.

الكتاب، وهو تجميع لنصوص نشرها سورا باسم مستعار، صدر في العام 1988، بعد وفاته، وأعيدت طباعته في العام 2012، "لما فيه من راهنية مع ما يحدث في المنطقة حاليا حتى بعد مرور ربع قرن على وفاة المؤلف"، وفي العام 2017 صدرت الطبعة الأولى من ترجمته العربية عن "الشبكة العربية للأبحاث والنشر" بعد أن سحب من دار نشر عربية أخرى حاولت فرض رقابة على محتوى الكتاب وعنوانه، وتلتها طبعة ثانية هذا العام 2019.

العصبية والملك

لفهم الأحداث التي شهدتها سوريا في السبيعينيات وأوائل الثمانينيات يستخدم سورا إطارا تحليليا وضعه عالم الاجتماع والمفكر العربي ابن خلدون "عندما أظهر كيف تقوم في مكان تاريخي معين عصبية ما تدعمها روابط الدم أو ببساطة تشابه المصير فقط، باستغلال دعوة دينية أو سياسية.. للوصول إلى السلطة المطلقة أو الملك"، وهذه الثلاثية يجسدها في سوريا العلويون، وهم أقلية تمثل ما نسبته 10% من السكان، استولى من نصب نفسه زعيما لهم على الدولة بواسطة حزب البعث الذي يرفع شعارات التقدمية والاشتراكية. 

يقول سورا: "إن الطائفة العلوية أدت دور خط الدفاع والحماية الأول بين الطبقة المسيطرة والمجتمع، وقد كرس حافظ الأسد، منذ استيلائه على الحكم في 1970، كل سياسته لربط مصير الطائفة بمستقبله الشخصي، وفي سبيل ذلك كان عليه تصفية بعض رؤساء العصبيات الثانوية (العلوية) ممن كانوا يمثلون حلا بديلا للعلاقات المتينة التي تربطهم بالطوائف الأخرى ولا سيما مع السنة من أهل دمشق".

وفي مواجهة حركة الاحتجاجات الشعبية والإضرابات التي قادتها بشكل أساسي النقابات المهنية والمؤسسات المدنية بين عامي 1979 و1980، التي طالبت بإنهاء حالة الطوارىء المعمول بها منذ آذار (مارس) 1963 وإعادة الحريات والديمقراطية إلى البلاد وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، تحدث حافظ الأسد إلى أعيان طائفته في مسقط رأسه في القرداحة حاثا إياهم على "منافسة البرجوازية السنية على الساحة الاقتصادية"، والكف عن اعتبار أنفسهم "طفيليين" يعيشون على حساب المجتمع بصفتهم "طائفة التشارك في الأرباح"، بينما كان يتوسع أبناء الطائفة في احتلال جميع المواقع الإدارية الهامة في قطاعات الدولة المختلفة بدون مؤهلات حقيقية، ويدخلون كليات حساسة كالطب والهندسة بمعدلات دراسية إلى قلب المدن ولا سيما دمشق التي "تحولت إلى تجمع سكاني لا روح فيه لأناس متفاوتين ومتنافرين (نحو 2 مليون نسمة) جاؤوا من المناطق الريفية على أمل المشاركة في شبكة التوزيع التابعة للدولة" بعد أن كانت في الخمسينيات "المدينة التي غذت الحركة الوطنية ونشطت الحياة السياسية".  

 



لكن سورا يلفت مع ذلك إلى أن هذه "العصبية"، التي تم توظيفها من قبل الأسد في مواجهة بقية مكونات المجتمع السوري، لم تستبعد الطبقية داخلها، ويمكن على سبيل المثال قياس سلطة كل فرد فيها بمقدار ما يملكه من حراسات شخصية، 12 ألف شخص لحماية الرئيس، و60 حارسا لكل واحد من الجنرالات.. حتى يصل العدد إلى 4 حراس لحماية عمداء بعض الكليات، ومن جهة أخرى تمنح صلات النسب والقرابة موقعا استثنائيا للشخص، حيث يمكن لمقدم في الجيش أن يمتلك سلطة أكبر بكثير من سلطة ضابط برتبة عميد إذا كان صهرا أو قريبا لآل الأسد.

تفكيك المجتمع المدني

المواجهة لم تكن فقط خطابية أو عبر الإقصاء والاستحواذ على الامتيازات، ولم تكن صراعا بين اليسار واليمين أو التقدمية والرجعية، بل كانت صراعا لتحقيق السلطة المطلقة..السلطة "البدائية".. "السلطة كعنف ولا شيء سوى العنف" ضد كل احتمال لقيام دولة مدنية ديمقراطية، لذلك وكما يقول سورا قام نظام حافظ الأسد بالتزامن مع حملة دعائية كبرى بعسكرة كامل مؤسسات دولته الوظيفية والمهنية، وشكّل "كتائب" من الفلاحين والعمال والطلاب والنساء للدفاع عن "مكتسبات الثورة" وفكك أركان المجتمع عبر حل النقابات المهنية (للأطباء والمهندسين والمحامين والصيادلة والمترجمين) التي كانت تتصدر قيادة الاحتجاجات، ثم جاء التصويت في مجلس الشعب على قانون يعاقب بالإعدام كل من يثبت انتسابه إلى جماعة الإخوان المسلمين في تموز (يوليو) 1980. 

وجد حافظ الأسد في تسويقه للصراع باعتباره صراعا بين قوى إسلامية مسلحة رجعية وبين دولته "التقدمية الاشتراكية" فائدة كبرى، إذ ظلت وسائل الإعلام والمواقف الغربية مؤيدة له، تغض الطرف عن حجم العنف الكارثي المستخدم في بسط نفوذه. 

يقول سورا: "في شباط (فبراير) سنة 1982 بينما كانت قوات الحرس الجمهوري للنظام تقصف حماة.. في نطاق عملية عسكرية كبيرة جدا انتهت بسقوط ما يقدر بعشرة آلاف قتيل.. كانت الصحافة الغربية تقدم ما يشبه التبريرات لذلك العمل بصفته شرا لا بد منه لإزاحة شبح الخمينية عن بلاد الهلال الخصيب من دون أن تنسى أن تشجب أعمال العنف بطبيعة الحال؛ فتلك كانت نوعا ما عملية جراحية ضد معقل الأصولية الإسلامية في سوريا". 

وأضاف أنه في جو "التحجر الفكري" هذا كان المراقبون الأكثر انفتاحا يرون أن المسألة تتعلق بـ "الصورة النمطية لدولة علمانية وحداثية تتعرض لهجمة دينية ظلامية تدعمها طبقات المجتمع الأكثر محافظة ورجعية". 

 

لم تعد الدولة تعترف في خضم عملها القمعي سوى بالانتماء الطائفي للتمييز بين الحبة الصالحة والزؤان. هنا يظهر الشكل البدائي للسلطة



لم يلتفت هؤلاء إلى العديد من المجازر التي سبقت مجزرة حماة، في مدن ومناطق مختلفة كبلدة جسر الشغور مثلا التي كانت حصيلة "عملية التطهير" فيها 200 قتيل في العام 1980، وقتل أكثر من ألف من معتقلي سجن تدمر، ولم يتوقفوا عند الاعتقال والعنف العشوائي الذي أدى إلى اعتقال نحو 8 آلاف مشتبه به في حلب، عدا عن إعدام 80 شخصا رميا بالرصاص أمام بيوتهم في حادثة أخرى، واختفاء 11 طبيبا في حماة "تحت غطاء من حظر التجوال"، أو إعدام 400 من الأبرياء من أبناء المدينة ذاتها انتقاما لهجوم مسلح على قرية علوية تم إحباطه.  

يقول سورا: "لم تعد الدولة تعترف في خضم عملها القمعي سوى بالانتماء الطائفي للتمييز بين الحبة الصالحة والزؤان. هنا يظهر الشكل البدائي للسلطة"، وفي الرد على ما يورده أرنست غلنر من أن العنف أحيانا هو "الثمن الذي ندفعه للبناء الوطني" يرى سورا أنه من الصعب تخيل "أن مأساة حماة قد أسهمت بأي شكل من الأشكال في بناء سورية الجديدة، بل على العكس، إذ يكفي أن ننطق باسم هذه المدينة في أي حوار كان حتى ندرك أن نهر العنف يشق هذا البلد مثل الجرح المفتوح".

كتاب سورا يضم أيضا مقالات مطولة تبحث في التركيبة السكانية للمجتمع السوري، وتفصّل في طوائفه والأقليات والقوميات التي يضمها مثل الشركس والأرمن والأكراد، مشيرا إلى أن اللغة العربية بالإضافة إلى دين الإسلام يظلان أكبر عوامل تماسك وتلاحم هذا المجتمع. كما تبحث هذه المقالات في تناقضات النظام الاقتصادية التي خلقت طبقية واضحة، وتهميشه لدور المرأة رغم ادعاءاته المعاكسة، وما تسبب به من صراع ريفي-مديني بسياساته الطائفية المتحيزة.  

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا