آخر الأخبار

شيعة المغرب.. ممانعة الواقع وانسداد الأفق (2من2)

الإثنين، 07 أكتوبر 2019 10:27 ص بتوقيت غرينتش

على خلاف تجارب حركات الإسلام السياسي في العالم العربي، تمكن إسلاميو إيران الذين وصلوا إلى السلطة عام 1979 في ثورة شعبية، أسقطت حكم الشاه وأقامت نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من ترسيخ تجربة سياسية مختلفة، ولم تكتف فقط ببناء الدولة والتأسيس لنموذج في الحكم يمتاح أسسه من المرجعية الإسلامية الشيعية، بل وتحولت إلى قوة إقليمية وامتد نفوذها إلى عدد من العواصم العربية.

ومع أن التجربة الإسلامية في إيران، قد أثارت مخاوف المنطقة العربية، التي وقفت ضدها في حرب الثمانية أعوام من خلال دعم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في تلك الحرب، فإنها لم تحظ بالاهتمام الفكري والعقلاني الهادئ، لفهم أسرار قوة هذه التجربة، وفهم آليات تمكنها من الحكم، وقدرتها على مواجهة الحرب مع العراق بالإضافة إلى الحصار الإقليمي والدولي.

وتزداد أهمية قراءة التجربة السياسية في إيران، هذه الأيام، بالنظر إلى صعود نفوذ طهران السياسي في المنطقة بشكل عام، ولا سيما في دول الربيع العربي، التي تمكنت طهران من أن تكون واحدة من أهم القوى النافذة فيها، إن لم يكن بشكل مباشر كما هو الحال في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، فمن خلال السياسة الناعمة كما هو الحال في علاقاتها مع باقي دول الربيع العربي.
 
"عربي21"، تفتح ملف التجربة الإيرانية، ليس فقط من زاويتها الدينية أو السياسية أو الدفاعية، وإنما أيضا من زاويتها الفكرية بهدف فهمها أولا، ثم معرفة أسرار نجاحها وتمددها في المنطقة، واستحالتها أخيرا إلى قوة إقليمية ودولية. 

يشارك في هذا الملف الأول من نوعه في وسائل الإعلام العربية نخبة من السياسيين والمفكرين والإعلاميين العرب، بتقارير وآراء  تقييمية للنهج الشيعي في الدين والسياسة والفكر.

يواصل اليوم الكاتب والباحث المغربي بلال التليدي تسليط الضوء على حقيقة الحضور الشيعي في المغرب، وعلاقته بحراك 20 فبراير 2011..

حراك 20 فبراير، ومطالب الحق في التنظيم

مع حراك 20 فبراير 2011، سجلت بعض ملامح التململ داخل هذه الحساسيات الشيعية، التي رأت أن الفرصة باتت مواتية للقطع مع مرحلة الانكفاء، والتوجه نحو الضغط، واحتضان شعارات حركة 20 فبراير بعض المواقع الإلكترونية المعروفة بحساسيتها الشيعية في المغرب، وفي هذا السياق، يمكن أن نذكر بموقف هيئة الإمام الشيرازي بطنجة، الذي يتبنى أفكار ياسر الحبيب، المؤيد لدستور فاتح تموز (يوليو) 2011، والذي اتجه في سياق رفع توجس السلطة من هذه الحساسية، فيما اختارت حساسيات أخرى شيعية، إدريس هاني، أن تقف في وجه الثورة السورية، وتعبر عن تضامنها مع النظام السوري في وجه ما أسمته بالمؤامرات الامبريالية ضد الأمة العربية والإسلامية.

محاولة تبرير الوجود عبر مدخل الحريات والأقليات الدينية

مع بروز مؤشرات الانفراج في العلاقات الدبلوماسية الإيرانية المغربية منذ وصول روحاني للسلطة وإلى غاية عودة العلاقات إلى طبيعتها أي ما بين 2013 ـ 2015، ومع اشتداد الضغط الحقوقي على المغرب، ظهرت بعض الانفراجات في العلاقة مع الحساسيات الشيعية، فتأسست جمعية الرساليون الديمقراطيون سنة 2013، وتم السماح لبضع الحساسيات الشيعية بالاحتفال بطقوس عاشوراء في طنجة، بحضور 300 مشارك، كما تم تأسيس مؤسسة الخط الرسالي (مركز أبحاث)، غير أن اللافت في تحرك الحساسيات الشيعية، هو توجهها نحو تأسيس مرصد حقوقي سنة 2015 تحت اسم "المرصد الرسالي لحقوق الإنسان"، وبروز توجه ليس فقط للدفاع عن حق الشيعية في الوجود والتمثيل، ولكن للدفاع عن حرية المعتقد وحقوق كل الأقليات الدينية، إذ دخل ضمن رهانات الرصد تسجيل حالات التضييق على المسيحيين في المغرب، في دلالة على تنامي وعي الحساسية الشيعية في المغرب، باستحالة الفصل بين مطلب تأسيس الوجود، وبين قضية الدفاع عن كل الأقليات.

 

وجد المغاربة في مرتكزات النظام السياسي المغربي وخاصة الإمامة العظمى (إمارة المؤمنين) وشرعية النسب الشريف (آل البيت) ما يغنيهم عن التماس هذه الأصول في المذهب الشيعي


ومع سنة 2017، تم تنزيل هذه الاستراتيجية الجديدة، من خلال تنسيق الجهود مع فعاليات أخرى تشتغل على موضوع الدفاع عن حرية المعتقد وحقوق الأقليات الدينية، ودعت حركة "تنوير" إلى تنظيم مؤتمر يدرس وضعية الأقليات في المغرب، حدد له موعد في أواخر تشرين ثاني (نوفمبر) 2017، وسهرت على تنظيمه ما تسمى بـ"اللجنة المغربية للأقليات الدينية بالمغرب" وذلك بهدف مواجهة سياسة تهميش وإقصاء الأقليات الدينية وتعميق النظر في عدد من القضايا المرتبطة بهم. 

في تفسير محدودية الإسلام السياسي الشيعي بالمغرب

ثمة عوامل كثيرة تفسر انسداد أفق امتداد الإسلام السياسي الشيعي بالمغرب، فطبيعة البناء المعرفي والنسق السياسي المغربيين ظلا يشكلان وحدة تصورية للمغاربة يصعب اختراقها: فلم يكن التشيع باعتباره نظاما معرفيا عرفانيا يغري المغاربة، لأنهم كانوا يملكون بديلا أقوى منه عرفانية وهو التصوف، وظل الانفتاح الذي يميز أصول المذهب المالكي محصنا للمغاربة من أي إغراء مفترض يمكن أن يقوم به مذهب آخر، ولم يكن في أصول الشيعة الفقهية ما يجذب المغاربة وقد استأنسوا بأصول الفقه المالكي ووجدوا فيه اليسر والسعة التي لا توجد في غيره، وحتى الفقه الزيدي الذي يقترب في أصوله من أصول أهل السنة، ظلت مقولاته دون مقاربة مستوى الوضوح والجاذبية التي كانت لأصول الفقه المالكي. 

أما بالاعتبار السياسي، فقد وجد المغاربة في مرتكزات النظام السياسي المغربي وخاصة الإمامة العظمى (إمارة المؤمنين) وشرعية النسب الشريف (آل البيت) ما يغنيهم عن التماس هذه الأصول في المذهب الشيعي الجعفري الإثني عشري لاسيما وأن المعقولية التي كانت تضفى على هذه الأصول في النظام السياسي المغربي كانت تقابلها في الضفة الشيعية صورة أقل منها معقولية.

وبالإضافة إلى هذه العوامل المعرفية الممتدة في جذور الثقافة المغربية تاريخيا، ثمة عوامل أخرى، تعود إلى تنوع الحركات الإسلامية المغربية، وتمثيلها للبعد السلفي والصوفي، فتيار حركة التوحيد والإصلاح انبثق عن المدرسة السلفية الإصلاحية الوطنية، وتيار جماعة العدل والإحسان، انبثق من تجربة التصوف الذي امتد للسياسة، وهو ما حد من إمكانية توسع التشيع السياسي الذي في الغالب ما يجد موطئ قدم له حين يغيب البعد العرفاني في مرجعيات الإسلام السياسي. فثقافة حركة التوحيد والإصلاح والحركات الإسلامية الشبيهة لها في تكوينها، تقطع مع ثقافة الإمام المرشد الذي يقوم بدور ترشيد القواعد، وثقافة العدل والإحسان، تستعيض عن الإمام بالولي الصوفي.

ومن جهة أخرى، لا يمكن أن نقلل من دور الاستراتيجية السياسية للدولة المغربية في مواجهة التشيع، إذ اجتمع الموقف الدبلوماسي (قطع العلاقة الدبلوماسية لأكثر من مرة) مع الضبط الأمني، ليقطع الباب أمام أي فرصة للتوسع الشيعي، ناهيك عن البعد التاريخي للوحدة الدينية للمغاربة، والتي خلقت حالة من الإجماع والحساسية ضد أي مذهب آخر غير المذهب المالكي، وضد أي عقيدة أخرى غير العقيدة الأشعرية السنية.

 

إقرأ أيضا: شيعة المغرب.. ممانعة الواقع وانسداد الأفق (1 من 2)

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا