أخبار ثقافية

بانكسي.. كيف تسخر من الجميع؟

بانكسي لا تعرف بعد هويته الحقيقية بشكل رسمي- جيتي
بانكسي لا تعرف بعد هويته الحقيقية بشكل رسمي- جيتي

هل يمكن أن يكون الفنان مشهورا ومجهولا في آن معا؟ ربما يكون بانكسي مثلا مدهشا لذلك التناقض. لا أحد يعرف هوية رسام الجرافيتي (فن الرسم على الحوائط) الشهير. حتى اسمه الذائع "بانكسي" هو مجرد اسم مستعار. وبلغت شهرته أَنْ أُجرِيَت أبحاث استقصائية مستفيضة على أمل كشف هويته. 


لعل ذلك أحد مكونات "الخلطة" السحرية لبانكسي.


المعلومات المؤكدة عنه أنه رسّام بريطاني، من مواليد مدينة بريستول، قبل أن ينتقل إلى لندن. وتنتشر أعماله عبر جدران العالم. يعتبر الآن رسام الجرافيتي الأهم عالميا.


ثمة من يعتقد أن بانكسي مظلة يبدع تحتها فريق من الفنانين. يؤيد ذلك سرعة تحركه من دولة لأخرى، منها مثلا: بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وجامايكا وأستراليا وفلسطين وكندا. يلاحق بانكسي جدران العالم، لاهثا وراء الأحداث والأزمات السياسية.

 

اقرأ أيضا: بانكسي يعرض في بيت لحم مغارة عيد ميلاد محاطة بجدار

 

إزاء تلك النظرية يراه آخرون إنسانا واحدا، مستدلِّين بأن رسوماته ذات بصمة إبداعية حادة متكررة ومتفردة أيضا، بحيث لا تنتمي إلى فريق من الفنانين. لكن ما المانع من أن يكون الرأس المفكر واحدا بينما منفذوه مختلفون؟ تبدو أفكار رسوماته صادرة عن ذهن واحد، هذا منطقي، أما تنفيذ الفكرة في لوحة مرسومة، فهذا يمكن تنفيذه جماعيا.


يبدو أن هذا الغموض يفتن الناس بلوحاته. هو جزء من عملية تسويقه، ربما لم يقصد إليه من البداية، فقد اختار أن يظل مجهولا حتى من قبل أن يذيع صيته، كأنه يخطط لمستقبله الفني. فالطبيعي أن يتحرك أي فنان ناشئ خلال وسط فني واسع الأطياف، بحيث لا يمكنه أن يظل مجهولا بعد ذلك؛ لا بد أن يتعرف إليه أحد زملائه القدامى.


بانكسي كان ذا رؤية واضحة، منذ خطواته الأولى.


بيعت بعض لوحاته بملايين الدولارات، وعبر أهم صالات المزادات العالمية. وأصبح له معجبون من المشاهير يقتنون لوحاته، مثل: براد بيت، وأنجلينا جولي. من الطريف أن بعض لوحاته كانت تُنتَزع من الجدران وتُباع بأسعار باهظة دون أن يربح شيئا منها. 


كيف حقق ذلك، من مخبأه، بينما يكافح آلاف الفنانين حول العالم، حتى يبيعوا لوحاتهم ببضعة آلاف من الدولارات؟


بغض النظر عن الأبحاث الكثيرة التي اقتفت أثره لتكشف هويته، فقد حدد الباحثون قائمة قصيرة من الأشخاص، أهمهم فنان من مواليد سنة 1973، وآخر من مواليد 1974، من أبناء مدينة بريستول التي بدأ بجدرانها، ثم انتقل إلى لندن.


بدأ رسم الجرافيتي في بريستول، في تسعينيات القرن الماضي. حكى ضمن لقاء مع إحدى المجلات، أنه التقى بصبي لُقِّب بـ "3D"، من نيويورك، وكان أول من أدخل بخّاخ الرسم إلى مدينة بريستول الصغيرة. لا أحد يعرف الآن ذلك الملهم القديم الذي فتح عينيْ بانكسي على روعة فن الجرافيتي.

 

اقرأ أيضا: لوحة بانكسي تمزق نفسها لحظة بيعها بـ1.37 مليون دولار (شاهد)

من البداية، ارتبط الرسم في ذهن بانكسي بالمغامرة والإثارة. كان الرسم على الجدران جريمة وتشويها لممتلكات الآخرين. كان رسّاموه مجرد صبية مستهترين ومخربين، تطاردهم الشرطة. وقد وقع في قبضة الشرطة أحد أصدقاء بانكسي من شركاء مغامراته، لكن بانكسي كان خبيرا في الإفلات من الشرطة. ساعده ذلك على أن يظل متخفيا حتى الآن، بلا سجلٍّ في وثائق الشرطة.


ربما يكون لإصراره وإيمانه بما يرسم دور كبير في ذيوع شهرته، وانتصاره في تحويل الجرافيتي من جريمة إلى فن عالمي، وسلاح ثوري يرفعه أهل الحرية في وجه القمع. ثابر بانكسي سنوات طويلة، مدافعا عن الحرية، منددا بالحروب والعنف وقيم الاستهلاك وإهدار حقوق الأطفال، متضامنا مع اللاجئين والشعوب المستضعفة في شتى دول العالم.


فاجأ الجميع بالتسلل إلى غزة المحاصرة سنة 2015، حيث رسم على جدرانها المتهدمة لوحات تضامنية. وكان قبلها بعشر سنوات قد رسم لوحات أخرى على جدار الفصل العنصري. ترك لوحاته أيضا في مخيم كاليه للاجئين، وكان أبرزها رسمة ستيف جوبز مؤسس شركة أبل الشهيرة، المنحدر من أصول سورية. أراد أن يذكر الجميع أن اللاجئين بشر مثلنا، ينبغ بعضهم ويضيفون الكثير للمجتمعات التي تتقبلهم. وفي سنة 2002 رسم جرافيتي للملكة إليزابيث على صورة شمبانزي، في صيحة اعتراض منه ضد الملكية الرئيسية التي لا تزال قائمة في القارة العجوز، رغم أن معظم شعوب القارة نفض غبار الملكية.


يرسم بانكسي ليلا، وفي أماكن غير متوقعة، ليس حرصا على تخفيه فحسب، بل لأنه يحب مفاجأة جمهوره. وكان، في البداية، يرسم يدويا على الجدران، لكن مع ذيوع شهرته وزيادة الرغبة في البحث عنه، بدأ يرسم بطريقة الاستنسل، بأن يملأ بالألوان لوحاتٍ تم تفريغها مسبقا لهذا الغرض، فذلك يساعده على لصق لوحته على الجدران بسرعة، لأنه ينجز تلوين اللوحة قبل تعليقها.


يعتمد على مفاجأة جمهوره بأفكار خارج أية توقعات، ففي غزة مثلا حيث حل الدمار على يد الكيان الصهيوني، رسم بانكسي قطة تلهو بكرة من الصوف، لكنه لم يرسم كرة، فقد كان أمام الجدار كتلة كروية من الأسلاك، التي كانت جزءا من بنيان مبنى دمّره القصف الإسرائيلي، فاكتفى بانكسي برسم القطة بينما تمد يدها نحو تلك الكتلة التي تشبه كرة الصوف في الشكل فقط. يجعل بانكسي من مفردات التدمير والقصف والقمع رمزا للهشاشة، كخيوط الصوف التي تلهو بها القطط.


على نحو ما، يحرص بانكسي على السخرية من القوة الفاتكة، يعريها ويفضحها، حتى لوحة الموناليزا التي طالما اعتبرت رمزا لعصر النهضة الأوروبي، رسمها بانكسي حاملة مدفعا يدويا. يقول الرجل بوضوح إن الحضارة الغربية تقتل بلا رحمة.


الطريف أن ذلك تحديدا مكمن سحره. فلوحته التي رسم فيها أعضاء مجلس اللوردات البريطاني في هيئة قردة شمبانزي، بيعت بـ 12.2 مليون دولار، رغم أن صالة المزاد كانت قد قدّرت سعرها بـ 2.5 مليون دولار كحد أقصى. 


كما شغل العالم بلوحته التي بيعت بأكثر من مليون جنيه إسترليني في مزاد علني بصالة "سوذبيز" بلندن. وفور الإعلان عن بيعها تمزقت اللوحة دون أن يلمسها أحد، فقد خبّأ فيها بانكسي آلةً صغيرة لتقطيع الورق داخل إطارها، على نحو غير مرئي. يسخر الرجل حتى من الزبائن الذين يدفعون الملايين لشراء لوحاته.


وإمعانا في السخرية، نشر بانكسي على حسابه في إنستجرام مقطع فيديو لتركيب آلة تقطيع الورق المخبّأة في إطار اللوحة، مقتبسا مقولة بيكاسو: "التوق إلى التدمير هو أيضاً توق إبداعي".
ربما يكون بذلك، المجرم الوحيد الذي نشر فيديو لكيفية إعداد جريمته.

مصادر:

 

(1)

 

(2)

 

(3)

 

(4)

 

(5)

 

(6)

 

(7)

التعليقات (3)
morad alamdar
الأحد، 23-02-2020 12:41 م
يقول بيكاسو : كل طفل فنان ، المشكلة هي كيف يظل فناناً عندما يكبر . الفنانون الفطريون استطاعوا بشكل ما أن يظلوا أطفالاً فنانين ، فنُّهم يعكس تلك الطفولية الساذجة في التصور و التصوير : مناظر من الحياة اليومية و الشخصية للفنان ، خطوط واضحة و بسيطة ، ألوان براقة ، اهتمام كبير بتسجيل التفاصيل .
morad alamdar
الأحد، 23-02-2020 12:23 م
جائزة نوبل في الأدب ، هل منحت لمجهول أم أصابتها محنة السياسة ؟ شغلت الأوساط الأدبية و السياسية في فرنسا بحدث هام فريد ، هو منح جائزة نوبل في الأدب لعام 1984 إلى الشاعر التشيكي ، ياروسلاف سيفيرت . فقد قررت الأكاديمية السويدية في استكهولم ، يوم الحادي عشر من تشرين / أكتوبر ، منحه هذه الجائزة تقديراً لشعره الذي استطاع ( بما فيه من مشاعر ملتهبة و غنى في الابتكار ، أن يمنح الإنسانية المتعددة و التي لا تذل ، صورة محررة ) . و هذه هي المرة الأولى التي ينال فيها هذه الجائزة كاتب تشكي . و على الرغم من أن الكثيرين خارج تشيكوسلوفاكيا لا يعرفون الشيء الكثير عن هذا الشاعر لاسيما أن شعره لم يترجم منه إلى اللغة الفرنسية أو الانجليزية إلا القليل فإن النقاد يجمعون على أنه أكبر شاعر تشيكي ، و من هنا نعجب حين نجد بعض النقاد في الصحف الفرنسية يحملون على منح هذه الجائزة له ، زاعمين أنها منحت ( لشاعر مجهول ) .
morad alamdar
الأحد، 23-02-2020 11:28 ص
من الصعب أن نصدر حكماً . لأن كل شيء في أيامنا هذه يخلتف . و لكن ما أعتقده هو أن على كل فنان و كل شاعر أن ينمي أفكاره . فسيكون هناك دائماً الكثير من اتباع الفن الحقيقي . و لهذا السبب فإن هؤلاء يبدون غرباء و سيظلون مجهولين دوماً . لكن لا شك أنهم ينتمون إلى المستقبل .