آخر الأخبار

"الدستور الإسلامي" ونهاية عصر "البيعة".. نقاش علمي هادئ

الجزائر ـ عربي21 ـ حسان زهار الإثنين، 13 يناير 2020 04:09 م بتوقيت غرينتش

على الرغم من صعود عدد من قادة الحركات الإسلامية إلى رأس السلطة في العديد من الدول العربية والإسلامية، إلا أنهم لم يتمكنوا من تقديم نماذج ذات خصائص محددة يمكن أن نطلق عليها مصطلح الدولة الإسلامية.

من إيران إلى السودان مرورا بباقي الدول العربية التي تنص أغلب دساتيرها على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، ظل هيكل الدولة الحديثة هو الوعاء الذي اندرجت فيه مختلف الاجتهادات السياسية. 

ومع أن المكتبة الإسلامية تزخر بآلاف الكتب التاريخية التي توثق مختلف مراحل تطور المنطقتين العربية والإسلامية قديما وحديثا، إلا أنها في الجانب الدستوري والقانوني المتصل بالدولة ظلت في أغلبها أقرب إلى الترجمة والنقل من التجربة الغربية منها إلى النحت الإسلامي. كما هيمن عليها الاصطفاف الأيديولوجي الذي قسم المنطقة العربية والإسلامية، بين شق وطني يعتقد بثراء المكتبة الإسلامية وتقدمها عن غيرها من الاجتهادات الفكرية، وبين نخبة تعتقد بأن العلم لا وطن له، وأن التلاقح الفكري والثقافي من أهم أسباب التطور في مختلف المجالات.

ولكن الحاجة إلى مفاهيم وآليات دستورية وقانونية لإدارة الدولة لم تظهر بشكل جلي وواضح، إلا مع ثورات الربيع العربي، التي أعادت صياغة المشهد السياسي بالكامل، وفتحت الباب على مصراعيه أمام مختلف التيارات السياسية الوطنية للبروز وتصدر المشهد، وكان من بينها تيار الإسلام السياسي الذي ظل ينظر للدولة الإسلامية منذ مطلع القرن الماضي.

"عربي21"، وفي سياق متابعتها للحراك الفكري الذي تعرفه المنطقة العربية والإسلامية، تعيد تفتح ملف الدولة الإسلامية كمفهوم وآليات، وتطرحه على قادة المجتمع السياسي والفكري في العالمين العربي والإسلامي. 

وبعد مشاركات من الجزائر وتونس والسودان والمغرب عن مفهوم الدولة الإسلامية، ننشر اليوم تقريرا جديدا عن نظرية الحكم في الإسلام.. هل يملك الإسلام تصورا للحكم، بدءا باختيار الرئيس وصولا إلى إدارة الشأن العام في كل مستوياته؟

والبداية بتقرير أعده خصيصا لـ "عربي21" الكاتب والإعلامي الجزائري حسان زهار، وشارك فيه نخبة من المفكرين والسياسيين الجزائريين..

 

من أسباب النكوص الديمقراطي

 
ظلت الأنماط القديمة في الحكم تسيطر على العالم الإسلامي، منذ بداية ظهور النمط النبوي والنمط الخليفي (الزعامي، السلطوي)، ولكن عبر محاولات لتشكيل نسيج مشوه عنهما، مع ما يعني ذلك من سيطرة عناصر محددة، كالذاتية والفردية واللامؤسسية، وأهمية الرجل العظيم، وكذا مع غياب واضح لمنظومة دستورية إن صح التعبير، تكون قادرة على تحديث "صحيفة المدينة" عبر الأزمنة المتعاقبة، تفصل الأحكام الشرعية، إلى غاية الحريات الدينية والعلاقات الدولية.

 

هذا الوضع، كان السبب المباشر اليوم في هكذا حالة من النكوص الديمقراطي، والذي لا يقتصر على الإسلاميين وحدهم، عبر طمس معالم الديمقراطية والشورى، وإنما بات أمرا مشتركا بين الإسلاميين في عالمنا العربي، وكذا القوميين واليساريين على حد سواء، لأسباب تاريخية عقدية وأخرى ذاتية، على الرغم من التفاعل الكبير بين الحضارة العربية والإسلامية والتراث العلمي والفلسفي لليونان والرومان خلال عصر النهضة الإسلامية.

 

إلحاق صفة الإسلامي بالكثير من القضايا والظواهر يحتاج إلى بعض الضبط، باعتبارها قضية شغلت حقولا معرفية في الاجتماع وعلم النفس والإعلام



وبمراجعة الحركات الإسلامية الكبرى في العالم العربي، يتضح أن الديمقراطية لم تكن في أي وقت أولوية، سواء من الناحية الفكرية العقدية، أو من ناحية الممارسة والسلوك، بل إن بعض التيارات الإسلامية المعتدلة جدا، تقبل بالفكرة مؤطرة ومقبولة ضمن الإطار الإسلامي، بينما تذهب الجهات المتطرفة إلى اعتبارها كفرا (نموذج علي بن حاج في التسعينيات)، كونها تربطها مباشرة بالغرب وبالانحلال والإباحية.

كما أن الخلفية التاريخية للمجتمع العربي، وسيطرة عقلية المهدي المنتظر، والافتقار إلى التفكير السياسي الذي يتعامل مع الواقع البشري ولا يفترض الصفات الملائكية في البشر وفي السياسيين، وربط الديمقراطية بالغرب واعتبارها منتجا ثقافيا غربيا استعماريا معاديا لقيمنا، وتعزيز التضارب بين الديمقراطية والإسلام وإظهار الديمقراطية كما لو أنها ضد الإسلام، والتعارض بين حكم الشعب وحكم الله، عبر استثمار أفكار مثل "الحاكمية لله" و"الإسلام هو الحل"، واللعب على وتر المرحلية وعدم استعداد الشعوب العربية حاليا للديمقراطية، لعبت كلها دورا كبيرا في عدم استغلال التراث الإسلامي الحيوي، لتطويره لمواكبة روح العصر، والدليل أننا ما زلنا إلى يومنا هذا، كلما بحثنا عن النظرية الإسلامية في الحكم في ظل فشل الإسلاميين في خلق أو اختراع آلية شفافة لاختيار حكامهم، نعود للنبش في التراث وفي الصيغ القديمة للفقه السياسي العتيق، عبر مفردات "صحيفة المدينة" و"البيعة" أو الشورى، على اعتبار أن ما بعدها صحراء فكرية أوسع من صحراء نجد والحجاز.

صحيفة المدينة.. التنوع والاختلاف

ويعتبر عميد كلية أصول الدين بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الاسلامية بقسنطينة، الأستاذ أحمد عبدلي، أن إلحاق صفة الإسلامي بالكثير من القضايا والظواهر يحتاج إلى بعض الضبط، باعتبارها قضية شغلت حقولا معرفية في الاجتماع وعلم النفس والإعلام، ولذا يرى البعض أن الأصل هو البحث عن توطين القيم الإسمية في ظواهر اجتماعية وإلباسها هذه القيم لتستوعب الاختلافات والتنوعات الأيديولوجية في المجتمع، وعليه فإن الإشكال ليس في دستور إسلامي بقدر ما أن الإشكال في دستور يستوعب ويتضمن منظومة قيم غير متعارضة مع الإسلام ومستمدة من روحه وتفي بأغراض التغيرات التي تطرأ على المجتمع.

 



ويرى الأستاذ أحمد عبدلي في حديثه لـ "عربي21"،أن صحيفة المدينة يعتبرها البعض الدستور الأول المنظم للحياة الإجتماعية، وقد كان مضمونها عبارة عن الأطر الكلية دون التفصيلية الناتجة عن تطور المجتمع، ومن ميزاتها أنها تستوعب التنوع والاختلاف داخل المجتمع المسلم وخارجه، كما يمكن اعتبارها نموذج دستور قابل للتطور ولاستيعاب حركية المجتمع.

أما البيعة فهي آلية من آليات تحقيق شرعية الحاكم تم العمل بها في العهود الإسلامية الأولى، وقد تماشت مع مستوى وطبيعة ذلك الزمان وفق آلياتها، غير أن هذه الاليات الآن بحاجة إلى تطوير في بعض تفاصيلها خصوصا في ظل الثقافة السياسية المبنية على فكرة الاختيار الشعبي في الأنظمة ذات الطابع المدني.

ويعتقد عميد أصول الدين بقسنطينة أن النموذج الأقرب إلى هذه الآلية الإسلامية، هو نموذج الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي تفصل بين العوام والنخب أثناء الاختيار. في حين يرى أن الحاكم في الأنظمة الملكية محدد سلفا وما البيعة إلا إعلان ولاء قسري خالٍ من أي اختيار أو رأي مخالف.

الإسلاميون وغياب ثقافة الدولة
 
وحول فشل الإسلاميين في إيجاد آلية شفافة لاختيار الحاكم، يرى الأستاذ أحمد عبدلي أنه لا يمكن فهم ذلك بعيدا عن فهم الأسباب وأهمها:

أولا ـ إن ما يطرحه الإسلاميون يغلب عليه التنظير المتعالي عن الواقع، أي الأفكار التي لم تستطع أن تلامس حقيقة وتركيبة الواقع الاجتماعي بأثقاله العرقية والأيديولوجية والتاريخية والثقافية، فبعض طروحات الإسلاميين تتضمن إنكارا واضحا لبعض هذه التفاصيل ولربما عدت من بقايا الجاهلية فيما هي فواعل أساسية في الحياة الاجتماعية ولذا يحاول الكثير منهم إجراء مراجعات تسمح باستيعاب الكثير من المتغيرات والمثال التونسي خير دليل.

ثانيا ـ غياب ثقافة الدولة ومتطلباتها ورغم انها هي المسعى النهائي لمشروع الاسلاميين الا انها اجرائيا تبقى مبهمة الى حد ما بسبب الافتقاد الى تجربة عملية في تسيير دواليبها والتعرف عليها في ابعادها الحقيقة.

ثالثا ـ ضعف التكوين خصوصا المزدوج الذي يستوعب الشريعة ويستوعب العلوم الاجتماعية والإنسانية، إذ الملاحظ أن هناك نوع من الشروخ بين المتكونين تكوينا شرعيا يغلبون الخطاب والرؤية الدينية ومساحات وهوامش قبول بعض القضايا الحياتية يضيق أحيانا، وبين المتكونين تكوينا اجتماعيا وإنساينا ويفتقدون إلى أساسيات التكوين الشرعي غالبا ما يعيب عليهم البعض توسعهم حد التميع والإسراف في معالجة القضايا الاجتماعية.


"الدستور الإسلامي" غير موجود

ويرى عز الدين جرافة القيادي السابق في حركة "النهضة" الإسلاميّة الجزائريّة، أن مصطلح الدستور لا وجود له في القرآن الكريم ولا في أدبيات المرجعية الإسلامية قديما... مؤكدا أنه لا يمكن أن نلحق صفة (إسلامي) أو (يهودي) أو (نصراني) أو (بوذي) أو غيره بمصطلح الدستور الذي هو مجموعة من القوانين والمبادئ المنظمة لشؤون بلد معين، وبالتالي فكلمة دستور إسلامي وإن كانت متداولة في بعض الأدبيات غير أنها لا أساس لها.

ويصحح الأستاذ جرافة عز الدين المفهوم بالقول: "إنه إذا كانت تلك القوانين والمبادئ المكونة لهذا الدستور مستندة أو مستمدة من المبادئ الإسلامية فنستطيع أن تقول مجازا بأنه دستور ضمن إطار المبادئ الإسلامية".

 



ونفس الكلام نقوله عن مصطلح الدولة الإسلامية، لأن مصطلح الدولة هو شيء معنوي يتطلب حضور عناصر الدولة المعروفة، ولا يمكن أن نقول دولة إسلامية أو كافرة أو بوذية وإنما نقول نظام سياسي أو قوانين تخالف أحكام الإسلام أو تحل ما حرم الإسلام.

وأشار الأستاذ عز الدين جرافة إلى أن المسلمين اعتبروا وثيقة المدينة التي كتبها للرسول الكريم بأنها بمثابة أول دستور للمسلمين في تلك الفترة لأنها احتوت على قوانين وأحكام نظمت العلاقات في المدينة المنورة بما فيها حقوق الطائفة اليهودية في المدينة... علما أن ما ورد وفي هذه الوثيقة لم يكن وحيا منزلا ولا قرآنا.

وخلص الأستاذ عز الدين جرافة في حديثه لـ "عربي21"، إلى أن موضوع (الببعة) كنموذج لاختيار الحكام كان في ذلك الوقت وسيلة وليست هدفا ولا مبدأ فيما كانت الشورى مبدأ وتكليفا. وربما كانت أفضل وسيلة لتطبيق مبدأ الشورى الوارد في القران الكريم... غير أن الأمور تطورت والبشرية تعلمت وتعرفت على وسائل هي أفضل وأيسر من البيعة المباشرة للحاكم أو لولي الامر... وحتى النماذج الحديثة كالانتخابات مثلا قد تظهر وسائل جديدة أفضل منها وأيسر مستقبلا، وقد تكون أضمن لتحقيق مبدأ الشورى.

"البيعة" فقدت شروطها

بهذا المعنى يعتبر الكاتب العراقي عبد الرحمن الكيناني أن باكستان فشلت في إقرار "دستور إسلامي" وصفه المعارضون بـ "الأصولي المناقض للمبادئ الديمقراطية". كما فشلت اليمن في وضع "دستور إسلامي" رغم ما جاء فيه من "أن الشريعة الإسلامية الغراء وتعاليمها السمحاء هي أساس ومصدر كل التشريعات في ظل الجمهورية اليمنية"، لأنه لم يلغ القرارات والقوانين التي تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية المعتمدة قبل وحدة اليمن عام 1989.

إن الدستور يقول عبد الرحمان الكيناني لـ "عربي21"، هو قانون وضعي "عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم "، لا يرتقي لمنزلة الرسالات السماوية، التي يلتزم الأنبياء والرسل بإبلاغها للبشر "وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى".

 



ولذلك ارتأى الأكاديميون تشبيه صحيفة المدينة بـ "الدستور" في مقاربة لحصرها في مصطلح معاصر، يجردها من مضمونها المجسد لمبادئ رسالة سماوية، لا تخضع للجدال أو الاستفتاء.

ويرى الكيناني أن محمد بن عبد الله ليس حاكما.. والمؤمنون ليسوا محكومين، إنما رسول يطبق نصوص الرسالة، ومؤمنون بما جاء فيها: "هذا كتاب من محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن اتبعهم فلحق بهم وجاهد معهم".

 

ما يطرحه الإسلاميون يغلب عليه التنظير المتعالي عن الواقع، أي الأفكار التي لم تستطع أن تلامس حقيقة وتركيبة الواقع الاجتماعي بأثقاله العرقية والأيديولوجية والتاريخية والثقافية



كما أن صحيفة المدينة المستوحاة من نصوص القرآن الكريم تحمل تعاليم ملزمة، وقد ألغت القواعد العرفية في تنظيم علاقات مكونات المجتمع، وضمنت حرية المعتقد "لكم دينكم ولي ديني".

أما البيعة في رؤية عبد الرحمان الكيناني فهي نظام اجتماعي قديم، فقد شروطه، فهي نتاج لقانون عرفي قبلي، نبذه الخليفة عمر بن الخطاب، واستبدله بنظام الشورى، وشروطها التي أخذ بها في تلك الأزمنة لم تتوفر في ظل المتغيرات المعاصرة التي أرست دعائم مجتمع مدني لا يضع في يد الحاكم سلطتي الدين والدنيا "الإمامة".
  
وخلص إلى أن "الإسلاميين" انضووا في تشكيل سياسي، جعلوا منه بابا للولوج إلى الحياة المدنية التي يضمنها دستور علماني وضعي، فانتزعوا المساحة الأكبر للمناورة، وأقروا وهم الأصوليون مبدأ التعايش أو التحالف مع العلمانية والليبرالية، في إطار ما عرف بـ "مشروع الإسلام الديمقراطي" رغبة في الوصول إلى مركز القرار السياسي الحاكم، الذي يفرض عليهم استبدال العمامة الدينية بقبعة علماني. 

تسميات "توقيفية" لا "توفيقية"

إن المصطلحات الفكرية والاجتهاد برأي الدكتور محمد بغداد/ باحث وأكاديمي جزائري، لا ترتبط بالأديان أو الأيديولوجيات، وإنما ترتبط بالتيارات الفكرية التي تنتجها والظروف التي تأتي في سياقه، ويندرج في هذا الإطار مصطلحات الدستور الإسلامي، والدولة الإسلامية وما إلى ذلك..

إن الأسماء والتسميات في تاريخ المعرفة، ليست مرتبطة بذاتها، وإنما مرتبطة بالظروف المحيطة بها، والسياق المعرفي والثقافي الذي تأتي فيه والعبرة في النهاية بالأهداف المحققة من تلك الإنجازات العلمية التي يتم التوصل إليه وتبقى في النهاية خاضعة لمنطق المراجعة والتعديل والإثراء، حسب ما يتم التوصل إليه من مسيرة المعرفة الإنسانية.

 



ومن هنا يؤكد الدكتور محمد بغداد لـ "عربي21"، أن موضوع التسميات في تاريخ الفكر الإسلامي عموما والسياسي على وجه الخصوص هي تسميات ليست (توقيفية) وإنما هي (توفيقة) خاضعة للاجتهاد البشري، والاجتهاد هو استفراغ الوسع في الوصول إلى تحقيق الخير والصلاح.. وصحيفة المدينة رسالة إنسانية تبرز دعوة الإسلام وحثه للمسلمين والبشرية عامة على ضرورة العمل والاجتهاد على إيجاد الاليات السياسية التي توفر تحقيق معاني الدولة والارتقاء بالمجتمع إلى الارتقاء والتحضر.

فإذا كان المراد من التسمية هو تنظيم المجتمع وتحقيق الأهداف العليا من الدولة وتوضيح العلاقات بين الأفراد والمؤسسات والاعتراف بالتنوع البشري ومصالح الجماعات والكيانات، وتوفير الأجواء المناسبة لنموها وحمايتها ومنح الأمن والاطمئنان للأطراف المشكلة للمجتمع، فلا يضر إلحاق اسم (الدستور) بصحيفة المدينة، أما إذا كان المراد التسمية العلمية المتخصصة باعتبار الموضوع هو إنتاج تطور المعرفة الإنسانية وتراكم الاجتهاد في الفكر السياسي، فهذا أمر آخر.

فشل النخب الإسلامية والعلمانية 

ويعتبر الدكتور بغداد أن البيعة هي أداة من أدوات اختيار الحاكم واعتمدت في فترة من فترات التاريخ الإسلامي، وتم التخلى عنها في مراحل أخرى ولم ينزعج أحد من هذا التذبذب، والبيعة في جانبها الشكلي ليست ركنا مركزيا في الفكر السياسي الإسلامي وإنما معناها المتضمن انتفاء الإكراه والغصب والدكتاتورية وحرمان الناس من حقوقهم الأساسية المتمثلة في اختيار من يحكمهم، كون الإسلام يستنكر الظلم والغصب والتسلط ليس في الحكم والدولة والإدارة وحسب وإنما في الصلاة والعبادة والبيت.

كما أن المعهود في موضوع الجانب الشكلي في البيعة، هو العدد القليل من الناس وفي العصور الحديثة تكاثر العدد وتعقدت الحياة وفرض إيقاعها المتصاعد في التغير حتمية الاجتهاد وضرورة تطوير الفكر السياسي، وليس استعادة المسميات والمصطلحات التي أنتجها جيل من الأجيال عندما اجتهد لنفسه وواجه مشكلاته بنفسه ووفر لها الحلول المناسبة في إطار الأهداف الكبرى للإسلام.
  
ويخلص في النهاية الدكتور بغداد إلى أن مشكلة المنطقة العربية والإسلامية، ليست مرتبطة بالتيار الإسلامي وحده وإنما هي مشكلة كل النخب من مختلف التيارات والأيديولوجيات، فهي فشلت لعدة أسباب وإذا حصرنا الموضوع في الجانب السياسي، فكل النخب لم تفكر بمنطق المجتمع وإنما انحصر تفكيرها وتقوقع سلوكها في منطق الجماعة، وغلبت كفة الأيديولوجيا على كفة العقل، فمنهم من ظل يتجول في العالم ويستورد النماذج واجتهادات الآخرين، وحاول تنفيذها في مجتمعه، بينما عاد الإسلاميون الى التاريخ وحاولوا استحضار الماضي وفي النهاية فشل الجميع.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا