آخر الأخبار

كتاب "البيان والتّبيين" للجاحظ وإشكالية العنوان

أحمد البزور السبت، 21 مارس 2020 03:53 م بتوقيت غرينتش

يعدُّ الكتابُ من أمّهات كتب الأدب العربيّ، كما ألمح ابن خلدون في مقدّمة تاريخه عند كلامه على علم الأدب، حيثُ بدأ صاحبه بمقدمةٍ: ضَمَّنَهَا حديثًا عن الفصاحة والطّلاقة، والعيّ والحصر، ثم شَرَعَ في تفصيل البيان، وذِكْر أشهر الخطباء، وأهمّ الخُطَب، والرّسائل الأدبيّة التّاريخيّة.

كما عَرَضَ الجاحظ لظاهرة الشّعوبيّة السّائدة آنذاك، من خلال الحديث عن العصا، الّتي هي من عادةِ العرب، وقد اتّخذها في مواضع متباينة، والجزء الأخير جعله أخلاطًا: من الشّعر، والنّوادر، والأحاديث، وتعازي الملوك.

هذا والجدير بالذّكر أنّ الجاحظُ ألّف كتابه هذا في أواخر أيامه، وغايته هي الدّفاع عن البيان العربيّ في مختلف مظاهره، وقد تحدّث فيه عن الألفاظ وفصاحتها، والأفكار والأساليب، وتناسب اللفظ والمعنى.

بالإضافة إلى ذلك ملأه بالأخبار والنّوادر والطّرائف، والشّعر وشواهد القرآن الكريم والحديث الشّريف والخطب والأمثال وغيرها؛ للدّفاع عن ما يذهب إليه، مما جعل من الكتاب موسوعة أدبيّة تُمثّل ثقافة الجاحظ التي أحاطت بمعارف عصره.

أمّا موضوعات الكتاب الكبرى فتدور حول البيان والبلاغة، والخطابة، والشّعر، والأسجاع، ونماذج من الوصايا والرّسائل، وطائفة من كلام النّساك والقصاص وأخبارهم، وغير ذلك.

ويتنقّل الجاحظُ بين هذه القضايا مرسلًا نفسه على سجيتها، غير متقيّد بمنهجٍ مُحكم يلتزمه، بل يعتمد على الاستطراد والانتقال من موضوعٍ إلى آخر، ثم العودة إلى ما أسلف من قبل، مشيعًا جوًّا من الفكاهة المحببة.

 



يكشف الكتابُ عن شخصيّة الجاحظ العلميّة، وقارئ هذا الكتاب يجده شديد الصّلة بالبيان والبلاغة، كما تحدّث الجاحظ إلى جانب آرائه في النقد آراء عن نقّاد عصره وعلمائه، وقد حصر أنواع البيان بخمسةٍ لا تزيد ولا تنقص، هي اللفظ والإشارة والعقد والخطّ والحال، واعتنى كذلك بملاحظات العِلل التي تعتري اللسان، وأهمّها الحُبسة واللثغة واللكنة والأخن.

الجاحظ: عمرو بن بحر بن محبوب الكنانيّ البصريّ المكنّى بأبي عثمان، تاريخ ميلاده هو عام 160هـ، أمّا وفاته فكانت بالبصرة سنة 255هـ، وهناك مصادر ومراجع كثيرة تناولت حياة الجاحظ وأخباره وآثاره، لا داعي لذكرها في هذا المقال المختزل، وبإمكان القارئ الرجوع إليها إذا أراد الاستزادة والاستفادة (1).

ولقّب بالجاحظ لجحوظ عينيه، أي بروزها، وكان دميمُ الهيئة، جهم الوجه، بشع المنظر، قصير القامة، وقد نشأ في أسرةٍ فقيرة، وقد كان أفرادها خدمًا وخَولاً لسيّدٍ من سادات كِنانة، من أهل البصرة، وقيل إنّ جدّه محبوبًا كان عبدًا أسود اللون جمّالاً، والجاحظ الفتي كان يبيع الخبز والسّمك بسَيحان نهرٍ في البصرة، ولكنّه لم يلبث أن رَبأ بنفسِه عن هذه المَهانة وأقبل على العلم والأدب واللغة يأخذها عن أهلها"(2).

وقد اختلفت آراء المؤرخين بصدد تاريخي ولادته ووفاته إلاّ أنّ معظمهم اتّفق على ما ذكرتُه آنفًا، وتضاربت الآراء كذلك بشأنِ أصله، فمنها ما يُفيد أنّه كنانيّ ليثي، ومنها ما يؤكّد أنّه مولى أبي القلمس عمرو بن قلع الكناني، وأنّ جدّه أسود يقال له فزارة"(3).

وتجدر الإشارة إلى أنّ الكتاب الموسوم بـ "مختار البيان والتّبيين" لخليل بيدس وشريف النّشاشيبي ذكر أنّ ولادة الجاحظ كانت سنة 159هـ، غير أنّه في نفس الوقت كان مشككًا في ذلك، ويبدو ذلك واضحًا في قوله: "ولد بالبصرة سنة 159هـ وقيل غير ذلك، وزعم ياقوت صاحب معجم الأدباء أنّ الجاحظ قال عن نفسه: أنا أسَنّ من أبي نُواس بسنة ولدتُ في أوّل سنة 150"(4).

كان الجاحظ يتميّز بسرعة الحافظة ووفرة الذّكاء والرّغبة في العلم والشّغف بالقراءة والمطالعة حتّى قال فيه أحدُ معاصريه: لا يقع بيده كتاب قطّ إلاّ استوفى قراءته واستوعب مادّته كائنًا ما كان.

أصيب الجاحظُ بالفالج وطال عليه المرض سنوات متوالية إلى أن توفي سنة 255هـ، وفيل وقعت عليه قماطر الكتب وهو طريح ضعيف فعجّلت عليه.

نبغ الجاحظ في العصر العباسيّ الثّاني، وأصبح إمام كُتّاب العرب وحُجّة المفكرين وشيخ الأدباء، فهو أوّل من أكثر التّصنيف في الأدب، وأوّل من صنع كتب المحاضرات في الفنون المختلفة، وأوّل من جمع بين طرفي الجدّ والهزل، بالإضافة إلى كلّ ذلك أنّ مصنّفاته تشهد له بأنّه واسع الاطلاع، غزير المادة، كثير المحصول العقليّ.

وقد ألّف الجاحظُ كتابه البيان والتبيين ـ تجاوزًا ـ في الفترة التي اتّصل فيها بالقاضي أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي النّزعة بعد232ه، ونال عليه جائزة سنيّة، تبلغ خمسة آلاف دينار، وقد أتمّه بعد انتقاله إلى البصرة عندما طعن في السّن وهو آخر ما كتبه (5).

وبعد كلّ هذا لعلّ الذي يتبادر في الذهن الآن، هو: هل العنوان الحقيقي للكتاب هو البيان والتّبيين، بيائين، أم البيان والتّبيّن بياء واحدة مشددة؟

وبالرّجوع إلى نسخ أصول الكتاب، سيتضح للباحث والقارئ أنّ العنوان الحقيقيّ، هو البيان والتّبيّن، بياء واحدة مشددة، وعلى ضوء ذلك لا بدّ لقارئ هذا المقال أن يتساءل أيضًا عن النّسخ التي تثبت صحّة هذا القول.

وإذا ما رجعنا إلى نسخة مكتبة فيض الله بالأستانة في فهرس المخطوطات المصوّرة، سنجد أنّ عنوان "التّبيّن" مشكولا شكلاً تامًا بتشديدِ الياء المضمومة، ودونك نصّ العبارة، إذ يقول: "يشتمل هذا السَّفر على جميعِ كتب البيان والتبيّن"، بتشديد الياء، هذا جانب.

ومن جانبٍ آخر فإنّ النّاظر في نسخة مكتبة كوبريلي بالأستانة، تحت رقم 165، يلاحظ بيسر نصّ العنوان الآتي: الجزء الأول من كتاب البيان والتبيّن، ولزيادة في التّثبت كذلك الأمر بالنسبة لنسخة خزانة القيروان بفاس تحت رقم 1244، ونص العنوان هو: "السِّفر الثّالث من البيان والتبيّن". وعليه نميل إلى أنّ اسم الكتاب هو البيان والتّبيّن، وليس كما هو المتداول والمعروف لدى شريحة كبيرة من القرّاء خاصة بعض الدارسين.

هوامش:

1 ـ انظر، الفهرست لابن النّديم، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، ولسان الميزان لابن حجر العسقلاني، ومروج الذّهب للمسعودي.
2 ـ مختار البيان والتبيين، لأبي عثمان بن بحر الجاحظ: خليل بيدس، وشريف النّشاشيبي، المطبعة البوليسيّة، لبنان، ص 5.
3 ـ انظر تاريخ دمشق لابن عساكر، المتوفى 571.
4 ـ مختار البيان والتبيين لأبي عثمان، خليل بيدس، ص 5
5 ـ انظر في التّوطئة لجميل جبر، في كتابه أبو عثمان الجاحظ: البيان والتّبيين وأهم الرسائل، ط1 - 1959، المطبعةالكاثوليكيّة، بيروت.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا