عـاجل
آخر الأخبار

العراق.. قراءة في جهود توحيد الشيعة ضد نظام صدام حسين

صادق الطائي الثلاثاء، 05 نوفمبر 2019 03:20 م بتوقيت غرينتش

على خلاف تجارب حركات الإسلام السياسي في العالم العربي، تمكن إسلاميو إيران الذين وصلوا إلى السلطة عام 1979 في ثورة شعبية، أسقطت حكم الشاه وأقامت نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من ترسيخ تجربة سياسية مختلفة، ولم تكتف فقط ببناء الدولة والتأسيس لنموذج في الحكم يمتاح أسسه من المرحعية الإسلامية الشيعية، بل وتحولت إلى قوة إقليمية وامتد نفوذها إلى عدد من العواصم العربية.

ومع أن التجربة الإسلامية في إيران، قد أثارت مخاوف المنطقة العربية، التي وقفت ضدها في حرب الثمانية أعوام من خلال دعم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في تلك الحرب، فإنها لم تحظ بالاهتمام الفكري والعقلاني الهادئ، لفهم أسرار قوة هذه التجربة، وفهم آليات تمكنها من الحكم، وقدرتها على مواجهة الحرب مع العراق بالإضافة إلى الحصار الإقليمي والدولي.

وتزداد أهمية قراءة التجربة السياسية في إيران، هذه الأيام، بالنظر إلى صعود نفوذ طهران السياسي في المنطقة بشكل عام، ولا سيما في دول الربيع العربي، التي تمكنت طهران من أن تكون واحدة من أهم القوى النافذة فيها، إن لم يكن بشكل مباشر كما هو الحال في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، فمن خلال السياسة الناعمة كما هو الحال في علاقاتها مع باقي دول الربيع العربي.
 
"عربي21"، تفتح ملف التجربة الإيرانية، ليس فقط من زاويتها الدينية أو السياسية أو الدفاعية، وإنما أيضا من زاويتها الفكرية بهدف فهمها أولا، ثم معرفة أسرار نجاحها وتمددها في المنطقة، واستحالتها أخيرا إلى قوة إقليمية ودولية. 

يشارك في هذا الملف الأول من نوعه في وسائل الإعلام العربية نخبة من السياسيين والمفكرين والإعلاميين العرب، بتقارير وآراء تقييمية للنهج الشيعي في الدين والسياسة والفكر.

يواصل الكاتب والباحث العراقي صادق الطائي عرض ملف التشيع في العراق، تاريخه وطبيعته وحاضره ومستقبله، ويتناول في الحلقة الرابعة من ملفه المتوزع على خمس حلقات، تاريخ الشيعة العراقيين في أواخر عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

منظمة العمل الإسلامي

ضمن تنافس المرجعيات ومجتمعات المدن المقدسة بين حواضر الشيعة، ولدت حركة سياسية شيعية في مدينة كربلاء بعد هزيمة 1967، عرفت عند انطلاقها بعدة أسماء منها "الحركة المرجعية" و"حركة طلائع الرساليين" و"الحركة الرسالية في العراق" لكن سرعان ما تغير اسمها واستقر على ما عرفت به لاحقا وهو "منظمة العمل الإسلامي". وكانت الحركة الوليدة قريبة من، وبمباركة آية الله حسن الشيرازي وأخيه محمد الشيرازي وتسير في ظل نفوذ العائلة الشيرازية في كربلاء ثاني حواضر الشيعة المقدسة في العراق بعد النجف، لكن سرعان ما تحولت القيادة الدينية والعقائدية لـ "منظمة العمل الإسلامي" في العراق ومن ثم في المنافي إلى أبناء أخت المرجع حسن الشيرازي وهما آية الله محمد تقي المدرسي وأخيه السيد هادي ‏المدرسي.

ميزت "منظمة العمل الإسلامي" نفسها عن حزب الدعوة بأنها رفضت أن تطلق على نفسها تسمية "حزب"، لأن ذلك مرفوض، ويعني تبعية الشيعة لشخصيات غير مخولة بالقيادة شرعيا، وبمعنى اوضح ارتباط "منظمة العمل" بالمرجعية الدينية بشكل أكبر مما حصل في حزب الدعوة الذي ابتعد عن نفوذ المرجعية وشكل مجلس شورى يمثل المكتب السياسي للحزب من المدنين، بينما اختار الإسلاميون الكربلائيون اسم "منظمة" والتحفوا بعباءة المرجعية الشيرازية مبكرا، ولم يثقفوا كوادرهم عبر مراحل تربية حزبية وعقائدية طويلة الأمد كما هو حال "الدعوة"، بل استعجلوا الصراع، وبشكل خاص الصراع المسلح مع النظام سعيا لإطاحته والوصول إلى إقامة الدولة الإسلامية.

 


لذلك أنشأت "منظمة العمل الإسلامي" منذ منتصف السبعينات جناحها العسكري ودربت كوادرها في العراق أو في لبنان على استخدام الأسلحة والمتفجرات وتبنت عمليات اعتبرت نوعية وكبيرة داخل العراق، مثل العملية التي استهدفت مسؤولا بعثيا وحكوميا كبيرا هو طارق عزيز في الجامعة المستنصرية في الأول من نيسان (أبريل) 1980. مما دفع النظام العراقي إلى الإيغال في العنف ومطاردة الإسلاميين وتنفيذ الاغتيالات وتشديد القبضة الحديدة على المعارضين الإسلامين بشكل عام. فبعد هذه الحادثة بأسبوع تم إعدام آية الله الصدر، ومن ثم وفي نفس العام تم اغتيال المرشد الروحي لمنظمة "العمل الاسلامي" السيد حسن الشيرازي في لبنان .

انتقل بعد هذه الهجمة العديد من كوادر منظمة العمل نتيجة حملة القمع والاعتقال والإعدامات داخل العراق، وكما حدث مع كوادر "حزب الدعوة الإسلامية" توزع كواد منظمة العمل الإسلامي على المنافي خارج العراق، ومارسوا الكفاح المسلح والمعارضة السياسية ضد نظام صدام، وتماهوا بشكل كبير مع سلطات الثورة الإسلامية في إيران التي وفرت لهم الدعم والحماية والقواعد التي ينطلقون منها لتنفيذ عملياتهم داخل العراق. وبقوا على هذا الحال حتى إسقاط نظام صدام وعودتهم ومشاركتهم في الحياة السياسية بعد 2003. لكن آداءهم السياسي في ظل حكومات الإسلام السياسي الشيعي اتسم بالتراجع وعدم الفاعلية ولم تظهر منهم شخصيات سياسية فاعلة بعد 2003.

المجلس الأعلى الإسلامي

بعد موجة العنف والتنكيل التي طالت مختلف تيارات وأحزاب وشخصيات الإسلام السياسي الشيعي في العراق مع صعود الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين إلى سدة الحكم، حدثت هجرات وهروب جماعي لكوادر هذه الأحزاب إلى خارج العراق، ولجأت أغلب هذه الحركات إلى الجمهورية الإسلامية الوليدة في إيران بحكم التقارب المذهبي والعقائدي والأيديولوجي، ووجدت لها مساحات مفتوحة للعمل والدعم من القائمين على النظام الإيراني الجديد.
 
وفي خطوة لتوحيد الجهود وتنظيمها وجمعها تحت خيمة عمل إسلامي شيعي موحد طرحت فكرة إقامة مجلس أعلى موحد للثورة الإسلامية في العراق، وقد جاء في تعريفه الرسمي؛ "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق هو كيان سياسي عراقي إسلامي مستقل، يضع نفسه في إطار منفتح على كافة الأحزاب والتنظيمات والشرائح العراقية (الإسلامية خاصة) ويعمل في ظل المرجعية الدينية السياسية المتصدية للشأن العراقي باتجاه الاهداف الدائمة والمرحلية، وشعار المجلس الأعلى هو الحرية والاستقلال والعدالة للعراق. وبهذا التعريف لا يكون المجلس الأعلى حالة ائتلافية أو جبهوية أو بديلا عن القوى الإسلامية).

 


لكن وعلى أرض الواقع، ومنذ المؤتمر الأول عام 1987 دب الخلاف بين مكونات المجلس، الذي سعى لطرح نفسه ممثلا وبديلا عن قوى الإسلام السياسي الشيعي وسعى لاحتكار عملية تنسيق العلاقة بين المعارضة الإسلامية والجهات الإيرانية المتعددة سواء كانت مؤسسات الحكومة أو المؤسسات المرتبطة بالولي الفقيه. مما دفع أغلب القوى السياسية الشيعة الداخلة في الائتلاف للانسحاب من مظلة المجلس، وليولد كيان سياسي جديد بهذا الإسم، كانت السيطرة والقيادة فيه لآل الحكيم ممثلة بالسيد محمد باقر الحكيم الذي كان أحد مؤسسي حزب الدعوة، وهو نجل الإمام محسن الحكيم المرجع الأعلى للشيعة في العالم في الستينيات، ومعه في قيادة الجناح العسكري للمجلس أخيه السيد عبد العزيز الحكيم الذي كان يقود قوات عرفت بفيلق بدر والتي كانت تقاتل مع الجيش الإيراني ضد الجيش العراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية.

ولعبت قيادات المجلس الأعلى دورا محوريا في المفاوضات مع الأمريكيين والبريطانيين إبان التهيئة لعمليات اجتياح العراق وإطاحة نظام صدام حسين، كما لعب المجلس الأعلى دورا سياسيا بارزا منذ الأيام الأولى التالية لإطاحة نظام صدام عبر المشاركة في مجلس الحكم، والحكومات المتعاقبة، إلا أن اغتيال زعيم المجلس الأعلى الروحي السيد محمد باقر الحكيم في آب (أغسطس) 2003 بتفجير انتحاري في مدينة النجف نفذه أحد أعضاء تنظيم القاعدة اعتبر مؤشرا خطيرا وفاتحة للاحتراب الطائفي الذي جر له العراق والذي بلغ ذروته عام 2006. وبعد وفاة الزعيم الثاني للمجلس الإسلامي الأعلى السيد عبد العزيز الحكيم عام 2009 إثر اصابته بمرض السرطان، تسنم قيادة الحركة ابنه الشاب السيد عمار الحكيم يحيطه مجموعة من الحرس القديم.
 
وقد خرجت من عباءة المجلس الإسلامي الأعلى بعد 2003 بصورة طبيعة أو بصيغة انشقاق عدد من الحركات، أولها كان انفصال منظمة بدر، الجناح العسكري للمجلس الإسلامي الأعلى التي أصبحت حزبا سياسيا باسم منظمة بدر للإعمار والتنمية، وكذلك ولدت حركة شهيد المحراب التي قادها الشاب عمار الحكيم قبل قيادته للمجلس، لكن الانشقاق الأكبر جاء على يد السيد عمار الحكيم نفسه، الذي استقل عن الحرس القديم لحزبه بإعلانه الانشقاق وتكوين تيار سياسي جديد باسم "تيار الحكمة الوطني" في 24 تموز (يوليو) 2017، ولم تعرف الأسباب الحقيقية للانشقاق الذي حصل، لكن بعض التسريبات تحدثت عن إجراء تحديثات في الآداء السياسي للحزب قام به الزعيم الشاب ولم يوافق عليها الحرس القديم. 

ومازال المجلس الإسلامي الأعلى وتيار الحكمة الوطني يلعبان أدوارا مركزية في العملية السياسية العراقية كممثلين لشريحة مهمة من الإسلام السياسي الشيعي، لكن يمكننا تسجيل نفس الملاحظة التي سجلناها على آداء حزب الدعوة، بعد انتقاله من المعارضة للحكومة، وهي مطاردة ملفات الفساد والشبهات لعدد كبير من رموز المجلس الأعلى وتيار الحكمة ممن هم في سدة المسؤولية أو من المشاركين في البرلمان والحكومة المركزية والحكومات المحلية.

 

إقرأ أيضا: شيعة العراق.. النشأة والمرجعية والمفاهيم التأسيسية

 

إقرأ أيضا: شيعة العراق جزء من جهاد العثمانيين ضد الاحتلال البريطاني

 
إقرأ أيضا: شيعة العراق.. مسيرة حزب الدعوة من المعارضة إلى الحكم


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا