آخر الأخبار

التلقي العربي للسانيات وأثر دي سوسير في البحث اللغوي (2من2)

أحمد القاسمي الخميس، 19 مارس 2020 02:33 م بتوقيت غرينتش

الكتاب: أثر فردينان دي سوسير في البحث اللغوي العربي، التلقي العربي للسانيات.
المؤلف: حسين السوداني
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
الطبعة الأولى بيروت، تشرين الثاني/ نوفمبر 2019.
344 صفحة.

استثمار لسانيات سوسير: ترجمة وتأسيسا للسانيات عربية وتعميقا للنقد الأدبي 

مثل الشطر الثاني من "أثر فردينان دي سوسير في البحث اللغوي العربي، التلقي العربي للسانيات" عرضا لتحوّل تلقي العرب للسانيات سوسير من التعامل الانفعالي انبهارا أو رفضا وريبة إلى التعامل الراشد تمثلا واستثمارا وإنتاجا للمعرفة. ولم يخل هذا الطور الثاني الذي يمتد من بداية الثمانينات إلى اليوم،من معضلات تتجاوز تلقيهم لمنجز سوسير إلى طبيعة علاقتهم بالمعرفة الحديثة وطبيعة تصوراتهم للوجود وشكل إقامتهم فيه اليوم.

1 ـ من اكتشاف اللسانيات إلى محاولات تمثلها: دور لسانيي المغرب الكبير

ظل الاطلاع على التراث السوسيري مقصورًا حتى مطلع الستينيات من القرن العشرين على المشرق العربي للأسباب الموضوعية التي ذكرناها في الحلقة الأولى. وظل استحضار باحثيه لسوسير يحدد بقدر حاجتهم إلى مقولاته في أعمالهم التطبيقية خاصة. ولذلك لم يقدموا لسانياته تقديمًا متسقًا يستوفي النظرية في مختلف أبعادها وتفريعاتها التجريدية. واقتصروا في تعريفها على كونها علما يدرس اللغة في ذاتها ولذاتها، دون محاولة الوقوف عند مصادراتها أو خلفياتها أو عند عمقها المنهجي والمفاهيمي. 

ولكن بداية من السبعينات ستتغير معطيات كثيرة. فقد تضافر معطيان يسّرا تحقق وعي أعمق باللسانيات السوسيرية. تمثّل المعطى الأول منهما في بداية اطّلاع اللغويين العرب على الاتجاهات اللسانية الانكلوسكسونية، ولاسيما الاتجاه التوليدي التحويلي الذي تأسس انطلاقًا من نقد الاتجاه الوصفي مثل توزيعية بلومفيلد، وتوليدية تشومسكي التحويلية. فانبرى اللغويون يعقدون المقارنات بين المقومات النظرية للسانيات السوسيرية والأسس المنهجية للاتجاهات اللسانية اللاحقة، خصوصًا التوليدية التحويلية منها، وهذا ما أسهم بشكل ما في توضيح بعض الخصائص التمييزية للتوجه السوسيري وتحقيق نقلة نوعية في وعي اللغويين به عرضًا ودراسة واستثمارًا.

 

تضافرت المعرفة اللسانية مع عديد الحقول المعرفية المجاورة. ونشأ من تفاعلها مع النقد الأدبي المبحث الأسلوبي وتطورت مناهج تحليل القص والشعر في آن منذ أواخر السبعينيات من القرن العشرين متفاعلة مع فتوحات في الدرس الأدبي تحققت في الغرب.



أما المعطى الثاني فكان على صلة بنشأة الجامعات في البلدان المغاربية بعد أن حققت استقلالها، وبظهور بواكير البحث اللساني فيها. فقد شكلت حلقة تعمل على وصل الحاضر بالماضي، وأنيطت بعهدتها مسؤولية اكتشاف ما لمُ يكتشف من ذلك التراث. وتزامنت عودة الجيل الأول من الدارسين في فرنسا مع الحاجة إلى تشييد كليات آداب منفتحة على معارف معاصرة. فانفتحت الأبواب أمام اللغويين في المغرب ليطّلعوا على آراء سوسير اطّلاعًا مباشرا وليجعلوها في مقدمة الدرس اللغوي. وأسهمت مراكز البحث في هذا المجهود اللساني الجامعي. فرصدوا المعمار المفاهيمي والمنهجي للنظرية. كذا كان الشأن عند أحمد الأخضر غزال في المغرب وعند عبد الرحمن الحاج صالح في الجزائر وعند صالح القرمادي في تونس. 

فقد كان هؤلاء المبشرين الأوائل بهذا العلم دون أن تصدّهم أعراف منهجية حيال الرؤية السوسيرية. فـ" تقرر لسوسير موقع راسخ ضمن البحوث اللغوية في المغرب العربي منذ مطلع الستينيات، رغم حداثة سن المعرفة اللسانية هناك". ثم تجاوزوا تقديم آرائه إلى محاورتها. وتجلى ذلك عند الحاج صالح من خلال بحثه في درجة جدة مفاهيمها مقارنة بمنجز العلماء في أواخر القرن التاسع عشر، وعمل القرمادي على الكشف عن تناقضات النظرية وعن تداخل حدودها المفاهيمية.
 
وفضلا عن بحث هؤلاء الدارسين في اللغة في ذاتها ولذاتها، ظهر لديهم وعي فلسفي بمدى نجاعة المنهج الذي تقترحه النظرية السوسيرية، منذ أن نشر العالم الانتروبولوجي ستروس كتابه "التحليل البنيوي في اللسانيات والانتروبولوجيا". فتضافرت المعرفة اللسانية مع عديد الحقول المعرفية المجاورة. ونشأ من تفاعلها مع النقد الأدبي المبحث الأسلوبي وتطورت مناهج تحليل القص والشعر في آن منذ أواخر السبعينيات من القرن العشرين متفاعلة مع فتوحات في الدرس الأدبي تحققت في الغرب.
 
2 ـ تبلور الوعي باللسانيات السوسيرية، تقديمها تقديمًا متّسقًا 

يرصد الباحث في الفصل الخامس تطور المعارف اللسانية في الدراسات اللغوية العربية حتى مطلع الثمانينيات. فيلاحظ ما يعبّر عنه بالنسق التصاعدي في وعي اللغويين بأهمية البحث اللساني على المستويين النظري والتطبيقي ويحاول تصنيف هذه المعارف بردها إلى ثلاثة اتجاهات. فيرصد في أولها موقع النظرية السوسيرية في سيرورة البحث اللساني الحديث ويقدّر أن التعامل النظري مع اللسانيات السوسيرية رصد جهازها المفاهيمي ووزّع المفاهيم وفق ثنائيات نحو الآنية والزمانية، أو ثواليث نحو اللغة واللسان والكلام. 

ويتمثل ثاني الاتجاهات في مراجعة التراث اللغوي العربي في ضوء هذه اللسانيات. فتدعم المنحى الوصفي للدراسات بآخر يناظر أصحابه بين اللغويات العربية القديمة واللسانيات الحديثة. وانتقلوا من تقديم النظرية السوسيرية مقترنة بصاحبها إلى استبطانها خلفية مرجعية لمقولات مثل الوصفية والعلمية والآنية. ومع ذلك يسجل الباحث غياب عمل يقدّم اللسانيات السوسيرية تقديمًا شاملا وغياب ترجمة للكتاب حتى هذه الفترة يفيد منها من لا يتقن غير اللغة العربية. 

ويتم في ثالثها تخصيص كتاب لعرض نظرية سوسير. ولكن ذلك كان يتم عبر محاكاة بنية " cours de linguistique générale " أو عبر تقديمه آرائه وفق ثنائيات يتضافر طرفاها أو إعادة بنائها وفق معمار هرمي متماسك قاعدته مفهوم النظام وقمته التطلع لعلم السيميولوجيا الذي يدرس حياة العلامات في سياقها الاجتماعي. ولا يغفل الباحث وجها آخر من حضور اللسانيات السوسيرية في ثمانينات القرن الماضي هي التطبيق على النصوص الأدبية في الدروس الجامعية.

3 ـ ترجمة دروس فاردينون دي سوسير وإشكالية المصطلح اللساني

يخصص الباحث الفصل السادس ليعرض ما تثيره ترجمة دروس فردينان دي سوسير من إشكالات.  فمعلوم أن هذا الكتاب ترجم في ثمانينات القرن الماضي في خمس ترجمات خلال السنوات 1984 ـ 1987. فظهرت الترجمة السورية عن الفرنسية سنة 1984 وأمنها كل من يوسف غازي ومجيد نصر وجاءت بعنوان "محاضرات في الألسنية العامة" وترجمها عن الإنكليزية الفلسطيني أحمد عبد النعيم الكراعين سنة 1985 وجعلها بعنوان "فصول في علم الكلام العام". 

وتعاون كل من صالح القرمادي ومحمد الشاوش ومحمد عجينة 1985 لتأمين النسخة التونسية نقلا عن الفرنسية وجعلوها بعنوان "دروس في الألسنية العامة" وتولى يوئيل يوسف عزيز النسخة العراقية عن الإنكليزية سنة 1985 بعنوان "علم اللغة العام" وعنون المغربي ترجمته للكتاب عن الفرنسية سنة 1987 بـ"محاضرات في علم اللسان العام: عبد الباقي قنيني”. 

يعرض حسين السوداني سلبيات تأخر الترجمة العربية لدروس سوسير. فيجدها قد فوّتت فرصة الاطلاع على ثمرة الدرس السوسيري على ذوي الخلفية المعرفية الأنكلوسكسونية. فقد كان جيل كامل من خريجي مدرسة لندن لا يورد آراء سوسير إلا عبر إشادة أستاذهم فيرث بمقولة من مقولاته، وذلك لعدم إلمامهم باللسانيات السوسيرية إلماما تاما. ويردّ تأخر هذه الترجمة إلى اعتبارات عديدة منها خصوصية دروس سوسير. فالرجل وجّه اهتمامه أساسًا إلى وضع الحدود وضبط المفاهيم وتصنيف مختلف الظواهر اللسانية وأوجد مقابلات بين المصطلحات يعسر الجمع بينها مستحيلا من خارج المنطلق السوسيري، مثل التقابل بين مصطلحي الآنية والزمانية. 

وكان للدراسات اللاحقة دور في مضاعفة هذه الصعوبات. فكثيرة هي المفاهيم التي لم تحافظ على مصطلحات سوسير فمنحتها التيارات المعرفية اللاحقة بدلائل أخرى مثلا اعتماد بارت لمصطلح العلاقات النظامية "Rapports Systématiques "بدلا من  العلاقات جدولية"Rapports Paradigmatiques" عند سوسير. وخوّل السياق للباحث أن يعرض عبر  ما أثاره تعريب المصطلح اللساني السوسيري  من إشكالات، وجوها من معضلة تعريب المصطلح في المباحث العربية وتوليده. فوجد في التعدد المصطلحي هدرًا للطاقة المصطلحية وعبثا بالتجانس بين الجداول غالبا ما ينتهي إلى خلق "جزر لسانية" متنائية تشتت ذهن القارئ أكثر مما تفيده.

4 ـ السوسيريات الجديدة

ويختتم حسين السوداني مؤلفه بفصل "السوسيريات الجديدة" ويحددها زمنيا بما كتب في القرن العشرين. ومن الطبيعي أن يلاحظ تطورا في الاهتمام بسوسير في مطلع هذا القرن الحادي. ولكن تقييمه لهذا المنجز كان مغرقا في السلبية. فقد رصد ظاهرتين متقابلتين فيه. فوجد في قدر كبير منه سعيا متكلفا "إلى الانخراط في الحداثة من دون تكلفة عالية" أو جهد ذهني مرهق. ووجد في القدر الباقي من هذا المنجز شكلا من الغلو في اعتبار اللسانيات بديلا من التراث. فبعضهم يغالي في إدانة من لم يحظ من اللسانيات بنصيب دون أن يعمل على تطوير دروس سوسير أو يستثمرها في سياق بحثي مخصوص فلا يتجاوز التقديم المدرسي لآرائه. ويسجل انصراف البحث من متن النظرية إلى هوامشها فلا يتجاوز التأريخ للعلم ويعجز عن النفاذ إلى عمقه.
 
ويرتبط الإطار الجديد لتلقي سوسير في مطلع القرن الحادي والعشرين أحيانا بالتشكيك في الكتاب وأخذ مضمونه بالريبة بدل السعي إلى إعداد ترجمات جديدة تتجاوز وجوه الخلل في الترجمات السابقة على سبيل المثال كما حدث مع الترجمة الإنكليزية الثانية التي أعدّها هاريس في عام 1983 متجاوزًا ما شاب الترجمة الأولى التي أنجزها سلفه باسكن في عام 1959.

5 ـ أثر فردينان دي سوسير في البحث اللغوي العربي

لكتاب حسين السوداني أهمية خاصة. فهو ينزل تلقي أثر سوسير في سياقه الثقافي والفكري والسياسي بصبر وأناة ودقة منهجية. ورغم ضخامة المدونة وكثرة التفاصيل استطاع أن يقارب منجز 100 سنة من البحث وفق نظرة تأليفية تجمع مباحث متباعدة في التاريخ وفي الجغرافيا وفي الاختصاص. فجمع بين إنتاج العلم والتأريخ له والتأريخ للمفاهيم ولتحولاتها. 

وتتجاوز أهميته البحث في منجز سوسير إلى البحث في التلقي العربي للمعارف الحديثة وما يرافقها عادة من إشكالات كالتمسك المرضي بالقديم ورفض تطويره خوفا من فقدانه لهويته والنظر بالريبة إلى كل جديد باعتباره خطرا مهددا للهوية أو الإفراط في الانبهار بكل طارئ وهذا ما يمثل الضفة الثانية للتعامل المرضي مع علوم العصر. وفي الحالين أبرز الكتاب نماذج من التعامل السطحي الذي يقع فيه باحثونا مما يمنعنا من الإسهام الرصين في إنتاج المعرفة في عالم لا بقاء فيه إلا لمن ركب بحرها. 

 

من شروط المعرفة الدقة في مصطلحاتها ووحدتها ولكن للأسف فقد خالطت مباحث اللسانيات العربيّة فوضى اصطلاحيّة مربكة عابرة لمختلف اتجاهاتها فكانت تحول دون الدّارس وبناء المعرفة الدّقيقة



ومثلت مشكلة المصطلح وجها أخر من وجوه أزمة المعرفة عندنا. فمن شأن الاصطلاح أن يضفي على اللغة العلمية بعدا موضوعيّا يعبُر بها من الإحالة على الأشياء في العالم إلى الإحالة على المفاهيم والنظريات في الفكر ويجعلها أيسر استعمالا وأوضح ويمنحها كفاءة تربطها بحقول معرفيّة دقيقة. ومن شروط المعرفة الدقة في مصطلحاتها ووحدتها ولكن للأسف فقد خالطت مباحث اللسانيات العربيّة فوضى اصطلاحيّة مربكة عابرة لمختلف اتجاهاتها فكانت تحول دون الدّارس وبناء المعرفة الدّقيقة بقدر ما كانت تحول دون انفتاح هذه المباحث نفسها على بعضها البعض جدلا وتفاعلا وتحقيقا للتّراكم المعرفي. 

وهذا ما عسّر بناء معرفة عربية ذات مقومات مقوّمات كونيّة. فظلت المعارف أقرب إلى الجزيرات البحثية المتنائية التي تقوم على الجوار أكثر مما تقوم على التفاعل والتراكم. وكانت إجاباته عن الأسئلة التي طرحها في بداية الأثر حول موقع الفكر العربي من الفكر اللساني الحديث وما أدرك هذا الفكر العربي من الثقافة اللسانية الحديثة ومنزلة البحث اللساني الحديث سلبية غالبا.

لا شك إذن في أن الكتاب حاصل مجهود معتبر يمكن أن يكون منصة ينطلق منها الباحث لتأليف ما يشبه القاموس فيتناول مفاهيم سوسير الأساسية ويعرض ما شهدت من تحولات في تصور هذا الدارس أو ذاك ويعرض أسبابها وما نشأ عنها من المباحث الفرعية في السياق الغربي أولا والعربي ثانيا، حتى يقارب تلقي العرب للسانيات سوسير من منطلق إبستيمولوجي يرصد تحولات المعرفة وقطائعها. 

 

إقرأ أيضا: التلقي العربي للسانيات وأثر دي سوسير في البحث اللغوي (1من2)

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا