آخر الأخبار

الإسلاميون وبداية الوعي بالمسألة النسائية (1 من 2)

بلال التليدي الخميس، 26 مارس 2020 03:57 م بتوقيت غرينتش

مازال موضوع المرأة وموقعها في الإسلام يثير جدلا فكريا وحقوقيا وسياسيا في مختلف مواقع القرار في العالم.. ولازالت الاتهامات للإسلام والإسلاميين باستضعاف المرأة وامتهانها تجتاح الكثير من المنظمات الحقوقية وتقاريرها ذات التأثير السياسي الكبير.

ومع أن علماء الإسلام من الرجال والنساء، قبل قادة العمل الإسلامي قد برهنوا بالملموس على فهم تقدمي لحقوق الإنسان بشكل عام، والمرأة بشكل أخص، إلا أن ذلك لم يحسم الجدل بشأن المطلوب من أجل الوصول لتحقيق العدل في العلاقة بين المرأة والرجل باعتباره جزءا من تحقيق العدل بين مختلف بني البشر.

ولقد فتحت ثورات الربيع العربي التي أسقطت جدران الخوف والاستبداد الباب واسعا للنقاش حول مختلف الملفات من دون خطوط حمر، وعاد ملف المرأة مجددا ليتصدر المشهد، ليس فقط في المستوى الحقوقي المتصل بالقضايا الأسرية العابرة، وإنما في القضايا الفقهية الرئيسية المتصلة بالحقوق المدنية، ولا سيما منها الميراث والولاية.. 

"عربي21" تفتح ملف الحقوق الأساسية للمرأة في الإسلام، في سلسلة من التقارير والحوارات الفكرية، في سياق إدارة حوار فكري بناء يسهم في تقديم فهم أعمق للحقوق الأساسية للمرأة في الإسلام ولدورها في المجتمع.

اليوم يواصل الكاتب والباحث المغربي بلال التليدي تتبع رصد موقع المرأة في أدبيات الإسلاميين، ويتناول اليوم النموذجين السوداني والتونسي في أفكار كل من الراحل الدكتور حسن الترابي ورئيس حركة "النهضة" التونسية الشيخ راشد الغنوشي. 

 

المرأة في وعي الإسلاميين

من الصعب أن نرصد بشكل دقيق البدايات الأولى للوعي بالمسألة النسائية عند الإسلاميين، فقد كانت اللحظات التأسيسية محكومة عند منظريهم بمركزية الوظيفة التربوية للمرأة، وبقيت هذه الرؤية تسود في أوساط الإسلاميين كحالة فكرية عامة مؤطرة للعقل الحركي لأكثر من قرن من الزمن، ولم تبدأ الإرهاصات الأولى تشكل الوعي بالمسألة النسائية إلا مع منتصف السبعينيات وبداية الثمانينيات.

والملاحظ، أن هذا الوعي لم يكن متناسبا لدى كل أطياف الإسلاميين، فقد برز في بعض الحالات بشكل قوي ومطرد، وبقيت روح المحافظة سائدة في بعض الحالات، ولم تسلم الحالات التي بدأ فيها التأصيل للمسألة النسائية من توتر فكري، عبر عن اختلاف الأجيال داخل التنظيم الواحد، أو تفاعل الأفكار المحافظة بالأفكار التي بدأت تتسرب إلى رؤية الإسلاميين بخصوص دور المرأة وموقعها في المشروع الحركي الإسلامي.

والملاحظ أيضا، أن العوامل التي ساهمت في تغير عقل الإسلاميين تجاه المسألة النسائية، لم تكن على نسق واحد بالنسبة لجميع أطيافهم، فثمة عوامل سوغت التحول عند البعض، وثمة عوامل أخرى، كانت سببا في تفسير ما انتهى إليه الإسلاميون من تحول فكري بهذا الخصوص.
 
حسن الترابي: المسألة النسائية والاستجابة لداعي التطور الذاتي للحركة

سنكون ربما حذرين في الزعم بأن الإرهاصات الأولى للمسألة النسائية في فكر الإسلاميين تعود لكتابات الراحل الدكتور حسن الترابي، وبالتحديد، رسالتيه: المرأة بين تقاليد المجتمع وتعاليم الدين" و"الأنثى والذكر ومثال الحياة"، فقد وعى الدكتور الترابي مبكرا بوجود تمايز كبير بين التقاليد الانحطاطية التي كونت أفهاما حول المرأة أصبحت هي السائدة والمهيمنة والمشكلة للحالة الفكرية في المجتمع للموقف من المرأة، وبين تعاليم الدين ورؤيته للمرأة وموقعها في المجتمع، بل لقد انتهى في تحليله لهذا التمايز إلى حتمية تغير التقاليد الانحطاطية، وحذر من الحياد حيالها، واعتبر أن تغييرها  بعملية فكرية تأصيلية تنطلق من أرضية تعاليم الإسلام أنجع من الاستلام إليها وهي تتهاوى أمام التحولات العميقة التي مست البنى الإنتاجية والاقتصادية والاجتماعية. فجاءت كتاباته بهذا الخصوص محاولة منه لمواكبة هذه التحولات واستشرافا لموقع الرؤية الإسلامية في تأصيل المسألة النسائية في ظل عالم متغير.
 
على أن التحولات التي أقر الترابي بحتمية تغييرها للتقاليد والأفكار الانحطاطية التي كانت تصوغ رؤية المجتمع وموقفه من المرأة ودورها في المجتمع، لم تكن هي الوحيدة التي أملت اقتحامه المبكر لمجال التأصيل للمسألة النسائية، فقد كانت الحركة كما وضح ذلك في كتابه "الحركة الإسلامية في السودان"  تتبنى الفهم التقليدي حول المرأة ولا تخرج من أسره، ولم يتطور موقفها إلا في عهد الحرية من تشرين أول (أكتوبر) 1964، وقد أقر الترابي أن المراجعة التي حصلت في هذه المحطة لم تكن ذاتية، أي من تلقاء التفقه الذاتي، وإنما جاءت من واقع الاستفزاز والتحدي الذي شكلته التيارات الشيوعية في السودان والتي كانت تكسب أصواتا كثيرة من جهة الماركة النسوية، فاضطرت الجماعة إلى مراجعة موقفها القديم وتم إنشاء "الجبهة النسوية الوطنية"، كما أشار الترابي إلى عامل آخر حفز هذا التحول، وهو ظاهرة خروج المرأة إلى الحياة العامة، فتفاعلت الحركة مع هذا الواقع وأباحت المشاركة السياسية للنساء واعتمدتها حقل مؤسسا في القانون. 

أما التحول الثالث، فقد اعتبر الترابي أنه جاء من تلقاء المراجعة الفكرية والأصولية التي حدثت في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، بعد أن نشطت حركة القراءة والمراجعة والتقييم في السجون. ولم يتردد الترابي في الكشف في كتابه التأريخي للحركة الإسلامية في السودان عن الصدمة والتوتر الذي أحدثته هذه الاجتهادات الأصولية الجديدة، والممانعة الشديدة التي لقيها داخل التنظيم، وما أملاه ذلك من حوار داخلي وتعبئة وتهييء لترسيخ التأصيل الديني للتغيير وتجاوز الرواسب الانحطاطية التي شكلت رؤية المتدينين للمرأة.

 



وقد اتسمت رسالة الترابي المشهورة حول المرأة "المرأة بين تقاليد المجتمع وتعاليم الدين" (38 صفحة فقط) باقتحام القضايا الشائكة في موضوع المرأة، إذ ركز بشكل خاص على قضية أهلية المرأة واستقلالية ذمتها وحريتها، ومساواتها للرجل، ومشاركتها في الحياة العامة جنبا إلى جنب الرجل، وحقها في الشورى والتعبير العام وتنصيب القائمين بأمر المجتمع انتخابا ونصحا، وضرورة شهودها مجتمعات المسلمين العامة ومهرجاناتها. 

ويرجع الترابي، مثلما فعل محمد الغزالي، سبب هيمنة ـ ما يسميه ـ المفاهيم الانحطاطية حول المرأة في التراث الإسلامي إلى سطوة التقاليد وهيمنتها، وينسب الأمر للتقاليد التي تسربت للمجتمع الإسلامي من الثقافة الذكورية الموروثة، سواء كانت من المجتمع العربي أو الفارسي أو الهندي أو غيرها من الشعوب التي دخلت إلى الإسلام، واحتفظت بعاداتها المخالفة للإسلام في نظرتها للمرأة.

يقول الترابي في هذا الصدد: "ويبدو جور التقاليد الوضيعة في كثير من المجتمعات التي تستبد فيها أهواء الذكور كالمجتمع العربي والفارسي والهندي. ولما كان الإسلام قد انتشر في تلك المجتمعات في أول عهده، ولم تكن حركة التوعية بتعاليم الإسلام والتربية بحدوده وتقواه مواكبة لحركات التوسع التبشيري، وقد بقيت بعض تلك الأوهام والأوضاع الجاهلية عبر سيادة المظاهر الإسلامية العامة، وترتب على ذلك أمر خطير هو أن المجتمع الجديد لمَّا قبِل الإسلام من حيث المبدأ معيارا لتوجيه حياته، أخذ ينسب كثيرا من تلك الأوهام والتقاليد القديمة إلى الدين، ليضفي عليها حجية شرعية، وليستبقي نفوذها على نفوس الناس، وقد أخذت كثير من الحيل الفقهية لتكيف الشريعة بما يناسب الأعراف القديمة".

راشد الغنوشي: المسألة النسائية ضمة خيارات الخروج من واقع الانسداد الفكري والسياسي 

لا يتردد الشيخ راشد الغنوشي في تأريخه للحركة الإسلامية في تونس في كتابه: "من تجربة الحركة الإسلامية في تونس" في الحديث عن الأزمة الأولى التي شهدتها الحركة، أزمة اغترابها عن واقعها وعن جذورها الإصلاحية الوطنية، والاستلاب الذي عانته من جراء انغماسها الكلي في تراث الإخوان المسلمين، وأن هذه الصدمة الأولى التي دفعت الحركة للمصالحة مع الأدبيات الإصلاحية التونسية، ممثلة في أدبيات خير الدين التونسي والطاهر ابن عاشور وغيرهم من الإصلاحيين الذين حملوا أفكارا جديدة للمرأة تعتمد إعادة النظر في التراث الانحطاطي، والاعتبار فقط بمقاصد التشريع في مجال المرأة والأسرة. 

بل إن الغنوشي كشف في جانب آخر من تقييمه عن أزمة انسداد أخرى، عاشتها الحركة، تفاعلا منها بسياقات إقليمية ومحلية، واحتكاكا منها بتجارب حركية ومشاريع فكرية، فقد أحدثت كل من الثورة  الإيرانية والانتفاضة العمالية في تونس انقلابا في فكر حركة "النهضة" دفعها للانعطاف للمسألة الاجتماعية، وإعادة صياغة رؤية الحركة من قضية المرأة باعتبارها محورية في المسألة الاجتماعية، كما حفزها التلاقح المبكر بالحركة الإسلامية في السودان، وبفكر الترابي في تعديل رؤيتها بشكل كلي من المرأة. 

 



وقد أقر الغنوشي أيضا، بالدور الذي أحدثته كتابات مالك بن نبي، والذي كانت له نظرات نوعية في قضية المرأة تصدم المـألوف داخل الحركة الإسلامية، وقد ساهمت هذه العوامل كلها في دفع الحركة الإسلامية في تونس إلى إعادة صياغة رؤيتها من قضية المرأة، لجهة تبويئها مكانة مركزية في مشروع تغييري يحاول الإفادة من التجربة الإيرانية والانتفاضة العمالية في تونس لجعل المسألة الاجتماعية عمقه الاستراتيجي. 

وهكذا يتضح، أنه سواء تعلق الأمر بالترابي، أو الغنوشي، فإن الداعي لإعادة صياغة الرؤية تجاه المسألة النسائية، هو حاجات الحركة للتفاعل مع واقع جديد، أو بحثها عن دور جديد يتطلب إعادة موقعة دور النساء في مشروعها التغييري.

تشابهت رؤية الغنوشي إلى حد كبير مع رؤية الترابي، فقد خاض هو معركته مع جملة من المفاهيم التي يرى أنها مغلوطة ومنسوبة إلى الإسلام، والتي ترسخت في أذهان المسلمين عن المرأة، إذ عمد في كتابه: "المرأة بين القرآن وواقع المسلمين"، إلى مراجعة العديد من المفاهيم التراثية ـ التي استفيدت من بعض التفاسير أو من تسرب الإسرائيليات إلى التفاسير، فأصل لفكرة الأصل الواحد للإنسان، وأكد على استقلال شخصية المرأة التي حملت مسؤولية وجودها ومصيرها كاملا، واستواء المرأة والرجل في تلقي خطاب التكليف، كما راجع بعض التأويلات التي تنطلق من بعض النصوص الشرعية لإثبات تميز الرجل وقصور المرأة بالاستناد على قوله تعالى: "وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى" (آل عمران 36) مؤكدا في هذا السياق اجتزاء هذه التأويلات للآية عن سياقها العام، إذ وردت في سياق التكريم، وليس في سياق الحط من قدر المرأة. 

وقد مضى بعيدا في إثبات أصل المساواة بين الرجل والمرأة إلى حد الانتصار لفكرة نبوة النساء (نبوة مريم بنت عمران) مستندا في ذلك على آراء بعض المفسرين كابن حزم من القدماء، والطاهر بن عاشور من المتأخرين. وتعرض بالنقد للمفاهيم التي تضفي على شخصية المرأة وسلوكها طابعا سلبيا شريرا استنادا إلى تفسيرات وتأويلات لقوله تعالى: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (يوسف 28) مبينا في هذا الصدد أن وصف النساء بالكيد في الآية لم يكن حكما إلهيا قاطعا محدّدا للطبيعة الخاصة بالنساء، وإنما هو حكم نسبه عزيز مصر إلى جنس النساء تخفيفا من وقع فعلة زوجته وتهوينا لها، ونوعا من التبرير لموقفها. واستند في الانتصار لهذا التأويل لمجموعة من الآيات التي تؤصل لفكرة المساواة بين الرجل والمرأة في الطبيعة الإنسانية، وأن هذه الطبيعة تحمل استعدادا للخير والشر، وأن الرجل والمرأة سواء في ذلك.

وبعد أن راجع هذه المفاهيم التي تستند على تفسير بعض الآيات، انتقل في القسم الثاني للحديث عن المرأة في واقع المسلمين، فقدم تشخيصا لوضعية المرأة في عصر الانحطاط، والتي تتميز من جهة بالقهر والاستبداد والحرمان والتضييق الذي عانت منه، ومن جهة أخرى بالغزو الاستعماري الذي حمل لواء تحرير المرأة من القيم الإسلامية، ومن جهة ثالثة ـ وهذا خاص بالمرأة التونسية ـ بمساندة ودعم النظام البورقيبي لخطة التغريب الاستعماري. 

وتناول في هذا القسم رؤية الحركة الإسلامية للمرأة، ومتطلبات استعادة مكانة المرأة ودورها في المجتمع، فأعاد طرح قضية علاقة المرأة بالرجل، وعمل المرأة، ومشاركتها في الحياة العامة، وراجع مفهوم الاختلاط، ودواعي ترسخه في فكر الإسلاميين، وقضية القرار في البيوت ودلالاته والموقف الإسلامي منه. 

وأكد الغنوشي على ضرورة أن تضطلع الحركة الإسلامية في هذه المرحلة بمهمة إعادة تشكيل مفاهيم جديدة تعبّر عن كمال شخصية المرأة وحضورها القوي إلى جانب الرجل في الحياة العامة، وطرح بشكل خاص مطلبين اثنين، يتعلق الأول، بالمشاركة العامة للمرأة في الحياة السياسية سيرا على ما جرت عليه أوضاعها زمن النبوة، وكذا في عهد الخلافة الراشدة. ويرتبط الثاني، بمشاركة المرأة المسلمة في الحياة السياسية باعتبارها مرشحة ووكيلة عن قومها، ولم يفته في هذا السياق أن يثير الاختلاف الذي حصل بين العلماء في قضية المرأة والولايات العامة.

وعلى العموم، يمكن أن نختصر مضمون اجتهاد الغنوشي ومراجعاته للقضية النسائية في نص مهم ضمنه كتابه، يقول فيه: "وفعلا، لقد بدأت قناعتنا تتأكد شيئا فشيئا من أن كثيرا من مواقفنا، ومنها موقفنا من المرأة، كانت متأثرة نوعا ما بعدائنا للتمييع البورقيبي من ناحية، وبالصورة التراثية التي تسربت إلى كثير من الكتابات الإسلامية المعاصرة من ناحية أخرى. والحركة الإسلامية اليوم، وهي بصدد التقويم الشامل لمسارها خلال العقدين الماضيين، حتى تكون أقدر على تأطير حصاد المرحلة السابقة، لتمكين هذه الجموع الغفيرة المقبلة على الدعوة من الرجال والنساء من الظروف المناسبة لتوظيف طاقاتها في عملية التغيير الاجتماعي وبلورة رؤية إسلامية للمجتمع الإسلامي البديل".

 

إقرأ أيضا: المرأة ومركزية الوظيفة التربوية في وعي الإسلاميين المؤسسين

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا