عـاجل
آخر الأخبار

فشل النظام العربي الريعي.. "الحيطيون" في الجزائر نموذجا

توفيق المديني الأربعاء، 25 مارس 2020 12:21 م بتوقيت غرينتش

الكتاب: الشباب العرب من المغرب إلى اليمن- أوقات الفراغ الثقافات والسياسات
الكاتب: لوران بونفوا ومريام كاتوس، وقدم له فرانسوا بورغا
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون- بيروت، لبنان، 2019،
عدد الصفحات 406 من القطع الكبير

يمكن القول إن ثورات الربيع العربي التي انطلقت من تونس نهايات العام 2010، شكلت منعطفا تاريخيا مهما في تاريخ المنطقة العربية والإسلامية، فقد طوت نظاما سياسيا بالكامل وأسست لمرحلة جديدة من التشكل السياسي الذي لم تتضح معالمه بعد.

ولقد كان لافتا للانتباه في هذه الثورات، أن الشعوب كانت سباقة في أخذ زمام المبادرة وإعادة افتكاك حقها في تقرير مصيرها، واتضح ذلك في عدم وجود قيادات لهذه الثورات الشعبية. لكن بمجرد سقوط عدد من الأنظمة حتى عاد التعويل مرة أخرى على النخب الفكرية والسياسية لقيادة المرحلة الجديدة، وهي مرحلة مازالت تتشكل بالتفاعل بين مختلف القوى السياسية والفكرية والاقتصادية، وأيضا بين قوى الداخل والخارج.. 

ضمن هذا الإطار يأتي كتاب "الشباب العرب من المغرب إلى اليمن.. أوقات الفراغ الثقافات والسياسات"، الذي يعرض له الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني ضمن أربع حلقات، ويسعى من خلاله، ليس لفهم ميكانيزمات ثورات الربيع العربي، التي مازالت عواصفها لم تهدأ بعد، وإنما أيضا للبحث عن آفاقها السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية.

 



بخلاف الصور النمطية الاستشراقية، كشفت "الانتفاضات العربية"، التي برزت منذ عام 2011 كنماذج في التحشيد الديمقراطي، عن وجوه جديدة حظيت بالشهرة، حتى في ضواحي تل أبيب وفي قلب مانهاتن واسطنبول. وبعيداً من عزلتهم المفترضة، برهن الشباب العرب على قدرة فائقة في التأثير في العالم. فكونهم معارضين، مع شيوخهم، للأنظمة الديكتاتورية التي لا تزال تحكم في بلدانهم، وجد بعضهم نفسه فجأة في طليعة ظواهر ثقافية عالمية. شاهدنا إحداها معه عبارة "إرحل" degage ، التي أصبحت حتى خارج حدود "العالم العربي"، الشعار السائد عام 2011. كما يشهد على ذلك السرعة التي ركب معها بعض الشباب العرب، عام 2013، موجة مهرجان "الهارلم شيك" Harlem Shake القادمة من اليابان وأستراليا، حيث ظهروا على الإنترنت، متنكرين، بل عراة، ويرقصون عل أنغام موسيقى إلكترونية تم تحوير رموزها تحدّياً للسلطات المحلية والسياسية والدينية.

حيال زحمة هذه الصور، انبثقت الفكرة التي أسست لهذا الكتاب، الذي يضم في ثناياه ثمانية وثلاثين فصلاً، حيث تحدو الباحثان الرغبة للتحدث عن الشباب العرب، خلافاً لمعيار الخطب التقليدية. 

وتحقيقاً لهذا الهدف، أبدى ثلاثون باحثاً رغبتهم في تبادل حصيلة ملاحظاتهم ومعرفتهم الوثيقة للمنطقة، بغية فسح المجال، "من الداخل" واستناداً إلى تجاربهم الملموسة، لرؤية مُعاش الشباب العرب حالياً في البلدان العربية وفهمهم. فالكتاب عبارة عن دراسة للكيفية التي تلجأ إليها الأجيال الشابة العربية لملء أوقات الفراغ، وهي بمنزلة تجربة غنية بمعلومات تتيح فهم الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التيى تعصف بالمجتمعات العربية. 

وقد آثر الباحثان القيام بتسليط أضواء كاشفة على موضوع الشباب العرب، عبر التنقل من بلد إلى آخر، ومن المدن إلى الأرياف، ومن الأوساط الشعبية إلى الأوساط الميسورة.

الشباب في الجزائر: "الحيطيون" أنموذجًا

إنَّهم فئة من الشباب ملتصقون بالحيطان، يشاهدون مرور العمر. أحياناً، يأوي الحائط إلى مخدعه، فيما يبقون هم حيث هم. ففي مطلع التسعينيات من القرن العشرين، ومع مغادرة عقد قاتم وقدوم آخر أقل وضوحاً، وُلد في الجزائر مصطلح حيطي. وهو مشهد رمزي لشريحة من شباب تلك الحقبة أصبح صورة نمطية راسخة.
 
إنَّ سائر الشباب العاطلين من العمل في الجزائر هم الذين يلتصقون بالحائط طوال النهار. ومع مرور الوقت، اكتسبوا اسم الحائط. فـ "الحيطيون"، كما وصفهم الممثل الكوميدي والكاتب الساخر الجزائري محمد فلاق بأسلوب محبب، هو خليط من العربية والفرنسية، هم أولئك الذين يستندون إلى "الحيط". 

إنَّ "الحيطيين" هم إذاً شباب، أو بالأحرى شبان يمضون معظم وقتهم، نتيجة الافتقار إلى العمل، مستندين إلى حيطان الأحياء السكنية. تحت هذه التسمية، التي شاع تداولها إبان العقدين الماضيين، ومع عبارة "أصبح حيطياً"، ساد التصور المتعلق بهذا الجيل، سواء في الأدب أو السينما أو الموسيقى أو وسائل الإعلام أو الأحاديث اليومية.
 
يقول كاتب هذا الفصل عن "الحيطيين" في الجزائر لويك لو باب: "بيد أنَّ هذه العبارة، التي ترسخت في حينها، عفا عليها الزمن. لقد ولى زمانها مفسحة في المكان لملاحظات وأشكال جديدة من التهكم الذاتي. لكنَّها احتفظت بقوة الأفكار المسبقة التي أثرت في هذا الجبل. وإذا كانت تميل إلى الاحتجاب خلف صور أخرى أكثر معاصرة مرتبطة مثلاً بصورة المهاجرين غير الشرعيين، أي الحراقة (أولئك الذين يحرقون بطاقات هويتهم كي يتمكنوا من الدخول بطريقة غير شرعية إلى أوروبا)، فلا شيء يدل على أن ما ترمز إليه قد اختفى، بل على العكس من ذلك تماماً" (ص 42 من الكتاب).

 

إنَّ سائر الشباب العاطلين من العمل في الجزائر هم الذين يلتصقون بالحائط طوال النهار. ومع مرور الوقت، اكتسبوا اسم الحائط.



لكي نفهم السياق التاريخي الذي ولد فيه مفهوم الحيطية حول الشباب الجزائري المعاصر علينا التطرق إلى مسألة البطالة الكثيفة في العالم العربي، فمنذ الصدمة البترولية الأولى 1973، ومع ارتفاع  أسعار النفط ، وما رافقها من اضطراب البنية الاجتماعية ـ السياسية في الدول العربية، ظلّ العالم العربي يعيش على هامش هذا التاريخ الكوني. فهناك من ناحية الصراع العربي ـ الصهيوني وإسقاطاته المدمرة في ظل غياب مشروع عربي لتحرير الأرض السليبة، وهناك من ناحية أخرى نعمة الريع النفطي التي لم توظف لمصلحة بناء اقتصاد عربي منتج قادر أن يستوعب الأجيال الجديدة من خريجي الجامعات. 

فقد تفاقمت ظاهرة البطالة في الدول العربية الريعية التي لا تدعو مواطنيها إلى العمل، ولا تحفز العمل وسوقه. وهذا مثبت في إحصاءات كثيرة. ففي سلم البطالة في العالم، وهي تقاس من أدنى المعدلات الى أعلاها، تتربع مصر في المرتبة 107، والمغرب في المرتبة 109، والجزائر في المرتبة 110، والأردن في المرتبة 139، وتونس في المرتبة 140، واليمن، في المرتبة 185. وعليه، قد يصح رسم خريطة الثورات العربية بناء على معدلات البطالة والعمل.

وهكذا أصبحت بطالة الخريجين الجامعيين، هذا المرض المتفشّي في معظم البلدان العربية. فالبطالة التي تصيب أكثر من 17 في المئة من قوّة العمل في العالم العربي ،باتت تضرب ربع الشبّان الذين هم دون الـ25 من العمر، وهي تتراوح ما بين 30 و35 في المئة في أوساط الشبان الجامعيين. وما يزال حتّى الآن مئات الألاف من المتخرّجين الجامعيين من أفواج ما قبل العام 2005 يفتّشون عن فرصة العمل الأولى لهم .

البطالة تعبر عن إخفاق النظام الريعي العربي، لأنَّ الدولة فيه هي التي تحكم قبضتها على الثروات، وهي ثروات تفتقر إلى قيمة مضافة مصدرها البلد نفسه وقيمتها مرتبطة بالطلب الخارجي. وثمة دول عربية ريعية غير نفطية، مثل مصر، وهذه تعيش على السياحة وعائدات المغتربين في الخارج ومن عائدات قناة السويس والمساعدات الأمريكية. ويترتب على مثل هذه الأنظمة بروز عدم تناظر سياسي بين الدولة والشعب. فالدولة تراكم الثروات ولا توفر فرص عمل. وليس خلق الثروات شاغل الدولة. فهذه تخشى انحسار احتكارها توزيع الريع. وهي تستسيغ التعامل مع العاطلين من العمل أو العاملين في مهن لا تؤمن كفاف العيش. فإرضاء هؤلاء من طريق توفير مساكن لهم أو منحهم إعانات غذائية يسير. وتحول الدول الريعية دون بروز شريحة اجتماعية تنتج الثروات، وتحوز، تالياً، هامش استقلال عن الدولة، وتباشر مساءلة السلطة. والمساعدات الخارجية تسهم في تثبيت الأنظمة العربية. وهذه حال مصر والأردن. 

 

البطالة التي تصيب أكثر من 17 في المئة من قوّة العمل في العالم العربي ،باتت تضرب ربع الشبّان الذين هم دون الـ25 من العمر، وهي تتراوح ما بين 30 و35 في المئة في أوساط الشبان الجامعيين.



إضافة إلى كل ذلك، أصبح العالم العربي واقعاً بين مطرقة الدولة التسلطية وسندان الحركات الإسلامية الأصولية، الأمر الذي قاد إلى إجهاض الطموحات لإنجاز ثورة ديمقراطية حقيقية.

البطالة في الجزائر في عام 2011، وبحسب المعطيات الإحصائية الرسمية، بلغت نسبة الشباب ما دون سن الثلاثين 57.7 % من سكان الجزائر، وبالرغم من انخفاضها منذ نحو عشر سنوات، إلا أن هذه النسبة المئوية المرتفعة تشكل تحدياً كبيراً من حيث التمدين والسكن والعمل والقدرة على الرعاية الاجتماعية وإعادة التوزيع. 

وبغية رفع هذا التحدي، تم الإعلان منذ العام 1988، وهو العام الذي تميز بتظاهرات ضخمة، وبإنشاء أول جهاز لدعم تشغيل الشباب (خطة تشغيل الشباب)، عن عدد من الإجراءات الهادفة إلى دعم العاطلين من العمل ضمن هذه الفئات العمرية. إنما لم يلبث أن تبخر عصر الياقات الزرقاء في الصناعة والوعود بالعمالة التامة، إذ إنَّ المؤسسات، على غرار الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب (أنساج Ansej)  التي تأسست عام 1996، وتم تمويلها من عائدات الريع الذي يحصله البلد، لم تعد قادرة على الدعم، مثلما كانت الوظيفة العامة قادرة على القيام به، لكنها راحت تحض على أن يصبح المرء "مسؤولاً عن مصيره". وكونها تشجع القروض الصغيرة، فهي لا تحقق إلا القليل من مسارات حياتية عرضية غير مستقرة، وتشكل ورقة التوت، بل حتى، أحياناً، أداة صالحة للمحافظة، على الصعيد المحلي، على الزبائنية، وعلى أشكال مألوفة من الفساد.

يقول الكاتب لويك لو باب في تعريفه للحيطيين: "يستند الحيطيون، في الحيّز المديني، إلى حيطان الأماكن الإستراتيجية. فيراقبون حالات الذهاب والإياب في الحي أو المقر. فهم يراقبون من يتردد إلى الحي. هذه "المراقبة" هي سلاح ذو حدين"، إذ قد تكون عبئاً على السكان إذا قرر الشباب مراقبة تحركات الفتيات أو تسهيل مجيء تجار المخدرات. وهي في المقابل تحقق استقرار المقيمين في حال وجودهم طيلة النهار، يشغلون الفضاء العام ويتداركون المشاكل المحتملة.

ومنذ قدوم الإنترنت ذي الدفق الغزير، برزت ألعاب جديدة عبر وحدات التحكم وألعاب شبكة الإنترنت. كذلك شغلت المسلسلات الأمريكية والأفلام الجديدة المعدة للتحميل نهارات الشباب الحيطيين وأمسياتهم، والمفارقة هي أن هذه الأنشطة تمارس في الداخل، وغالباً في متجر أو في مرآب، وتسهم في تشويش مفهوم الحيطي، وهذا ما قد يفسر فقدان الصلة بالصورة. 

وقد تولى فيلم "باب الواد" للمخرج الجزائري مرزاق علواش 2005 والحراقة 2009 إعادة هذا التعريف في حكاية جماعية. وتروي هذه الكوميديا مغامرات بوزيد (فاضل) وكامل (سامي نصري) اللذين تلقيا زيارة لورانس (جولي جايت)، وهي قناة فرنسية تعرفا إليها عبر الويب. بدأ عملهما كبائعي سجائر، واستمرا في العيش مع أهلهما، وراحا يستخدمان الحيل والبدع كي يجعلا الفتاة تعتقد بأنهما يعملان ويكسبان المال، وأنهما مستقلان. ومن ثم توالت الالتباسات، وشاركتهما لورانس، غير الساذجة، جهودهما من أجل خلق مظهر لحياة طبيعية" وممتعة، بعيداً من الهموم اليومية تحت أنظار أصدقائهم المستمتعة والمتواطئة. وفي نهاية المطاف، يقدم الفيلم نظرة ساخرة حول تصرف الشباب الجزائريين، متسائلاً عن علاقات الإغراء والعلاقات بين الجنسين. وهو موضوع محوري بالنسبة إلى مرزاق علواش"(ص 45 من الكتاب).

 

إقرأ أيضا: الشباب العربي والتحول نحو الديمقراطية.. محاولة للفهم

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا