عـاجل
آخر الأخبار

الدولة العربية سجينة الموروث في الفكر السياسي الإسلامي

توفيق المديني الثلاثاء، 11 فبراير 2020 01:34 م بتوقيت غرينتش

الكتاب: الدولة والثورة والحداثة ـ من الاستثناء العربي إلى الخصوصية التونسية
الكاتب: د.عادل اللطيفي 
الناشر: مسكيلياني  للنشر والتوزيع ـ تونس ـ الطبعة الأولى، كانون ثاني (يناير) 2020.
(412 صفحة من القطع الكبير).

إِنَّ رؤية وتحليل طبيعة الدولة العربية يجب أن ينطلقا من سياق نشأتها وتشكلها التاريخي عقب الاجتياح الاستعماري الغربي، وما استتبعه من إعادة رسم التوازنات الدولية الناشئة بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، وتقسيم المنطقة العربية جغرافياً وسياسياً، وخصائصها، التي تختلف عن السيرورات التاريخية لتبلورالدولة البرجوازية في المجتمعات الصناعية الغربية ـ الدولة الأمة، حيث أن هذا الاختلاف الواضح بين نمط الدولة العربية ومثيلتها الغربية، يعود في حقيقته إلى وجود اختلاف جذري على مستوى النشأة التاريخية، ومصادر المشروعية، ومدونة الاصطلاح السياسي.

 

دولة "الملك السياسي"

الدولة العربية الحديثة، لا تعبر عن الدولة ـ الأمة كنموذج غربي بأي معنى من المعاني، سواء منها القطرية التي اختزلت مفهوم الأمة في حدودها القطرية الموروثة من الاستعمار الأوروبي، أو القومية الحديثة التي عبرت عن دائرة انتماء أوسع، وحاولت ربط العرب بإيديولوجية قومية علمانية، ترتكز على مفهوم الوطن الواحد. كما أن هذه الدولة العربية ليست متحداً سياسياً فيه إجماع من قبل الشعب على شرعية النظم السياسية الحاكمة، التي يسيطر عليها حكام ذاتيين متقلبين، وتتسم بانتشار الفساد الواضح على صعيد أعضاء الحكومة والمؤسسات والبيروقراطية الحزبية والبوليسية، وبالانتهاك الصارخ والاعتباطي لحقوق المواطنين وحرياتهم.

لقد تبلورت دولة "الملك السياسي" بوجه خاص، في عهد معاوية ابن أبي سفيان، الذي أعاد تأسيسها تأسيساً جديداً بعد حروب الردة أولاً، ثم حروب الفتوحات الكبرى ثانياً، وتبلور ظاهرة التنوع والتعدد في المجتمع العربي الإسلامي مع ما رافقها من بدء الخلافات الفقهية، وبدء "التأويل " ثالثاً، ولتبلور الحقل السياسي، أو المجال السياسي بوجه عام. 

يقول الدكتور الجابري بهذا الصدد: إذا نحن نظرنا إلى الدولة بوصفها ظاهرة سياسية أولاً وقبل كل شيء، فإِنَّنَا سنجد أنَّ "ملك" معاوية كان فعلاً "دولة السياسة" في الإسلام، الدولة التي ستكون النموذج الذي بقي سائداً إلى اليوم. ونحن عندما نصف "ملك" معاوية بأنه "دولة السياسة" فإِنَّنا لا نقصد بذلك تلك المظاهر التي عرف بها سلوك معاوية، من الدهاء والحلم والقدرة على المفاوضة، ومايعرف بـ "شعرة معاوية" فإِنَّ هذه المظاهر، على أهميتها وإيجابيتها من الناحية السياسية، تبقى مما ينتمي إلى السلوك الشخصي، وليس إلى بنية الدولة. إِنَّنّا نقصد بذلك أن معاوية قد أوجد بالفعل من خلال سلوكه الشخصي كسياسي محنك، وبفعل التطورات الاجتماعية التي حصلت في عهده ما يعبر عنه علماء الاجتماع والسياسة اليوم بـِ "المجال السياسي". 

والحقل السياسي، أو المجال السياسي، يشمل الدولة باعتبارها تعبيراً سياسياً وحقوقياً عن علاقات الإنتاج، ويشمل السلطة والمعارضة في آن معاً، ويشمل كذلك سائر التيارات السياسية والاتجاهات الفكرية التي تغذيها.

إِنَّ طابع الدولة وطابع نظام الحكم يتحدَّدانِ بالعلاقة بين السلطة والمعارضة، تلك العلاقة التي يمكن أنْ تجعل من الدولة إمَّا دولة استبدادية حصرية تقوم على إقصاء المعارضة ونفيها، أو دولة تعددية يجري في مؤسساتها صراع اجتماعي ـ سياسي مفتوح يسمح بتداول السلطة سلمياً.

وهذا الشكل الثاني لم يكن معروفاً بالتاريخ السياسي العربي، لاسيما منذ تولي معاوية السلطة، وتحويله الخلافة إلى ملك عضوض". 

وهكذا انقلبت الخلافة ملكاً لما انغمس العرب في النعيم بكثرة الغنائم والفتوح، أصبحت طبيعة الظروف الجديدة تفرض "الانفراد بالمجد واستئثار الواحدية" وكان ذلك على عهد معاوية. ولذلك فإِنَّ ما حدث في عهد معاوية من مظاهر الملك لم يكن باختياره أو تدبيره، فلم يكن في إمكانه أن يدفع ذلك عن نفسه وقومه، فهو أمر طبيعي ساقته العصبية بطبيعتها. ولو حملهم معاوية على غير تلك الطريقة وخالفهم في الانفراد بالأمر لوقع في افتراق الكلمة التي كان جمعها وتأليفها أهم عليه من أمر ليس وراءه كبير مخالفة .

 

إِنَّ طابع الدولة وطابع نظام الحكم يتحدَّدانِ بالعلاقة بين السلطة والمعارضة، تلك العلاقة التي يمكن أنْ تجعل من الدولة إمَّا دولة استبدادية حصرية تقوم على إقصاء المعارضة ونفيها، أو دولة تعددية يجري في مؤسساتها صراع اجتماعي ـ سياسي مفتوح يسمح بتداول السلطة سلمياً.



لاشك أنَّ معاوية قد حول الخلافة إلى ملك، والملك كما يقول ابن خلدون هو الحكم الطبيعي، حيث "الحاكم بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم"، وأقام الدولة السياسية العقلانية ولكن ينبغي التحرر من إطلاق هذا الحكم، ذلك أنَّ السياسة كانت ماتزال مثقلة بأشكال سياسية ماقبل دولتية، وبعلاقات سياسية ما قبل دولتية.

صحيح أن دولة معاوية تمثل نقلة نوعية لجهة انبثق فيها مجال خاص تمارس فيه السياسة كسياسة، ومشروعه السياسي كانا يدفعان بالمجتمع نحو التقدم، إلا أنَّ بنى المجتمع وطابع الصراعات الاجتماعية والسياسية كانت تَفْرُضُ عليه التَوَسُّلَ بالعلاقات القبلية، والنزاعات مابين القبائل لتحقيق ضرب من التوازن السياسي يضمن توطيد حكمه. فقد استقوى مثلاً بقبائل الجنوب ليعوض أو يتلافى انفضاض بعض قبائل الشمال عن حكمه، واصطفافها خلف المعارضة السياسية. 

 

انتصار أهل الجزاء على أهل الاجتهاد

لقد تغير الوضع تماماً مع الدولة الأموية. وكان انتصار معاوية على علي يمثل، حسب تعبيره هو، انتصارًا لـ "أهل الجزاء.. والغناء" في الأعمال والوظائف "على أهل الاجتهاد، والجهل بها". وباصطلاحنا الخاص لقد  انتصرت "القبيلة" على" العقيدة": في القمة انتصر مروان بن الحكم على عمار بن ياسر (بوصفهما رمزين) وفي القاعدة انتصرت "قريش" على "السبئية". وهكذا حكم معاوية باسم "القبيلة" وليس باسم "العقيدة" فانفصل في شخصه "الأمير عن العالم"، وامتد ذلك إلى أجهزة الدولة فصار "الأمراء" فريقاً و"العلماء" فريقاً آخر.
 
هذا في القمة، أما القاعدة التي كانت تؤطرها القبيلة "فقد انقسمت زمن الفتنة إلى معسكرين: معسكر قريش، ومعسكر "العرب" (من اليمن وربيعة) وعلى رأسه علي، وبينهما أفراد وجماعات قررت اعتزال الفتنة. وبانتصار معاوية صارت القبائل التي قاتلت معه وانضمت إليه هي وحدها" الجند " وقد بلغ تعدادها ستين ألفا، أما المجموعات التي قاتلت ضده، فقد أصبحت هي والتي كانت متمردته أو معتزلة، أصبحت " رعية" وهكذا انقسمت القاعدة " بدورها إلى جند ورعيته".

يقول الكاتب عادل اللطيفي: "الواقع  أنَّهُ لا توجد نظرية إسلامية في الدولة. فقد نشأ الفكر السياسي في خضم انبعاث العرب في التاريخ كقوّة دفع بفعل النبوّة والوحي وما صاحب ذلك من تغيّرات سياسية عميقة في ظرف زمني وجيز.لقد تحوَّل العرب من اللاّدولة إلى الإمبراطورية بعد تجربة وجيزة لدولة المدينة... هكذا ظهرت، ومن رحم ازدحام هذه الأحداث المؤسسة وفي نفس الوقت تقريبًا، تقاليد الأخبار و علم الكلام أو اللاهوت و الفكر السياسي.هو خليط سيعيق في ما بعد ظهور فضاء سياسي مستقل عن الدين وعلومه. وكنتيجة لهذا السياق التأسيسي قامت مختلف النظريات السياسية في الإسلام على اعتبار أساس الحكم الإسلامي مقدسا يستند إلى الشرع وتطبيق أحكامه.لم يطرح السؤال حول وجود الدولة كما لم تكن السياسة بصفة عامة مَعْرِفَةً مستقلةً عن مختلف علوم الدين و خاصة الفقه (ص 66 من الكتاب).

صدمة الحداثة الغربية للعالم العربي والإسلامي 

مع هذه الوضعية بسقوط المعتزلة، بدأت سيرورة انهيار الامبراطوريات العربية الإسلامية والانحطاط، التي طالت مختلف نواحي الحياة، واستمرت نحو ألف عام أو ينوف، فانفجر بذلك  المجتمع المدني من داخله، وتحول إلى بنى اجتماعية منغلقة على ذاتها، ومتحاجزة مع سواها. ومع بداية تفكك الامبراطورية العثمانية متعددة القوميات، وظهور المسألة الشرقية على مسرح الصراع والمواجهات المتعددة الأقطاب بين الدول الأوروبية العظمى من جهة، والأمة التركية والأمم التي كانت تحت حكمها من جهة أخرى، أيقظت مدافع نابليون المجتمع العربي الإسلامي على قوة غازية، وحضارية جديدة ومجتمع  حديث.

 

كانت الامبراطورية العثمانية في هذا الصراع من أجل السيادة العالمية الورقة الرابحة الرئيسية التي يعزم نابليون على انتزاعها من أيدي الإنكليز



ولا شك أن حملة نابليون على مصر (1798 ـ 1801) باعتبارها أكثر الأقطار العربية تقدماً، حيث كانت مهيأة أكثر من سواها لخوض الصراع ضد الإقطاعية، كانت تدخل في نطاق المنافسات والصراع الدولي المحتدم، على مراكز القوة في الشرق فيما بين الدول الأوروبية الحديثة، وبخاصة منها البريطانية والفرنسية، الساعية، دوماً وراء التوازن وإعادة التوازن، ومن أجل السيادة العالمية.

وكانت الامبراطورية العثمانية في هذا الصراع من أجل السيادة العالمية الورقة الرابحة الرئيسية التي يعزم نابليون على انتزاعها من أيدي الإنكليز. ببعد النظر الذي كان يتصف به قرر نابليون فتح مصر بالدرجة الأولى، إذ كانت إحدى ممتلكات السلطان الأكثر تطوراً وغنى. فواجه المجتمع العربي المتخلف الصدمة الكولونيالية التي قادها نابليون وهو في حالة تخثر، وهو الأمر الذي جعل نابليون يقدم خطاباً ديماغوجياً ومخادعاً، متذرعاً باحتلال مصر من أنه للاقتصاص من المماليك، ومقدماً نفسه على أنه صديق للسلطان التركي. 

وفي حالة التخثر هذه للمجتمع العربي واجه الصدمة الكولونيالية القائمة على الحضارة الصناعية الغربية، وعلى الحداثة المرتبطة جدلياً بالعقلانية الغربية، اللتين اصبحتا العماد الأساس للمركزية الأوروبية، التي تصبو إلى الهيمنة على الحضارات الأخرى، وحشد وإقحام الشعوب المتمايزة في أنماط عيشها، وثقافتها، وحضارتها المختلفة في بوتقة الاستعمار الغربي، باسم أيديولوجية حداثة المركزية الأوروبية هذه، ومستتبعاتها من فكرة التقدم والتنمية، باعتبارها السمة الجوهرية للعقلانية الغربية، "فتبدو كأنها كونية عالمية، أو قل "علمية" بما أنها تقنية، صالحة لكل زمان ومكان". 

وعلى قاعدة الهيمنة هذه في اتجاه سيطرة الحضارة الصناعية الرأسمالية على الصعيد الكوني، احتدم الصراع التنافسي بين الدول الأوروبية الكبرى، وتحديداً بين فرنسا وبريطانيا، لتقطيع أوصال الامبراطورية العثمانية عبر الفتوحات الاستعمارية للوطن العربي، وما استتبعها من مقتضيات التوازن الأوروبي، وما استدعاها من تقلبات في التحالفات، حيث ان الصراع مقاصده تتمثل في المزاحمات الاقتصادية لتوسيع الممتلكات الكولونيالية بين الدول الأوروبية باسم الايديولوجيات الحديثة الكبرى المؤسسة على الليبريالية، والقومية، وعلى تسارع الإنجازات المادية والتقدم التقني، و"تأورب" العالم.

وبالمقابل، كان فساد النظام الاقطاعي المستبد داخل السلطنة العثمانية، وانحطاطه، قد قاد إلى تدهور الزراعة، وإلى سيادة الفوضى الشاملة خلال العهود الأخيرة من حكم المماليك والأمراء في مصر، وفي غيرها من الولايات المتحدة العثمانية، نتاج جشع الولاة وعبثهم. وهو الوضع الذي أدى إلى ضعف السلطنة العثمانية حيال تنمية الرأسمالية الأوروبية، حيث كانت الدول الاستعمارية تطمح للسيطرة على قطاعات استخراج الخامات التي تمد الآلة الصناعية الرأسمالية بحاجاتها، وذلك باقتطاع هذه الولايات من السلطنة العثمانية.

 

إقرأ أيضا: الدولة القومية في الغرب انبنت على فكرة الأمة

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا