عـاجل
آخر الأخبار

إضراب و"خيبة أمل".. هل تخلى القضاة بالجزائر عن "الاستقلالية"؟

الجزائر- عربي21- محمد سالم الجمعة، 08 نوفمبر 2019 04:22 م بتوقيت غرينتش

عبر نشطاء جزائريون، الجمعة، بعد إعلان انتهاء إضراب القضاة في الجزائر، عن خيبة أملهم، بعد أن كانوا قد راهنوا على أن يتسبب الأمر في بداية فعلية لاستقلالية المؤسسة القضائية نهائيا عن هيمنة السلطة التنفيذية في البلاد.

وبعد نحو أسبوع من الإضراب، أعلن عن اتفاق بين نقابة القضاة ووزارة العدل، تمحور في أغلبه حول تحقيق مطالب مادية تتعلق بزيادات بأثر رجعي في الأجور، وإعادة النظر في حركة التحويلات الأخيرة.

وكانت المفاجأة في كون مطلب استقلالية القضاء الذي رفعته نقابة القضاة كواجهة لصراعها مع وزير العدل الحالي، لم يرد في بيان الاتفاق سوى في سطرين يتم التعهد فيهما باستحداث ورشة لدراسة الموضوع.

وذكر الاتفاق أنه تقرر فتح ورشة عمل تعنى بدراسة كيفيات تكريس مطلب استقلالية القضاء نصا وممارسة، وستضم الورشة كل الجهات المعنية، لإثراء النصوص المرتبطة بالمطلب وإعداد مشاريع بذلك.

وأعاد الاتفاق المياه إلى مجاريها في وقت كان يُنتظر فيه تصعيد موقف القضاة بعد أحداث اقتحام مجلس قضاء وهران، خصوصا مع حديث النقابة في وقت سابق بأنها تطالب بإقالة وزير العدل قبل الحديث عن أي تسوية.

 

اقرأ أيضا: بعد 10 أيام على بدئه.. قضاة الجزائر ينهون إضرابهم

ويسمح موقف القضاة، بمرور الانتخابات الرئاسية دون مشاكل في التنظيم على الأقل، على اعتبار أن الجهاز القضائي ركن أساسي في عملية الإشراف والمراقبة على المستويات المحلية.

ولقي توجه نقابة القضاة، استهجانا من بعض من دعموا إضرابهم بنية إصلاح قطاع العدالة، في حين تعززت قناعة آخرين بصواب موقفهم الرافض للتضامن مع القضاة لأنهم جزء من النظام الحالي.

انقسام داخل القضاء

وبدا القضاة أنفسهم، منقسمين حول هذا الاتفاق، فقد أعرب نادي قضاة الجزائر، عن تفاجؤه بما وصفه بـ"القرار الانفرادي للنقابة الوطنية للقضاة"، الذي يتضمن تعليق الإضراب، مع الاستجابة لبعض المطالب المحدودة التي لا تشكل أولوية لأعضائه، وفق قول بعضهم.

وأوضح نادي القضاة وهو ثاني أكبر تنظيم نقابي في القطاع، أن دعمه للإضراب جاء بناء على قناعة بأن استمراره كان سيؤدي لا محالة إلى إخضاع السلطة التنفيذية، وتحقيق مكاسب كبيرة في معركة استقلالية القضاء.

وأبرز النادي في تصريح لناطقه الرسمي سعد الدين مرزوق، أن الموقف هذا "ينطوي على خذلان لكثير من منتسبيه والقضاة الشرفاء ويمثل صدمة لنخبة من المجتمع الجزائري المتعاطفة مع القضاة، خاصة بعد الأحداث المأساوية والشنيعة التي عرفها محراب القضاء بوهران".
 
وفي تعليقه على الجدل الذي صاحب الاتفاق، قال الكاتب الصحفي نجيب بلحيمر، إن "المسألة لا يجب النظر إليها من زاوية القضاة أنفسهم، فمطلب استقلالية العدالة ينبغي أن يكون مطلبا مجتمعيا متواصلا".

وأبرز بلحيمر في تصريح لـ"عربي 21"، أن "هناك جوانب إيجابية في إضراب القضاة، منها أنه كان مناسبة ليعرف عامة الجزائريين مظاهر هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، تماما مثلما تهيمن على السلطة التشريعية"، وهذه المسألة تتعلق، كما يرى، بغض النظر عمن يوجد في الحكم حاليا، بنظام سياسي لا يقوم على الفصل بين السلطات.

لذلك، أضاف بلحيمر أن "القضية لا يجب النظر إليها بحياد، فمسألة القضاء تعني المجتمع في المقام الأول باعتبار أن هذه المؤسسة هي المكلفة بتطبيق القانون، وهذا يعني أنه يجب النظر إلى المسألة من زاوية تتجاوز محاكمة القضاة كأشخاص، وتتجاوز أيضا الحكم على القرارات التي تصدر عن هؤلاء القضاة".

طريق استقلال القضاء

ويقول المختصون إن تحقق استقلالية القضاء، ينطوي على تفاصيل قانونية تقنية وأخرى عامة تتعلق بطبيعة النظام.

وفي رأي المحامي والناشط السياسي، عمار خبابة، فإن "استقلالية القضاء تتطلب تنصيب آليات ونصوص قانونية وتغيرا في الذهنيات يجعل إمكانية القبول بمساواة الجميع أمام القانون مهما كانت مراتب الأشخاص ومسؤولياتهم".

 

اقرأ أيضا: تقرير حقوقي: اعتداء الأمن الجزائري على القضاة سابقة خطيرة


وفي التفاصيل، ذكر خبابة في تصريح لـ"عربي21"، أنه بالنسبة للآليات فيأتي على رأسها المجلس الأعلى للقضاء الذي يتعين أن يمثل القضاة بحيث هم الذين ينتخبون رئيسه. 

أما من حيث النصوص، فمن الواجب بحسب المتحدث، مراجعة الدستور الذي يجب أن يكرس هذه الاستقلالية نصا وروحا في إطار الفصل بين السلطات والتوازن في الصلاحيات، ثم التدرج إلى مراجعة القانون الأساسي للقضاء وأخلاقيات مهنة القضاء وقانون المحاماة.

لكن كل هذا، وفق خبابة، "لا يكفي"، موضحا أنه "لا بد من وجود وعي بهذه الاستقلالية، تتكرس عبر الإعلام الحر وجمعيات المجتمع المدني، ما يعني أن استقلالية القضاء تتحقق في الأخير في مجتمع تسوده الحرية والديمقراطية وليس في ظل نظام مغلق".

لذلك، لا يتأمل المحامي كثيرا من الورشة التي أعلن عنها في اتفاق النقابة مع الوزارة في ما يخص استقلالية العدالة، "ففي السابق أطلق أيضا مشروع إصلاح العدالة الذي ترأسه البروفيسور يسعد وتشكلت لجنة اشتغلت لمدة أشهر وأعدت تقريرا لا بأس به، لكن وزيري العدل السابقين الطيب بلعيز والطيب لوح، لم ينفذا منه شيئا، ما يعني أن المسألة تتعلق في الأساس بوجود إرادة سياسية"، وفق قوله.

"نقابة القضاة مع الاستقلالية"

وبالعودة إلى فترة حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، قالت القاضية السابقة، زوبيدة عسول إن "التركة كانت ثقيلة على قطاع القضاة بحيث ينبغي إعادة تصور شامل لكيفية عمله".

وأبرزت عسول في تصريح لـ"عربي21"، أنه "في 2013، عاش قطاع القضاء وضعا استثنائيا بسبب مرض الرئيس السابق، إذ كان وزير العدل ينوبه في رئاسة أشغال المجلس الأعلى للقضاء، وترتب عن ذلك، هيمنة واسعة للوزارة على القضاة جعلتها تتحكم في الترقيات والتحويلات والامتيازات عبر معايير الولاء وليس الاستحقاق".

ودافعت عسول بقوة عن النقابة الحالية التي قالت إنها "منذ تخلصها من رموز نظام بوتفليقة، كانت تدعو دائما لمراجعة الإطار القانوني الذي يكبل القاضي ويجعله رهينة للسلطة التنفيذية في حياته المهنية والاجتماعية".

وأضافت رئيسة حزب الاتحاد من أجل الرقي والتغيير، أن "الوضع الحالي يتطلب إعادة النظر في كل شيء بدءا من النصوص القانونية والخريطة القضائية وحتى الفلسفة التي تحكم العمل القضائي".

وتابعت عسول: "قامت مقاربة وزراء العدل السابقين على فكرة الردع عبر بناء مزيد من السجون، فكان آخر تصريح للوزير لوح ابتهاجه ببناء 80 سجنا، في حين تقوم الدول الديمقراطية اليوم على المقاربة الوقائية وإعادة الإدماج وهو ما ينبغي الانتباه له اليوم في الجزائر".


 

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا