عـاجل
آخر الأخبار

بنسالم حميش.. مسار تشكل مفكر وروائي وفيلسوف

بلال التليدي الثلاثاء، 13 أغسطس 2019 03:52 م بتوقيت غرينتش

الكتاب: الذات بين الوجود والإيجاد سيرة ذاتية
المؤلف بنسالم حميش
الناشر : المركز الثقافي العربي الدار البيضاء
الطبعة الأولى 2019
عدد الصفحات240

يخوض عدد من المفكرين والأدباء تجربة السير الذاتية، فيسجلون محطات من ذاكرتهم ومواقفهم ومسار حياتهم، غير أن آخرين لا يحبذون خوض هذه التجربة، ليس لأنهم لا يملكون فن السرد والقدرة على الاستذكار، ولكن لأنهم مسكونون بفكرة التنزه عن الحديث عن الذات، بسبب ما ترسب من رصيد التربية الدينية التي تمنع تضخيم الذات وما يدخل ضمنها، فترى البعض زاهدين في إثراء هذا النوع الأدبي الرفيع، مع ما لديهم من مكنة وذائقة أدبية رفيعة.

لكن المفكر والروائي المغربي بنسالم حميش، حاول من خلال كتابه "الذات بين الوجود والإيجاد سيرة ذاتية"، أن يسلك طريقا وسطا بين هؤلاء وأولئك، مبررا هذا الاختيار بضرورة السباحة قدر الإمكان في الحياة الجوانية لمعرفة الذات ومعرفة الآخرين أيضا، وخوفا من كبت الماضي في حياة الفرد، وما يترتب عن ذلك من آثار ومضاعفات تندرج فيما يحدد الشخصية من حيث بنيتها وسيرتها، كما أنه جنح لهذا الاختيار الوسط اقتداء بميشيل مونتاين في كتابه "المقاربات" الذي ينبه إلى ضرورة رسم الذات واتخاذها مادة للكتابة.

بن سالم حميش والسيرة الذهنية الفكرية

على غير عادة الكتاب والأدباء الذين يسردون أحداثا مفصلة تخص حياتهم ومسارهم ومنعطفات فاصلة من حياتهم، فضل بنسالم حميش أن ينحت تجربة أخرى في كتابة السيرة الذاتية، ركز من خلالها على ما أسماه السيرة الذاتية الفكرية أو الذهنية، وهي التي تحاول أن تركز على جوانب من الشخصية في علاقتها بمواضيع شتى في الفلسفة والأدب والتاريخ والأخلاق وغيرها، وهو لا يتردد في هذا السياق في الاعتراف بأنه يقتدي في نحته لهذا الاختيار في كتابة السيرة بصاحب المقاربات، وأيضا بنيتشه الذي كتب سيرته الذاتية: "هذا الإنسان" وكان يسترجع فيه مجمل أعماله الفلسفية في سياق تأملي تذكري، إذ كان يعتبر أن السيرة الذاتية لأي فيلسوف هي إحدى المفاتيح الناجعة لفهم أفكاره وكتاباته.
 
جوانب من حياة بنسالم حميش


فضل بنسالم حميش أن يوطئ لسيرته الذاتية بقطع حياتية، حاول أن يسترجع فيها مشاهد من طفولته مركزا على مرحلة المسيد (الكتاب القرآني)، وما اكتسبه من رصيد معجمي ناله من حفظ القرآن، فضلا عن ذكرياته مع الفقيه صاحب العصا الطويلة التي كانت تصل إلى الغفاة المتهاونين، لينتقل سريعا للحديث عن تعليمه الابتدائي بمكناس إبان مرحلة الاستقلال على يد بعض الأساتذة الفرنسيين المتطبعين بنزعات عنصرية وذهنية استعمارية سافرة، وكيف كانوا يمارسون العنف على التلاميذ الذين يتوانون في ضبط اللغة الفرنسية وإتقانها، كما تذكر أيامه الجميلة مع أستاذ اللغة العربية الذي كان يجمع في تدريسه بين التعليم الديني والوطني، وكيف وسع مدارك المتعلمين من خلال  تركيزه على الحفظ عن ظهر قلب للنصوص والمتون والشعر، وذلك بقصد حفز المتعلمين على تكوين ذاكرة لغوية، وتصريف عائداتها في الإنشاءات وسوق الكلام والحوارات.

ثم يأتي على جانب من الخجل الذي كان يميز شخصيته، وكيف اختفى مع تقدم السن، ولم ينس أن يذكر في هذه القطع الحياتية الوسط النسائي بعاداته وطقوسه الخصوصية في مدينة مكناس القديمة، وصور من عنف أخيه البكر وتسلطه عليه، وجوانب من شخصية أبيه إمام المسجد الكبير وخطيب الجامع بالمدينة القديمة، والدخل الهزيل الذي كان يتقاضاه، وانخراطه في الحركة الوطنية، وحرصه على تنشئة أبنائه تنشئة وطنية. ثم يعرض بنسالم حميش في هذه القطع الحياتية لجوانب من مراهقته، وكيف ساعدته من جهة على مقاومة عنف أخيه الطاغية من جهة، وكيف حلت به أعراضها ومظاهرها.

 

المثير في الخلفية المرجعية والفكرية للمفكر بنسالم حميش هو تأكيده على مركزية الإسلام في بنائه الفكري


 
يحكي بنسالم حميش في سيرته الذهنية أن أول علاقة له بالكتابة كانت شعرا، فكان يعمد لطباعة شعره بالخط اليدوي قبل أن يراجع هذه الطريقة مع تطور الطباعة، ودخول الشكل عليها، فنوع من شعرياته باللغة العربية والفرنسية، لاسيما بعد أن تمكن من إقامة كوخ في سطح بيته، تفرغ فيه للقراءة والتحصيل والإبداع الأدبي.

ولم يغفل بنسالم حميش في هذه الشذرات الإشارة إلى بعض أصدقائه وأشكال الاسترواح والمتعة والرياضة التي كان يقضيها معهم، فضلا عن بعض الأمراض الموجعة التي ألمت به، كما أشار إلى بعض أساتذته خاصة أستاذه في اللغة العربية، المنيعي الذي كان يبوئه الصدارة في مادة الإنشاء،  مشيرا في هذا الخصوص لحيرته الشديدة بين اختيار شعبة اللغة العربية أو شعبة الفلسفة، واستقراره في الأخير على الفلسفة، فذكر في هذا السياق أفضال أستاذه في السوسيولوجيا عبد الكبير الخطيبي، وأستاذه عبد الله العروي، وكرم الصحفي الكبير عبد الجار السحيمي. 

وتناول في هذه القطع الحياتية أيضا قصته مع المجلتين اللتين أشرف على إصدارهما، فأجهضت الأولى (الزمان العربي) في المهد، واستمرت الثانية (البديل) لبعض الوقت رغم جهله عن مصادر تمويلها، ويذكر في سردياته الحياتية أنه اشتغل من خلال تجربته في المجلتين على إقامة حوارات نوعية مع مثقفين وازنين مثل ماكسيم رودنسون وعبد الله العروي وعبد الرحمان بدوي وطيب تيزيني ومحمد عابد الجابري وعزيز الحبابي.

ولم يغفل بنسالم حميش أن يشير إلى بعض الشذرات في تجربته في جامعة السوربون وحياته في مدينة الأنوار، فضلا عن قصة زواجه الغريبة بالمرأة اليونانية التي كانت تشتغل في سفارة اليونان بالرباط.

بين ماركس وسارتر ورموز التصوف

لا يتردد بنسالم حميش في الإعلان عن المرجعية التي شكلت رؤيته الفلسفية والفكرية، فيعزي لماركس وسارتر الفضل في صياغة هذه الرؤية، كما كان لرموز التصوف دور كبير في تعميق هذه الرؤية وصوغها، وذكر في هذا السياق تأثره بماكسيم رودنسون وبالنظرة الخلدونية للتاريخ.
 
المثير في الخلفية المرجعية والفكرية للمفكر بنسالم حميش هو تأكيده على مركزية الإسلام في بنائه الفكري، وأنه التفت مبكرا لنص للفيلسوف نيشته في كتابه "الدجال" للأسف لم يتم الانتباه إليه بخصوص الموقف من الإسلام وطبيعة النظرة إليه، إذ تحدث نيتشه عن الجرائم التي ارتكبتها المسيحية، وأنها حرمت البشرية من حصاد الثقافة القديمة، وحرمتها أيضا من حصاد الثقافة الإسلامية، إذ صرح نيتشه في كتابه، بأن حضارة إسبانيا العربية الإسلامية تم دوسها بالأقدام، لأنها استمدت نورها من غرائز أرستقراطية وغرائز فحولية ولأنها تقول نعم للحياة، وأن الصليبيين حاربوا عالما كان الأولى بهم أن ينحنوا له إجلالا لقدره.
 
عمد بنسالم حميش بعد الانتهاء من مشاهد وشذرات في القطع الحياتية إلى فصول مختلفة تناول في كل فصل علاقة الكاتب بفضاءاته المتنوعة الأدبية والفكرية واللغوية والثقافية، مع ختم سيرته بفقرة قصيرة ضمنها بعض سجالاته، فقد كان يذكر في كل فصل التوجهات التي حكمته في كل فضاء على حدة، وكيف انتهى به المطاف إلى هذا الاختيار، مع ذكر بعض مواقفه الثابتة بهذا الخصوص.

 

يعتبر حمّيش أن النص التراثي التاريخي المكتوب منه والشفوي، هو الأعمر نصا، والأغنى بالواقعات والحالات والتجارب، وهو خزان لا ينضب من فرص إقامة الدلالات وتحريرها



ففي فضائه الأدبي، تناول قصته مع الرواية، وكيف انتهى به المطاف إلى تبني خطه الروائي، الذي يميل إلى تسجيل الجانب اللاواعي من الشخصية، المتخم بتراكمات عملية اختمار الرؤى الفكرية والجمالية وصيرورة الذات الثقافية. ومع اعترافه بأن ليس له مفهوم جاهز ثابت يقود به عمله الروائي، فإنه يقر في الوقت ذاته بأنه يترك الممارسة تفرز له تصورا يلائم إلى حد ما تكوينه الشخصي في الفلسفة والتاريخ، ويمكنه من استيعاب عنصري التجربة والمعاناة مع التبني المطلق للحرية والانفتاح.
 
وفي فضائه الفكري، ساق بنسالم حميش قصته مع الفلسفة واختياراته التي انتهى إليها، منطلقا من التأثير العميق بفيلسوف الأنوار إيمانويل كانط على مساره الفكري والنقدي، وكيف تعلم معه لاسيما كتابه "النقد الخالص"، أن الفلسفة لا يمكن أن تختزل في الميتافزيقا، وأن الفكر الفلسفي إن أحسن تمثله المفهومي وتدبيره المنهجي، يمكنه ان يقوم كأحد أنماط البحث في شتى الشؤون المحدثة كالتنمية البشرية المبدعة والحداثة كمعين إنتاج وتخصب قيم عليا مضافة وحضور حقيقي ودال، علاوة على الاقتصاد والبيئة ومجتمع المعرفة، وغير ذلك من القضايا ذات الصلة بالديمقراطية التي لها علاقة بالفلسفة علاقة عضوية. 

وإضافة للرصيد الفلسفي، يشير بنسالم حميش إلى الرافد التراثي والتاريخي، وتأثيره العميق في صوغ رؤيته الفكرية، إذ يعتبر أن النص التراثي التاريخي المكتوب منه والشفوي، هو الأعمر نصا، والأغنى بالواقعات والحالات والتجارب، وهو خزان لا ينضب من فرص إقامة الدلالات وتحريرها، ويذكر في هذا السياق أدبيات الرؤى المنامية والتوهمات والخوارق والغرائب والعجائب التي تزخر بها مؤلفات الثعلبي والكسائي والمحاسبي والحلاج والقزويني وابن عربي وكثير من أعلام الرحلات.

فشل الهوية اللغوية المزدوجة

في فصل الفضاء اللغوي، يتعرض بنسالم حميش لإشكالات كثيرة تخص الهوية واللغة والاختيارات والسياسات اللغوية التي انتهجتها عدد من الدول العربية لاسيما المغرب. ومع تبنيه لمفهوم متجدد للهوية منفتح يتطور مع الزمن، إلا أنه يرى أن هذا التطور لا يمكن أن يحصل من غير تأسيس على مرجعيات ونقاط ارتكاز تشكل قاعدته الصلبة، ويرى بناء على ذلك، أن الهوية المنهكة من طرف الاستعمار، وعودة الهيجمونيا (أي أنظمة الاستبداد والغلبة بالمفهوم الخلدوني) السافرة، أصبحت بفعل من عمل لوبيات الداخل والخارج، مفككة، وفي حالة شديدة من الهشاشة والانهاك، وأن ذلك يجعلها معرضة لمخاطر التمزقات الاجتماعية والقبلية، كما أن العالمية في نظر بنسالم حميش، ليست سوى أوعية  وإطارات فارغة قابلة لأن تملأ وتحيا بالعطاءات الهوياتية المرتبطة أساسا بأخلاق التعارف والاستعراف. 

ويتحسر بنسالم حميش من عمليات إهانة اللغة وتبخيسها، ويصور شكل المعاناة الوجودية التي كان يمر بها عندما كان يعاين تعرض اللغة العربية لهجمات عداء متناسبة الأهداف والمرامي متنوعة ألأساليب والوسائل، ويشير بهذا الخصوص إلى ثلاثة من وجوه استهداف اللغة العربية، الأول من طرف جهات تحاول أن تربط بين جماعات التطرف والغلو وبين اللغة العربية، لكي تخلق شعورا بالتقزز من اللغة العربية بربطها بالإرهاب، والثاني من طرف فرنكفونيين مستأسدين مستقوين بالهيمنة الفرنسية،  متأسفا على واقع هذه الهيمنة التي تحظى بها الفرنسية من غير تأطير ولا إعلان دستوري، أما الوجه الثالث، فمن طرف جهات تطالب باستبدال اللغة العربية باللغة العامية لاسيما في سلك التعليم الأولي.

الالتزام السياسي في مقاومة الانتهازية الحزبية

يستعرض بنسالم حميش جانبا من جوانب المشهد الثقافي الذي كان في يوم من الأيام وزيرا وصيا عليه، ويعرض لمآسي ظاهرة الريع الثقافي، وبروز المثقفين المنتفعين، ودخول الفساد إلى هذا المنشط الحيوي الهام، كما يذكر قصة انتمائه السياسي، وخلفيات اختياره لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات  الشعبية، وأن التوليفة الماركسية السارترية التي حكمت رؤيته، هي التي حتمت عليه الدخول للعمل السياسي والالتزام الحزبي، مشيرا بهذا الخصوص إلى بروز ظاهرة الانتفاعيين الاحترافيين الحزبيين الذين يتسلقون المواقع، وتسببها في تراجع الأحزاب الوطنية المناضلة وضعف حضورها في المشهد السياسي الوطني، كما يحكي كيف تحول حزب "الوردة" (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) الذي كان يؤثثه شعار الزعيم عبد الرحيم بوعبيد "المناصب لا تهمنا" إلى حزب يرفع شعارا عمليا معاكسا يرى أن كل ما يهمه هو المناصب ولا شيء غيرها.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا