آخر الأخبار

كنز في علبة كولا!

أحمد عمر الإثنين، 01 يونيو 2020 01:56 م بتوقيت غرينتش

أعدو كل صباح على ضفة نهر الماين، وأنا أسمع قيثارة السماء لا تعني موسيقا بيتهوفن لي شيئاً، ولا موزرات، هي موسيقا يتباهى بسماعها بعض المثقفين.

لا أفهم غناء الأوبرا التي صارت مقياساً للحضارة والحداثة، حتى إني قرأت تقريراً عن بلد عربي حَمِدَ فيه كاتب التقرير دولة عربية صحراوية لأنَّ فيها دار أوبرا، ووصفها بالرائدة! عندما يظهر مشهد أوبرا في فيلم أو برنامج، أكتم الصوت.

هو ليس ركضاً أو عدواً، هو طواف من غير كعبة، ورَمَل من غير اضطباع.

أجد في طريقي عدّائين وطائفين كثيرين حول كعبة الصحّة كما تقول العبارة الأدبية، فأبتسم لهم، وأحييّ بعضهم، وبعضهم يردّ بمثلها. هناك فائدة أخرى لهذا الرَمَل، والرمل هو نوع من الركض، فأنا أكسب في صحيفة أعمالي مكسبين: قليلاً من المال، وأخسر قليلا من الوزن الزائد، وهو مكسب، قد يبلغ مكسبي نصف يورو، وبلغ اليوم يورو كاملاً، وسأوري قصة عثوري على هذا الكنز.

كنت أتصرف في حياتي دوماً كأمير متقاعد، أمير زوى عنه ملكه. والمرء في أوروبا لا يشبع من المال، فالمال دين وعقيدة. أعثر في طريقي على علب كولا فارغة، بعضها له ثمن، يمكن استبدال العلبة الفارغة التي تحمل العلامة التي تشبه علامة كورونا المقتبسة من فيلم "الجحيم"، المقتبس من قصة دارن بروان، بربع يورو، وعندما أعثر عليها، أتوقف، وأتلفت حولي مثل نشَّال، فإن لم أجد أحداً انحنيت على حذائي، وادّعيت  ربط شسع نعلي الذي انفك عقده غير الاجتماعي، ثم أضع العلبة في جيبي، مثل عزيز قوم ذلّ، وأقنع نفسي بأنني: أقوم بثلاثة أعمال مفيدة للصحّة الجسدية والصّحة العامة والصحّة الاقتصادية، فأنا  أنظّف البيئة، وأحارب الهدر، وأعمل تمريناً لظهري بالركوع  لرباط نعلي.

أحياناً أنظف الطريق من أكياس طائرة، كنوع من العبادة، فإماطة الأذى عن الطريق شعبة من الإيمان.

بعد تنظيف الطريق أشعر بأن إيماني قد ازداد.

بلدتنا الألمانية نظيفة، لكنها قياساً إلى جاراتها وسخة الشوارع، السبب هو كثرة النازحين. هادي العلوي كان يعزو الأوساخ في البلاد العربية إلى الاحتلال العثماني، عدواً بغير علم، برهان ذلك اليمن الذي لم يبلغه الاحتلال العثماني، فهو غير نظيف أيضاً.

كان الاحتلال يسمى فتحاً في الكتب المدرسية، صحيح أنَّ الحضارة العثمانية تردّتْ حتى صار اسمها الرجل المريض. الإمبراطوريات تحتضر وتشيخ، هكذا يقول ابن خلدون، عفواً هكذا تقول نواميس النشأة، التي كان ابن خلدون أول من أشار إليها في صيغة علمية. وكان القرآن قد أشار إليها (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها)، وكذلك الأشعار العربية. وقد تكون تركيا أسرع الدول استعادةً لشبابها، وتصير رجل آسيا المعافى. كل البلاد الإسلامية الحالية غير نظيفة، مع أن النظافة في الإسلام شطر الإيمان.

في صغري كان أهلي يلقبونني بالآغا، كنت فقيراً وآغا. انحنى الآغا أربع مرات اليوم على رباط حذائه، وهي أكثر ثروة أحصل عليها في ركضي، وعثرت على العلب الأربع في منتصف طوافي اليوم حول النهر، وعزوت هذه الغنيمة إلى تطيّر الناس من حملها خوفاً أن تكون ملوثة بكورونا، حملتها بيد محمية من برد الشتاء بمعطف اليد الذي يسمونه القفاز، وبحثت عن مكان أخفيها فيه، حتى لا تعيقني عن الجري. وقلت أعود وأغنمها، وكنت أسمع في أثناء ركضي، الشيخ المنشاوي، قيثارة السماء وهو يحبِّر سورة الحديد.

مؤخراً انتبهت إلى قصص ألمانية أصبحت أسمعها حتى تروّض أذني على سماع اللغة الألمانية، وقد سمعت قصة فيرونيكا، سبعاً وعشرين مرة، وأظن أن أذني الألمانية تتحسن. أعجبتني قصة فيرونكا، وهي قصة كلاسيكية تروي حكاية صبية تخاف البحر لأن أهلها غرقوا فيه، وتظنُّ أنها السبب في موتهم، ثم يقنعها حبيبها الرسام أنها متوهمة، وتنتهي القصة نهاية سعيدة.

أخفيتُ ثروتي من العلب الفارغة الأربع تحت كومة عشب، وبلغت غاية الطواف، وهو جسر معدني، أتجنبُ الجريَ عليه عادة، فأنا لا أحب وقع نعلي وصداه على الجسر الذي يتألم من جريي ويئن مع كل خطوة. المشي على صدر أمّنا الأرض أولى، ولها وجيب في القلب. عرجتُ في طريق العودة على مكان الكنز، فلم أعثر على العلب الأربع! بحثتُ كثيراً فلم أجدها.

عزيز نسين، في رواية زوبك يروي قصة كذبة رائعة لأوليا جلبي، وهو رحالة تركي ساخر، كان قد عثر على كنز في الأناضول المثْلجة في الشتاء، وأخفاها تحت الأرض، وعلّمها بغيمة في السماء، وعاد فوجدها، فقيل له: 

كفاك كذباً، كيف يمكن تعليم الكنز بغيمة متزحلقة على صابونة في السماء.

فقال: كان البرد قارساً حتى أنَّ الغيوم تجمَّدت في السماء.

كان عليَّ أنَّ أعلَّم كنزي بعلامة واضحة، قلت: لعل أميراً متقاعداً عثر عليها وغنمها، فمسْكني قريب من مخيّم فيه كثير من الأمراء النازحين أمثالي.

هناك قصيدة لسليم بركات عنوانها "الأمير ذو الذيل المرح" من ديوان عنوانه "فهرست الكائن"، سرد فيها شعراً قصة سنجاب يدَّخر ثمار شجرة الكستناء تحت التراب، والشجرة تنسى.

عدت إلى الجري، وأسِفت لضياع الثروة، وقلت لنفسي مواسياً وأنا تحت المطر الغزير: لعلَّ العلب المعدنية تتحول إلى أربع أشجار خضراء، في الربيع القادم.

twitter.com/OmarImaromar

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا