آخر الأخبار

إسلاميو المغرب: هذا مفهومنا للدولة الإسلامية وهذه أسانيده

بلال التليدي السبت، 11 يناير 2020 03:50 م بتوقيت غرينتش

على الرغم من صعود عدد من قادة الحركات الإسلامية إلى رأس السلطة في العديد من الدول العربية والإسلامية، إلا أنهم لم يتمكنوا من تقديم نماذج ذات خصائص محددة يمكن أن نطلق عليها مصطلح الدولة الإسلامية.

من إيران إلى السودان مرورا بباقي الدول العربية التي تنص أغلب دساتيرها على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، ظل هيكل الدولة الحديثة هو الوعاء الذي اندرجت فيه مختلف الاجتهادات السياسية. 

ومع أن المكتبة الإسلامية تزخر بآلاف الكتب التاريخية التي توثق مختلف مراحل تطور المنطقتين العربية والإسلامية قديما وحديثا، إلا أنها في الجانب الدستوري والقانوني المتصل بالدولة ظلت في أغلبها أقرب إلى الترجمة والنقل من التجربة الغربية منها إلى النحت الإسلامي. كما هيمن عليها الاصطفاف الأيديولوجي الذي قسم المنطقة العربية والإسلامية، بين شق وطني يعتقد بثراء المكتبة الإسلامية وتقدمها عن غيرها من الاجتهادات الفكرية، وبين نخبة تعتقد بأن العلم لا وطن له، وأن التلاقح الفكري والثقافي من أهم أسباب التطور في مختلف المجالات.

ولكن الحاجة إلى مفاهيم وآليات دستورية وقانونية لإدارة الدولة لم تظهر بشكل جلي وواضح، إلا مع ثورات الربيع العربي، التي أعادت صياغة المشهد السياسي بالكامل، وفتحت الباب على مصراعيه أمام مختلف التيارات السياسية الوطنية للبروز وتصدر المشهد، وكان من بينها تيار الإسلام السياسي الذي ظل ينظر للدولة الإسلامية منذ مطلع القرن الماضي.

"عربي21"، وفي سياق متابعتها للحراك الفكري الذي تعرفه المنطقة العربية والإسلامية، تعيد تفتح ملف الدولة الإسلامية كمفهوم وآليات، وتطرحه على قادة المجتمع السياسي والفكري في العالمين العربي والإسلامي. 

وبعد مشاركات من الجزائر وتونس والسودان عن مفهوم الدولة الإسلامية، قدمهما كل من الكاتب والإعلامي الجزائري حسان زهار، والإعلامي والصحفي التونسي الحسين بن عمر، والإعلامي السوداني خالد سعد، يقدم اليوم الكاتب والباحث المغربي بلال التليدي رؤية علماء ومفكري المغرب الأقصى للدولة الإسلامية، ويركز في الجزء الثاني والأخير من تقريره على فهم الإسلاميين المغاربة للدولة الإسلامية، ويشرح ذلك كما يلي:


التأصيل في خدمة التكيف مع الدولة الحديثة القائمة

شكل اجتهاد عبد الإله بنكيران المخرج السلس للحركة الإسلامية المغربية من مطبات ومضايق عانت منها بعض الحركات الإسلامية، فلا هي أنتجت تصورها للدولة الإسلامية، ولا هي رضيت بأن تتكيف مع واقع الدولة وتتجه نحو تطويرها في أبعادها المرجعية والمؤسساتية والوظيفية. 

وبدأت تفتر بشكل مطرد المواجهة التي شكلها التيار المحافظ الرافض لأطروحة أن الدولة الإسلامية قائمة، وأنه ما على الحركة الإسلامية سوى تطوير مضمونها والمساهمة في تعزيز البعد الإصلاحي فيه، وانطلق مسار التأصيل لأطروحة بنكيران، بمحاولة إضفاء بعد أكاديمي وتاريخي عليها.

ويستعرض محمد يتيم في حديثه الخاص بـ "عربي21"، جملة هذه التأصيلات التي تداعت إليها قيادات الحركة الإسلامية منها أن الخلافة الاسلامية أو الدولة ليست مقصدا أساسيا من مقاصد الدين، وأن الدولة ليست سوى الشكل الدستوري أو القانوني الذي يدبر به المسلمون سياسيا وإداريا واقتصاديا علاقاتهم على هذه المستويات، ومنها أن الإسلام هو في الأصل دعوة للإصلاح الفكري والأخلاقي والاجتماعي،  وأن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لا تتضمن أي برنامج لإقامة دولة، بل كانت دعوة دينية ذات مضمون ثقافي وأخلاقي يستهدف بالأساس بناء إنسان جديد، ومنها أن قضية التدبير السياسي هي قضية اجتهادية، وليست أصلا من أصول الدين، بل تدخل في نطاق المصالح المرسلة، ومنها أيضا أن الخلافة الراشدة لم تكن نظاما سياسيا بالمعنى الحديث للنظام السياسي ولمفهوم الدولة بقدر ما هي تدبير للحياة العامة استند إلى درجة كبيرة من الورع والنموذجية الأخلاقية، ومنها أن هذه الهدنة التاريخية التي قادت إلى نوع من الاستقرار السياسي، وسمحت بتحول الدولة الإسلامية التاريخية الناشئة (الدولة الأموية والدولة العباسية والدول الإسلامية المتلاحقة) هو الذي مكن المسلمين للتفرغ للفتوحات ونشر الإسلام وقيمه الإنسانية والأخلاقية في العالم وبناء حضارة مجيدة والاسهام في صياغة ثقافة عدد من شعوب العالم صياغة فيها شخصية مشتركة وسمحت بتعبيرات ثقافية متعددة. 

 



ويرى محمد يتيم أن هذه القراءة التاريخية، قادت الحركة الإسلامية في المغرب إلى تنسيب مفهوم الدولة الإسلامية، اي الدولة النموذجية أو نموذج الخلافة الراشدة، وإعطاء بعد تاريخي لمفهوم الدولة يستحضر بالأساس الوظيفة المطلوبة، منها ويعتبر أن الدولة الحديثة التي هي نتاج للفكر الحديث، يمكن أن تفي بتحقيق مقاصد الإسلام الكبرى في الحرية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية وتسمح لرسالة الإسلام بالانتشار لأنها كدعوة وفكر تزدهر في إطار الحربة والاستقرار أكثر من غيرها. 

ويقيم الدكتور محمد جبرون مراجعات الحركة الإسلامية بالمغرب لهذا الموضوع ويرى في حديث خاص لـ "عربي21"، أن مراجعتها لمفهوم الدولة الإسلامية، تعكس من جهة قدرة هذه الحركة على الاندماج في محيطها السياسي، وتفهمها للخصوصيات التاريخية والسياسية المغربية، وهو ما أتاح لها فرصا أكبر للمشاركة والمساهمة في الحياة السياسية. لأن المرجعيات المنافسة لها والأسيرة للمنظور التاريخي لا تساعد على ذلك، وتعوق كل مسعى للاندماج.

هل قطعت الحركة الإسلامية المغربية مع الرؤية الكلاسيكية للدولة الإسلامية؟


يرى عبد الإله السطي، الباحث المتخصص في الحركة الإسلامية، في حديث خاص بـ "عربي21"، أن تصور الحركة الإسلامية المغربية لمرجعية الدولة، شهد العديد من المراجعات والتطورات منذ ولادة هذه الحركة إلى حدود مشاركتها في قيادة الحكومة المغربية عبر امتدادها السياسي المتمثل في حزب بالعدالة والتنمية، ففي البداية كان تصور الحركة يقوم على منطق رافض ومعادي لمرجعية الدولة، على اعتبار أنها لا تؤسس في بنيتها القانونية والمؤسساتية على مرجعية إسلامية واضحة، وأن دور الحركة هو إعادة إحلال المرجعية الإسلامية. لكن التحولات التنظيمية والفكرية التي شهدتها الحركة مع بداية التسعينيات إلى حدود مشاركتها في تدبير الشأن العام، سيوازيه تحول في تصور الحركة لمرجعية الدولة، التي لم تعد تشكل نقاشا رئيسيا من داخل الحركة على اعتبار أن الدولة الإسلامية قائمة في المغرب، ويجسدها نص الدستور ومرجعية إمارة المؤمنين التي تعتبر الوصي على الشأن الديني في المغرب كما تؤكد أدبيات الحركة والحزب على ذلك.   

 


  
ويعتبر عبد الإله السطي في تقييمه لما انتهى إليه تصور الإسلاميين للدولة أن البيئة السياسية، وأيضا السياق التاريخي والرهانات والتحديات المطروحة أمام المجتمع والدولة في المغرب، هو الذي دفع بالحركة إلى تبني خيارات الدولة المدنية الديمقراطية، ليس في بعدها الإجرائي فقط، ولكن أيضا في بعدها المعياري، وخاصة في مسألة حرية التعبير وحرية المعتقد، والإيمان بالتعددية الفكرية والسياسية. فحينما تحسم قناعة الحركة بشكل كلي مع هذه الخيارات، تصبح مرافعتها ومنافحتها على القضايا الأخلاقية والدينية مسألة مبررة بمرجعية الدولة المغربية الإسلامية كما يقرها النص الدستوري.  
   
وعلى الرغم من هذا التراكم والتطور في رؤية الإسلاميين المغاربة للدولة، فإن الدكتور محمد جبرون يلاحظ وجود نوع من التأرجح في هذا الباب بين تبني مفهوم الدولة الحديثة والارتهان نوعا ما إلى القناعات الكلاسيكية، فالحركة الإسلامية بالرغم من قبولها بالمفهوم العام، وأن الدولة الإسلامية واقع محقق، فإنها عمليا لا زالت لم تجتهد بما يلزم أو على الأقل لم تتبنى الاجتهادات المناسبة التي تسمح لها بالقطع مع التقاليد الحركية الإسلامية كما تتمثلها عدد من الحركات المشرقية، فعلى سبيل المثال لا زال مفهوم الشريعة لديها غامض، وثنائية التشريع الوضعي والإسلامي حاضرة في خطابها.. 

 



ويعتبر الدكتور عبد الإله السطي أن هناك مفارقة بارزة في عمل الإسلاميين ما بين التطور الذي لحق ممارستهم في الميدان، مقابل الخطاب والأدبيات المرجعية للحركة. حيث يستدل من الممارسة السياسية والتنظيمية للحركة تجاوزها لمفاهيم وخطابات المرجعية الإسلامية للحركة الإسلامية، وتجاوزها لمشروع إقامة الدولة الإسلامية، وهو ما يوحي بدخولها لمرحلة ما بعد الإسلام السياسي الكلاسيكي، مقابل بعض الخطابات وبعض الأدبيات التي تروج بين الفينة والأخرى داخل الحركة، والتي نجدها لا زلت وفية لبعض المفاهيم الكلاسيكية. لكنه يعتبر أن تقدمها في مسار الانغماس في العمل السياسي في العمل السياسي الميداني، سيساعدها في التخلص من الرواسب التقليدية لخطابها السياسي.

والواقع أن رؤية الإسلاميين للدولة كما أملتها اعتبارات البيئة السياسية، فرضها أيضا تطلعها إلى المشاركة السياسية، وما يتطلبه من إبداء قدر كبير من التكيف مع مفردات البيئة السياسية، إذ كانت بين خيارين، خيار القطع مع النموذج القائم للدولة، والتنظير لنموذج بديل يستلهم أسسه من الأدبيات الإخوانية المشرقية، أم خيار القبول بالتراكم الذي حصل في بنية الدولة الحديثة في المغرب، والاستفادة من مكتسب الشرعية الدينية فيه، ومحاولة ترصيده، وفتح أفق لتطوير الدولة بناء على ما انتهى إليه بناؤها المؤسساتي والسياسي. 

يرى الدكتور سلمان بنعمان في حديث خاص بـ "عربي21"، أن النقاشات السياسية التي يبديها الإسلاميون في العديد من القضايا السياسية والدستورية، تشير إلى وجود أكثر من فكرة حول تطوير البناء المؤسساتي للدولة، فضلا عن الجواب المرتبطة بإحداث التوازن بين شرعياتها ومرجعاتها (المرجعية الإسلامية والمرجعية الحقوقية واي مرجعية تسمو على ألأخرى بمقتضى الدستور)، كما تثار العديد من الأفكار والرؤى حول العلاقات بين المؤسسات، وأفق تحقيق التوازان بينها، وأحيانا تطرح أفكار أخرى تخص تحصين حيادية مؤسسات الدولة وبعدها عن الاصطفاف السياسي وإفراغ المضمون التمثيلي للديمقراطية، لكن ذلك لا يجتمع ضمن تصور نسقي يدفع به الإسلاميون في شكل رؤية لنموذج 

يطور البناء المؤسساتي والسياسي للدولة..

 



العدالة والتنمية والفهم التصالحي للدولة

يرى الدكتور عبد العالي حامي الدين، أحد القيادات السياسية والأكاديمية داخل حزب العدالة والتنمية، وأستاذ القانون الدستوري، في حديث خاص بـ "عربي21"، أن مفهوم الدولة الإسلامية شكل في الأدبيات الكلاسيكية للحركات الإسلامية محور التفكير السياسي للإسلاميين، وأن هذا المفهوم كان يختزل معاني الدولة التي تتوفر على شرعية دينية تكتسبها أساسا من الاختيار الشوري للأمة ومن تحكيمها لمقتضيات الشريعة الإسلامية (التي كان تختزل في تطبيق نظام الحدود أساسا)، وأن هذه الدولة كانت تتجسد في نظام الخلافة كما استقر في الوعي السياسي للإسلاميين، وقد كان هذا التصور يمثل تناقضا رئيسا مع طبيعة الدولة القائمة في البلدان العربية، وفي المغرب تحديدا. 

ويرى حامي الدين أن تصور الإسلاميين في المغرب خضع لتطورين أساسيين: مرحلة المراجعات النظرية الكبرى التي طور فيها الاسلاميون منظورا متصالحا مع طبيعة الدولة القائمة، والتراجع عن المفهوم الجامد لـ"الدولة الإسلامية" والانتقال إلى مفهوم "مرن" يعتبر بأن أي نموذج سياسي يحقق مقاصد العدل والمساواة والحريّة ويحترم الاختيار الديموقراطي للشعوب (الشورى) فهو نظام متطابق مع مفهوم الدولة الإسلامي، أما المرحلة الثانية، حسب حامي الدين، فهي المرحلة التي اشتبك فيها الإسلاميون مع الواقع السياسي والاجتماعي بشكل مباشر عن طريق المشاركة السياسية، ولاسيما من موقع المسؤولية التدبيرية لقضايا السياسات العامة وهي المرحلة التي مهدت لفهم جديد يعتبر بأن مستلزمات العمل السياسي تقتضي النظر إلى الدولة باعتبارها "كيانا معنويا" يغطي الجميع، وهذا الكيان المعنوي تتمثل وظيفته أساسا في ضمان شروط التعددية والمنافسة السياسية والحرص على ضمان احترام الجميع لثوابت الاجتماع السياسي الوطني، وهي الاجماع على الدين والوحدة الوطنية وطبيعة النظام السياسي واحترام الاختيار الديموقراطي. 

 



ويعتبر حامي الدين أن الدولة بهذا المنظور ليست لها عقيدة سياسية أو إيديولوجية معينة، وإنما هي إطار قانوني ومؤسساتي، يستند على الشرعية القانونية، ويضمن للجميع التمتع بالحقوق والحريات الاساسية كما تضمنتها الوثيقة الدستورية، باعتبارها أسمى قانون في الدولة تمت صياغتها، انطلاقا من توافق وطني عريض وتم إقرارها باستفتاء شعبي يعكس الإرادة العامة للمواطنين والمواطنات.

 

إقرأ أيضا: إسلاميو المغرب أبدعوا مقولة "الدولة الإسلامية قائمة"

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا