آخر الأخبار

الدول الحديثة مطالبة بإدارة التنوع لا استبعاد الدين

عبير فؤاد الأربعاء، 27 نوفمبر 2019 03:24 م بتوقيت غرينتش

الكتاب: العلمانية وحرية الضمير
تأليف: جوسلين ماكلور ـ شارلز تايلور
ترجمة: محمد الرحموني
الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر/2019

في العام 2007، شكلت الحكومة الكندية لجنة استشارية حول التوافقات المتعلقة بالاختلافات الثقافية، بعد أن ثار جدل بين الكنديين حول مكانة الدين في الفضاء العمومي، سيما حول المطالب المتكررة للتكيف (الاستثناء أو الإعفاء) على أساس ديني.

 

بين أعضاء هذه اللجنة كان مؤلفا كتاب "العلمانية وحرية الضمير" أستاذ العلوم السياسية والفلسفة شارلز تايلور وأستاذ الفلسفة بجامعة كيبك جوسلين ماكلور، حيث قاما بتحرير الفصل المتعلق بالعلمانية في التقرير النهائي للجنة. 

وعلى خلاف التقرير الذي جاء مختصرا وركز على الأساسيات وجد المؤلفان الفرصة من خلال الكتاب ليعمقا "البحث في محاور جديدة للموضوع"، ويقدما تصورا للعلمانية، هو الأقرب إلى الواقعية، من وجهة نظرهما، و"تحليلا مفهوميا للمبادئ المكونة (لها)". 

 

الدولة الليبرالية والديمقراطية لا يمكنها أن تكون لا مبالية تجاه بعض المبادئ الأساسية مثل الكرامة الإنسانية وحقوق الفرد أو السيادة الشعبية



ويجادل المؤلفان أنه من المحتم "فهم العلمانية اليوم ضمن إطار واسع يتميز بتنوع المعتقدات والقيم التي يعتنقها المواطنون ويحتكمون إليها"، وأن "احترام مبدأ المساواة الأخلاقية بين أفراد المجتمع وحماية الحق في حرية الضمير والحرية الدينية يشكلان الغايتين الكبريين للعلمانية اليوم. غير أن دلالة مبدأي المساواة في الاحترام وحرية الضمير ومقتضياتهما يمكن أن يفهما بطرق مختلفة". ويتساءلان: "كيف نضمن المساواة في التعامل بين المتدينين وغير المتدينين؟ وهل نعامل "المعتقدات الجدية" الدينية منها والعلمانية مثلما نعامل الميولات الشخصية لبعض الأفراد؟". 

دين مدني

حياد الدولة، أو ضرورة هذا الحياد، تجاه معتقدات المواطنين، وقيمهم، وأنماط حياتهم في المجتمعات الحديثة هو أول المواضيع التي يطرحها الكتاب للنقاش. وهو مطلب لا يفترض وقوف الدولة موقفا سلبيا بالكامل، "ذلك أن الدولة الليبرالية والديمقراطية لا يمكنها أن تكون لا مبالية تجاه بعض المبادئ الأساسية مثل الكرامة الإنسانية وحقوق الفرد أو السيادة الشعبية"، فهذه القيم هي بالذات ما تقوم عليه أسس وغايات هذه الدولة، إنما يفترض أن تلتزم الدولة بالحياد تجاه "التصورات الفلسفية التي تعد المكافئ العلماني للأديان"، تماما كما هو الحال بالنسبة للأديان ذاتها. وإلا فإن "نظاما يستعيض، في التأسيس لأفعاله، عن الدين بفلسفة علمانية شمولية يجعل من أتباع الدين مواطنين من درجة ثانية ما داموا لا يتبنون الخلفيات والقيم التي تتضمنها الفلسفة المعتمدة رسميا". 

ويظهر مثل هذا التوجه غالبا في "البلدان التي تعلمنت بعد صراع محموم مع الديانة السائدة، مثلما حصل مع الكنيسة الكاثوليكية في فترة حكم عائلة بوربون في فرنسا، أو مثلما حصل مع الإسلام زمن الخلافة العثمانية في تركيا". مثل هذه الأنظمة جعلت من العلمانية "دينا مدنيا". لذلك لا بد من التنبيه إلى "ضرورة عدم الخلط بين علمنة النظام السياسي وعلمنة المجتمع"، فالأول يرسخ استقلال الدولة وحياديتها تجاه الدين، في حين يقتضي الثاني "التقليص التدريجي من تأثير الدين في الحياة الاجتماعية وفي سلوك الأفراد... إذا كان من واجب الدولة أن تتعلمن فليس من دورها أن تنشر العلمنة في المجتمع".

العلمانية الجمهورية

تعرّف العلمانية بأنها "الفصل بين الدين والدولة"، أو "حياد الدولة تجاه الأديان"، أو "استبعاد الدين من الفضاء العمومي"، وهي تعريفات تكشف عن جوانب من حقيقة العلمانية لكنها ليست وافية. "ما ينبغي الوعي به أن العلمانية جماع قيم ووسائل.. مترابطة ترابطا متينا يصعب الفصل بينها.. إنها ترتكز على مبدأين كبيرين هما: معاملة المواطنين بنفس القدر من الاحترام، ومنحهم الحق في حرية الضمير، وعلى طريقتين إجرائيتين تتيحان تحقيق المبدأين المذكورين هما: الفصل بين الدين والدولة، وحياد الدولة تجاه الأديان". 

لكن، في بعض الدول التي تتبنى تصورات (متطرفة) للعلمانية، يحدث أن يتم التركيز على الطرق الإجرائية (الوسائل) أكثر من الغايات، فيتم إعطاء الأولوية "للتطبيق الصارم للفصل بين الدين والدولة أو لحياد الدولة على حساب احترام حق الأفراد في حرية الضمير". 

 

لا بد من التنبيه إلى "ضرورة عدم الخلط بين علمنة النظام السياسي وعلمنة المجتمع"، فالأول يرسخ استقلال الدولة وحياديتها تجاه الدين، في حين يقتضي الثاني "التقليص التدريجي من تأثير الدين في الحياة الاجتماعية



يرى المؤلفان أنه بالنظر إلى "الصراعات التي سادت العصر الوسيط وبالنظر إلى أن الحياد تجاه الدين والفصل بين الكنيسة والدولة لم يتحققا فعليا إلا في القرن العشرين، (فإنه) يمكن تفهم هذا التفكير المنصب على الطرق الإجرائية. ولكن هذا التركيز يعسّر عملية إعادة التفكير في العلمانية وفي ارتباطها بالتحديات الجديدة التي تواجهها...". 

إضافة إلى الالتزام المبالغ فيه بالطرق الإجرائية، هناك أسباب أخرى تفسر اتجاه بعض أنظمة الحكم العلماني للتضييق على حرية أداء الشعائر الدينية، إذ تجد هذه الأنظمة نفسها مخولة "بمهمة تحقيق قيمتين تضافان إلى المساواة في الاحترام وحرية الضمير وهما: تحرير الأفراد من سلطان الدين، والإدماج المدني". أي علمنة المجتمع، وهذا هو "الفهم الجمهوري للعلمانية" والذي يمكن رؤيته بوضوح في فرنسا. 

في المقابل تفهم العلمانية الليبرالية ـ التعددية دورها على أنه "نمط في الحوكمة يهدف إلى إقامة التوازن الأمثل بين الحق في المساواة في الاحترام من جهة والحق في حرية الضمير من جهة أخرى". ولا يضير هذه العلمانية الحضور الديني في الفضاء العام، " فهو يسمح باللجوء إلى التكيفات (الإعفاءات) الضرورية التي من شأنها الحفاظ على المساواة أو السماح بحرية أداء الشعائر الدينية في الفضاء العمومي ما دام ذلك لا يمس حق الأفراد في المساواة في الاحترام الأخلاقي".

تجربة الكيبيك

يشير المؤلفان إلى تأثر التجارب العلمانية بالتاريخ والسياقات الاجتماعية التي ظهرت فيها، ما يجعل من شبه المستحيل وجود "نظامي حكم علمانيين يحلان بنفس الطريقة المعضلات المرتبطة بكيفية إدارة التنوع الديني". ويستعرضان في هذا الإطار تجربة الكيبيك في مجال العلمانية، باعتبارها "تجربة براغماتية مفيدة" بخصوص التعايش مع تعددية دينية وأخلاقية في مجتمع متنوع الأصول. ويلفتان هنا إلى أن إحدى السمات الرئيسية لهذه العلمانية أنها "حُددت بطريقة ضمنية.. فقد ساهمت جملة من الأحداث التاريخية والقرارات السياسية والقضائية في تراجع النفوذ السياسي للكنيسة الكاثوليكية، وفي تطور الدولة تدريجيا نحو نظام يحترم حق المواطنين في حرية الضمير والحرية الدينية". 

بدأت مسيرة العلمانية في الكيبك مع إنهاء الإنجليز للنظام الاستعماري الفرنسي في كندا عام 1760، حيث بدأ عمليا الفصل بين الكنيسة والدولة، إذ لم يفرض النظام الملكي البريطاني الكنيسة الإنجيليكانية كنيسة رسمية للبلاد بهدف ضمان استتباب الأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي في منطقة يعيش فيها كنديون ناطقون بالفرنسية وآخرون ناطقون بالإنجليزية، ثم حدد دستور 1867 العلاقة بين الكنيسة والدولة بشكل ضمني عندما لم يضف أي طابع رسمي أو وطني على أية كنيسة. 

بعد ذلك بنحو قرن جاءت "الثورة الهادئة" في الكيبيك في ستينيات القرن العشرين لتسرع من علمنة الدولة،" فالكثير من القطاعات التي ظلت لفترة طويلة تحت مسؤولية الكنيسة، شأن التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، تكفلت بها شيئا فشيئا دولة الرفاه الناشئة". لكن أكثر ما عمق أثر العلمانية في الكيبك كان ترسيخ ثقافة حقوق الفرد عبر الالتزام بمواثيق صدرت تباعا على مدى عقود، ابتداء من الإعلان الكندي للحقوق سنة 1960، التي عملت على "حماية الحقوق والحريات الأساسية، وفي مقدمتها الحق في المساواة أمام القانون والحق في حرية الضمير والحرية الدينية، كما ألغت العديد من الممارسات التمييزية، بما فيها تلك المؤسسة على الدين". 

ومع ذلك لم يتوقف الجدل حول العلمانية في الكيبك، فقد شكل الحوار العام سنة 1994 حول ارتداء الحجاب الإسلامي في المدرسة وتقرير مجموعة العمل حول مكانة الدين في المدرسة أو ما عرف بتقرير برولكس سنة 1999" لحظتين فارقتين" في بناء نموذج من العلمانية "المنفتحة" أو العلمانية الليبرالية المتعددة. 

كانت علمنة المدارس في الكيبيك قد تأخرت كثيرا، فلم يتم النأي بها عن الوصاية الدينية للكاثوليكية والبروتستانتية إلا في العام 1998، "ولذلك شكلت المدرسة محور الجدل الذي كان قائما حول العلمانية.. (وساهم) تنوع أصول المهاجرين والسياق العالمي الراهن الموسوم بالتفاعل بين الثقافات والأديان .. في توسيع نطاق هذا الجدل ليشمل كيفية إدارة العيش المشترك في مجتمع متعدد الثقافات ومتنوع المعتقدات". 

أقرت هذه العلمانية "المنفتحة" ضرورة حياد الدولة، وأن لا تكون القوانين والمؤسسات العمومية في خدمة دين بعينه أو تصور علماني مخصوص، ومع ذلك فهي تقر بأهمية البعد الروحي للوجود لدى الكثير من الأشخاص... هذا التصور للعلمانية هو الذي استند إليه أغلب المعنيين بالموضوع لرفض.. إسداء دروس دينية كاثوليكية أو بروتستانتية في المدارس. واقترحوا كبديل عن إقصاء الدين بشكل كامل من البرامج الدراسية برنامجا يسمح للتلاميذ بتحصيل المعلومات الضرورية التي تمكنهم من فهم تجليات الظاهرة الدينية في الكيبيك وخارجها، ومن تطوير المهارات المطلوبة للعيش المشترك" في مجتمع متنوع الثقافات. 

ورغم أنه لم يحصل إجماع حول موضوع الحجاب فقد كان هناك اتفاق واسع على السماح للطالبات المحجبات بالتواجد في المدارس العمومية بدل طردهن. " لقد انتهى أغلب المشاركين في هذا الجدل إلى أن منع ارتداء الحجاب في المدارس لا يعد انتهاكا لحق المحجبات في المساواة وحرية الضمير وحسب، بل يحرمهن على الأرجح من فرصة لا تعوض للتنشئة الاجتماعية عبر الاحتكاك بشبان ومدرسين من كل الأوساط والأعراق" إنها ـ كما يقول المؤلفان ـ علمانية تسمح للمواطنين بالمجاهرة بمعتقداتهم الدينية ما دام ذلك لا ينتهك حقوق الآخرين وحرياتهم.

مطالب التكيّف

فرضت تركيبة القيم والمعتقدات المتنوعة للمجتمعات المعاصرة خلافات أخلاقية وسياسية، أحدثت انقساما حول العديد من القضايا منها قضية " مشروعية إجراءات التكيف (الإعفاء) التي تهدف إلى السماح لبعض الأفراد بأداء شعائر اعتقادية تخالف معتقدات الأغلبية"، هذه الإجراءات لن تقتصر على أداء الشعائر الدينية، فأصحاب بعض المعتقدات العلمانية مثل النباتية والسلمية والليبرتارية سيكونون أيضا مصدرا لطلبات التكيف هذه. 

يمكن القول بوضوح إنه "ليست كل المعتقدات والاختيارات قادرة على أن تؤسس لمطالب التكيّف، فتلك التي لا تساهم في أن تعطي لحياة الفرد معنى وسبيلا، والتي لا تمكنه من أن يدعي صادقا أن تأديتها تشكل شرط احترامه لذاته، لا يمكنها أن تفضي إلى التزام بالتكيف. وعلى هذا الأساس لا يمكن أن نسوي بين قرار تلميذة مسلمة ارتداء الحجاب في المدرسة واختيار زميلها وضع قبعة على رأسه... هناك اقتناع لدى التلميذة بأنها تؤدي واجبا دينيا.... هي تعتقد صادقة أن نزع الحجاب يعني أنها غير مخلصة لمعتقدها وأن في ذلك طعنا في نزاهتها، وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى زميلها". 

مع ذلك فإن العلمانية الليبرالية التعددية لا تفترض وجود حقوق وحريات فردية مطلقة، حيث يمكن للهيئات القضائية أن تنظر في جدية المعتقد وكذلك في الأثر المحتمل للتكيف المطلوب، ويمكنها رفضه إذا كان يعرقل المؤسسة المعنية عن تحقيق أهدافها، أو ينتهك حقوق الآخرين وحرياتهم، أو يتطلب تكلفة باهظة أو يسبب مخاطر وظيفية حقيقية. 

وخلاصة القول، بحسب تايلور وماكلور، هي أن على المجتمعات المعاصرة أن تطور خبرة أخلاقية وسياسية تسمح لها بإدارة التعددية الأخلاقية والروحية والثقافية إدارة عادلة ومنصفة.. وعلى أصحاب رؤى العالم شأن أتباع الأديان التوحيدية التاريخية الكبرى والأديان الشرقية والتوفيقية الروحية والإلحادية واللادينية..إلخ، أن يتدربوا على التعايش.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا