آخر الأخبار

المرأة عند إسلاميي الجزائر.. ضحية الأدبيات القديمة (1من2)

الجزائر ـ عربي21 ـ حسان زهار السبت، 21 مارس 2020 02:37 م بتوقيت غرينتش

مازال موضوع المرأة وموقعها في الإسلام يثير جدلا فكريا وحقوقيا وسياسيا في مختلف مواقع القرار في العالم.. ولازالت الاتهامات للإسلام والإسلاميين باستضعاف المرأة وامتهانها تجتاح الكثير من المنظمات الحقوقية وتقاريرها ذات التأثير السياسي الكبير.

ومع أن علماء الإسلام من الرجال والنساء، قبل قادة العمل الإسلامي قد برهنوا بالملموس على فهم تقدمي لحقوق الإنسان بشكل عام، والمرأة بشكل أخص، إلا أن ذلك لم يحسم الجدل بشأن المطلوب من أجل الوصول لتحقيق العدل في العلاقة بين المرأة والرجل باعتباره جزءا من تحقيق العدل بين مختلف بني البشر.

ولقد فتحت ثورات الربيع العربي التي أسقطت جدران الخوف والاستبداد الباب واسعا للنقاش حول مختلف الملفات من دون خطوط حمر، وعاد ملف المرأة مجددا ليتصدر المشهد، ليس فقط في المستوى الحقوقي المتصل بالقضايا الأسرية العابرة، وإنما في القضايا الفقهية الرئيسية المتصلة بالحقوق المدنية، ولا سيما منها الميراث والولاية.. 

"عربي21" تفتح ملف الحقوق الأساسية للمرأة في الإسلام، في سلسلة من التقارير والحوارات الفكرية، في سياق إدارة حوار فكري بناء يسهم في تقديم فهم أعمق للحقوق الأساسية للمرأة في الإسلام ولدورها في المجتمع.

اليوم يعرض الكاتب والإعلامي الجزائري حسان زهار في هذا التقرير الخاص بـ "عربي21"، لأطروحات قادة الإسلاميين الجزائريين لموقع المرأة في الإسلام.

 

المرأة في أدبيات الإصلاحيين الأوائل


يمتد اهتمام الإسلاميين في الجزائر، بموقع المرأة ودورها في المجتمع، إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وتحديدا مع تأسيس جمعية العلماء المسلمين عام 1931، أين عرفت الأدبيات الإسلامية والكتابات الإصلاحية حول المرأة طفرة نوعية وكمية واضحة، وذلك إلى غاية اندلاع الثورة الجزائرية عام 54 حيث تم تأجيل الخوض في قضايا المرأة وتحريرها، حتى تحرير الأرض والوطن.

وما ميز الخطاب الإسلامي (الإصلاحي) وقتها، قبل أن تتطور أدبيات الإسلاميين حول المرأة في وقتنا الراهن، أنه كان حائط الصد الأول لما كانت تطرحه القوى الاندماجية والتحريرية (الحداثية) المرتبطة وقتها بالمستعمر حول المرأة، فبدل استعمال مصطلح "تحرير المرأة"، فضلت مصطلحا خاصا استمر إلى يومنا هذا وهو "إصلاح واقع المرأة"، انطلاقا من تعارض المفهومين: مفهوم الحداثة الغربية ومفهوم الحداثة الإسلامية (أسلمة الحداثة).
 
ولا يختلف الإسلاميون في الجزائر عن نظرائهم في باقي البلدان الإسلامية، من منطلقات اعتبار تحرير المرأة العربية المسلمة خدعة استعمارية ومكيدة صليبية، بغرض زعزعة نظام الأسرة، وإشاعة الفساد في الأرض، وقد كان لمدرسة التجديد التي أسسها جمال الدين الأفغاني وقادها الشيخ محمد عبدو، والطهطاوي والكواكبي، أثرها البارز في نقل فكرها الإصلاحي في قضايا المرأة إلى الجزائر قبل الاستقلال، كما أثرت على ذات النظرة في باقي دول المغرب، حيث كان الشيخ عبد القادر المغربي (1906/1911)، ومحمد السنوسي والشيخ ابن أبي ضياف، والطاهر الحداد في تونس بكتابه "امرأتنا".. ولعل كتاب محمد الخوجة (مصطفى الكمال) "الاكتراث في حقوق الإناث"، ثم زيارة الشيخ محمد عبده للجزائر سنة 1903، كانت هي البواكير الأولى لفكرة الاهتمام بقضايا المرأة في الجزائر، إلى أن تبناها رجال الإصلاح في جمعية العلماء المسلمين والتي كان عنوانها الأبرز الدعوة الصريحة إلى تعليم البنات جنبا إلى جنب مع الذكور.

وكما أن الإسلاميين والتيار الإصلاحي كان يستلهم من الشرق، كان العلمانيون والاندماجيون يستلهمون مباشرة من فرنسا الاستعمارية، وهؤلاء كانوا يثيرون من وقتها نفس القضايا التي يثيرها حاليا العلمانيون مثل تعدد الزوجات والطلاق والميراث والفصل بين الجنسين، وعمل المرأة خارج البيت وغيرها، وقد تصدى العلماء المسلمون وقتها لمثل هذه الدعوات فكان أن مما بقي خالدا من اقوال رجالاتها قول الشيخ الإبراهيمي: "في موضوع المرأة يتدخل علماء الغرب ملاحدة ومتألهين، ويتعاطون ما لا يحسنون من القول في هذا الموضوع، ويجعلون منه ذريعة للنيل من الإسلام، ولقد ناظرنا جماعة منهم في الموضوع، فأفحمناهم وألقمناهم حجرا".

لقد واجه دعاة الإصلاح الإسلامي في الجزائر، دعوات تحرر المرأة بالطريقة الغربية، وخلع الحجاب، كما رحبوا بمواقف الشيخ رشيد رضا، في موضوع المساواة، وظلوا أنصارا للحجاب وتعدد الزوجات والطلاق، وكانت مواقف الشيخ البشير الإبراهيمي بين العلماء هي الأكثر وضوحا في الدفاع المستميت عن الرؤية الإسلامية في قضايا المرأة، ومع ذلك ظلت بعض الاعتراضات على مواقف العلماء، الذين رغم دعوتهم للمساواة، إلا أن مواقفهم لم تصل إلى حد المطالبة بالمساواة في الوظائف الاجتماعية، وهو ما جلب عليهم هجوم الخصوم الذين اتهموهم بأنهم لم يكونوا يضعون "المسألة النسوية" من بين أولياتهم، حيث لم ترد قضايا ترقية المرأة ضمن النصوص التأسيسية للجمعية.

رؤية مالك بن نبي للمرأة:

لم يتطرق مفكر جزائري إلى قضية المرأة كما تطرق إليها وعالجها المفكر الكبير مالك بن نبي، وقد خصص لها في كتابه "شروط النهضة" حيزا خاصا أسماه "مشكلة المرأة"، انسجاما مع طروحاته الكلية حول "مشكلات الحضارة عموما، حيث يقف موقفا عقلانيا صارما، بين دعاة التحرر والتمييع التي يتزعمها الحداثيون، وبين دعاة التحجر والتزمت التي يميل إليها البعض الآخر باسم الإسلام.

 

 



ولعل أبرز فكرة طرحها مالك بن نبي، لحل مشكلة المرأة، هي دعوته المفتوحة، لعقد مؤتمر يحضره المفكرون إلى جانب الفقهاء، كما يحضره الأطباء وعلماء النفس والاجتماع، يكون غايته الأساسية توجيه تطور أوضاع المرأة نحو أهداف البناء الحضاري للأمة، بحيث تكون المرأة رافدا أساسيا لهذا البناء، بعيدا عن مخططات التخريب الغربية التلفيقية.

ولا يرى مالك بن نبي أن مشكلة المرأة يمكن معالجتها أو دراستها بمعزل عن مشكلة الرجل، كونها مشكلة واحدة في الأصل، بعكس دعاة تحرير المرأة الذين حاولوا خلق مشكلة مفتعلة، اسمها المرأة بغرض إشعال معركة هامشية ضد الرجل، تعيق حركية البناء الحضاري، كونه يجعل نصف المجتمع في مواجهة دائمة مع نصفه الآخر، ويجعل الزوجة في مواجهة الزوج، والأب في مواجهة البنت، والأخ في مواجهة الأخت.

 

لا يرى مالك بن نبي أن مشكلة المرأة يمكن معالجتها أو دراستها بمعزل عن مشكلة الرجل، كونها مشكلة واحدة في الأصل،


هذه الملهاة الكبرى، هي التي حذر منها مالك بن نبي، إذ يقول: "وليس بمجد أن نعقد موازنة بين الرجل والمرأة، ثم نخرج منها بنتائج كمية تشير إلى قيمة المرأة في المجتمع، وإنها أكبر أو أصغر من قيمة الرجل أو تساويها، فليست هذه الأحكام إلا افتئاتا على حقيقة الأمر ومحض افتراء. ولسنا ندري في الأقاويل التي تقولها على حقوق المرأة وأدعياء تحريرها، أو الذين يطالبون بإبعادها من المجتمع إلا تعبيرا عن نزعات جنسية لا شعورية".

وبخصوص المؤتمر الذي كان بن نبي قد دعا إليه يوضح أن يتولى دراسة المشكلات المعقدة في قضية المرأة "وتعيين وسائل حلها، فوسائل حل مشكلة المرأة يجب أن تقرر في مؤتمر عام، تصبح مقرراته دستورا لتطور المرأة في العالم الإسلامي".

تاريخ لا ينسى

في قضية العلاقة بين الإسلاميين والمرأة، من الصعب تجاوز بعض الأحداث المهمة التي عرفتها ساحات الصراع السياسي والثقافي في الجزائر بهذا الخصوص، ومن بين تلك الأحداث التي طبعت في التاريخ، المسيرة المليونية الضخمة للنساء المسلمات، التي نظمتها رابطة الدعوة الإسلامية بقيادة رئيس الرابطة الشيخ أحمد سحنون رحمه الله بتاريخ 21 كانون أول (ديسمبر) 1989، للدفاع عن قانون الأسرة الجزائري المستمد من الشريعة الإسلامية، في وجه مخططات تفكيك الأسرة الجزائرية التي بدأت حينها.

قدر مراقبون أعداد النساء اللاتي شاركن في تلك المسيرة التاريخية بمليوني امرأة، امتلأت بهن ساحات قلب العاصمة الجزائرية، على جنبات مقر المجلس الشعبي الوطني، وزلزلت به عروش دعاة تخريب الأسرة المسلمة، الأمر الذي أجبر الرئيس الشاذلي بن جديد حينها، للاستجابة لمطالب المتظاهرات، ورفض تعديلات قانون الأسرة التي تخص الميراث والولي والمحرم عند السفر.

 

ليس في الإسلام شيء يسمّى قضية المرأة أو قانون الأسرة، فالمرأة في الإسلام لبنة في بناء الأسرة، والأسرة لبنة في بناء المجتمع، والمجتمع هو البناء المتكامل الذي يحرص الإسلام على رعايته وسلامته وسعادته


ومن بين ما قاله الشيخ أحمد سحنون في خطبته في ذاك اليوم الكبير: ي"ا ابنة الجزائر المسلمة، طيبي نفسا وقرّي عينا وانعمي بالا، فأنت أشرف النّساء، وأنت للمرأة المثلُ الأعلى.

عليك أيّتها المسلمة الجزائرية أن تجعلي من هذا التّجمع العظيم الرائع إعلانا لرفضك لمطالب تتنافى مع دينك وأخلاقك وماضيك الحافل بالأمجاد.. إنه لمّا أراد العدّو بالمجتمع الإسلامي سوءا بدأ بالأسرة، وإلاّ فما هذه الضّوضاء حول المرأة و قانون الأسرة؟ إنّه ليس في الإسلام شيء يسمّى قضية المرأة أو قانون الأسرة، فالمرأة في الإسلام لبنة في بناء الأسرة، والأسرة لبنة في بناء المجتمع، والمجتمع هو البناء المتكامل الذي يحرص الإسلام على رعايته وسلامته وسعادته".

وقد أظهرت هذه الخطبة التي كانت وقتها من أعلى مرجع إسلامي في الجزائر، طبيعة الخطاب الإسلامي في الجزائر في قضية المرأة، كما أوضحت أن أدبيات الإسلاميين، منذ ذلك الحين، لا ترى بوجود قضية للمرأة، خارج دائرة قضايا المجتمع وقضايا الرجل، بالضبط كما شدد على ذلك مالك بن نبي وقبله الشيخ عبد الحميد ابن باديس.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا