آخر الأخبار

كيف تحول "يوم الأرض" إلى إلهام للفلسطينيين والعرب؟

علي سعادة الإثنين، 30 مارس 2020 11:22 ص بتوقيت غرينتش

رحيل خديجة شواهنة، خير ياسين، رجا أبو ريا، خضر خلايلة، محسن سيد طه، ورأفت زهدي، لم يكن شكلا من أشكال الغياب، كان حضورا متواصلا في المشهد الفلسطيني، ما زال ملتهبا رغم مرور 44 عاما على الحدث الذي طالب فيه الشاعر الفلسطيني محمود درويش، الشهيدة خديجة شواهنة بأن لا تدخل في الغياب، لماذا؟ لأننا: 

"سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل..
سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل..
سنطردهم من هواء الجليل".

كان يوم الأرض، كوة واسعة، فتحة تهوية، فضاء ممتدا على مدى البصر للتنفس بحرية وبطولة، فقد تحول ذلك اليوم من صباح 30 آذار/مارس عام 1976 إلى رمز وطني فلسطيني، وأصبح جزءا من ذاكرة وتاريخ الفلسطينيين، بوصلة تشير إلى "قدسية" الأرض وتمسك الفلسطينيين بتراب وطنهم التاريخي.

بالنسبة للسلطات الإسرائيلية لم تكن تتوقع أن يكون قرارها بمصادرة 21 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية في الجليل سببا في ولادة رمز فلسطيني جديد، ضمن الرموز التي يتوارثها الفلسطينيون بعناية فائقة، ويحتفي فيه الفلسطينيون بشهدائهم.

فبعد أن عم الإضراب العام وانطلقت المسيرات الجماهيرية من الجليل شمال فلسطين المحتلة إلى النقب جنوبا، احتجاجا على قرار مصادرة الأراضي، قامت سلطات الاحتلال بقمع المظاهرات بوحشية فارتقى إلى العلى ستة شهداء فلسطينيين وأصيب المئات بجروح، وازدادت حدة المواجهات بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي لدرجة استخدام الدبابات في اقتحام القرى الفلسطينية.

 

 

الحديث عن يوم الأرض يزداد أهمية في الوقت الحالي بعد إعطاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضوء الأخضر لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمصاردة ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وآخرها منطقة غور الأردن



وما صنع من يوم الأرض حدثا مفصليا واستثنائيا في الصراع على الأرض أنه وقع للمرة الأولى في الأراضي التي تعرف إعلاميا بأراضي عرب 1948 التي أصبحت جزءا من "الدولة العبرية" وكان الاحتجاج بصفة جماعية غير مسبوقة في تاريخ الصراع.

واستندت سلطات الاحتلال في مصادرتها للأراضي الفلسطينية إلى "قانون أراض" يسمح لها بمصادرة وتوزيع الأراضي المملوكة لفلسطينيين على مهاجرين يهود بحجة عدم استثمارها من قبل أصحابها، وكانت "إسرائيل" منعت العرب بقرار الحكم العسكري من دخول أراضيهم الزراعية لمدة تزيد على العام وصادرتها. 

وسنت قانون "أملاك الغائبين" الذي سمح للاحتلال بمصادرة الأراضي التابعة للاجئين فلسطينيين نزحوا أو طردوا من بيوتهم في المنطقة التي أصبحت تعرف بـ"إسرائيل" عام 1948. واستخدم أيضا لمصادرة أراضي المواطنين العرب في "إسرائيل "الموجودة داخل "الدولة العبرية"، بعد تصنيفها في القانون على أنها "أملاك غائبة".

ورافق قرار سلطات الاحتلال بمصادرة الأراضي إعلان حظر التجول على قرى سخنين، عرابة ودير حنا وطرعان وطمرة وكابول، شمال فلسطين، فدعا الفلسطينيون وفي مقدمتهم الشاعر توفيق زياد الذي كان يشغل أيضا منصب رئيس بلدية الناصرة إلى أن يكون يوم 30 آذار/مارس يوما للإضرابات العامة والاحتجاجات ضد مصادرة الأراضي.

في صباح ذلك اليوم كانت عائلة خديجة تجلس في البيت، حين سمعوا صوت إطلاق رصاص في القرية واكتشفوا أن خالد البالغ من العمر 8 سنوات ليس معهم، فأرسل الوالد خديجة للبحث عن أخيها ظنا منه أن الجنود الإسرائيليين الذين فرضوا حظر التجوال في حينها، لن يقتلوا خديجة، ولكن عندما خرجت خديجة باغتتها قوة عسكرية إسرائيلية ومن شدة خوفها عادت إلى البيت فقتلها الجنود الإسرائيليون برصاصة في الظهر.

كان استشهاد خديجة (23 عاما) الشرارة التي فجرت المواجهات التي شملت جميع الأراضي الفلسطينية في وحدة نادرة كانت الأولى منذ حرب عام 1948.

ويصف رئيس المعهد العربي الأمريكي في واشنطن الدكتور جيمس زغبي هذه الحالة بأنها ذات "تأثير مشهود على عدة مستويات. ففي المقام الأول، أصبح الفلسطينيون والعرب في الشتات أكثر وعيا بأوضاع إخوانهم في فلسطين 1948 وأخذوا منهم الإلهام".
 
ويرى زغبي أن "صمود وتنظيم وتصميم الفلسطينيين وتكتيكاتهم العبقرية، شكلت مصدر إلهام للكثيرين في العالم العربي".

وتظهر إحصائيات نشرها جهاز الإحصاء الفلسطيني بمناسبة "يوم الأرض" حديثا مساحة الأراضي المصادرة التي تصل إلى نحو 85% من مساحة فلسطين التاريخية، والبالغة حوالي 27 ألف كم مربع، ولم يتبق للفلسطينيين سوى نحو 15% فقط من مساحة فلسطين التاريخية.

ومن هنا كان إحساس الفلسطينيين بخطورة مصادرة أراضيهم وطردهم منها، ومن هذه الزاوية أيضا اكتسب يوم الأرض قيمته الوطنية، وبحسب المفكر الفلسطيني عبد القادر ياسين، فإن الاحتفال بيوم الأرض "ضروري"، حتى لا تنسى الأجيال العربية والإسلامية الجديدة ما حدث. 

وهو ما يتفق معه رئيس الهيئة الإسلامية العليا وخطيب المسجد الأقصى المبارك الشيخ عكرمة صبري، الذي يؤكد أن إحياء ذكرى يوم الأرض يجذر رمزية نضال الشعب الفلسطيني و"مرابطته" في أرضه.

الحديث عن يوم الأرض يزداد أهمية في الوقت الحالي بعد إعطاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضوء الأخضر لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمصاردة ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وآخرها منطقة غور الأردن، وباتت الجغرافيا الفلسطينية، وفقا للكاتب والباحث الفلسطيني نواف الزرو "بكاملها تقريبا تحت أنياب الاستيطان والتهويد"، مؤكدا في حديث لـ"عربي21" أن "الصراع أصبح إلى حد كبير على الرواية والذكرى والذاكرة والوعي الجمعي".

الفلسطينيون حولوا يوم الأرض من ذكرى إلى يوم للكفاح وللصمود. يوثقها الشاعر توفيق زياد بقوله:

هنا..على صدوركم باقون كالجدار 
وفي حلوقكم 
كقطعة الزجاج، كالصبار 
وفي عيونكم 
زوبعة من نار.

وسيبقى الشهداء يرتقون دفاعا عن الأرض كما قال الأديب غسان كنفاني بمناسبة يوم الأرض ذات يوم: "لنزرعهم شهداءنا في رحم هذا التراب المثخن بالنزيف، فدائما يوجد في الأرض متسعٌ لشهيد آخر".

نعم دائما سيكون متسعٌ لشهيد آخر.

 

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا