آخر الأخبار

رواية ذهول ورعدة: خطر الماديّة على القيم الإنسانيّة

عربي21- يوسف حمدان الأربعاء، 22 يوليو 2020 08:13 ص بتوقيت غرينتش

تقدّم رواية "ذهول ورعدة" للروائيّة النرويجيّة إميلي نوتومب عالما مرعبا عن وحشيّة المادة وعنف الثقافة الآليّة المهلكة للروح الإنسانيّة ولفرادة الإنسان ونزوعه نحو الحريّة وامتلاك الإرادة.

 

وتبرز الرواية القسوة التي تجدها في الثقافة اليابانيّة ووحشيّة قوانين العمل الصارمة والمؤسسيّة التي لا تراعي إرادة الإنسان وقيمته وكرامته. وتظهر هذه الوحشيّة في الرواية عبر منظور إميلي إلى عالم شركة الاستيراد والتصدير "يوميموطو" التي يفوق المال فيها "خيال البشر". 


توجّه الرواية نقدا لاذعا للثقافة اليابانيّة وللعمل المنضبط بمعاييرَ رأسماليّة صارمة، والذي تتحوّل فيه القيم الماديّة إلى ثقافة راسخة، كما هو الحال في اتّباع تراتبيّة صارمة وتقديس العمل ونظام "الشركة" بشكل مطلق، "فهمت حقيقة هامة: في اليابان، الحياة هي الشركة". 


تقدّم الرواية ما تعرّضت له إميلي في إحالةٍ واضحة إلى سيرتها الذاتيّة الواقعيّة أثناء عملها في اليابان، حيث كانت من عائلة دبلوماسيّة موفدة إلى تلك البلاد.

 

واجهت إميلي في شركة الاستيراد والتصدير وحشيّة نظامٍ قاهر لكلّ العاملين، الذين يقسون على أنفسهم وعلى بعضهم طاعةً للتقاليد المؤسسيّة والعمليّة على مدار سنة كاملة، وهي مدّة عقد العمل المتّفق عليه.

 

هذا العقد بحدّ ذاته أحد تجليّات الإذلال والإذعان؛ إذ لا تتيح الثقافة اليابانيّة لأطراف المتعاقدين إنهاء العقد قبل إكماله، ويلحق عارٌ مؤذٍ في أيّ عملٍ في المستقبل بمن لا يفي بكامل التزاماته أو ينهي العقد بشكلٍ غير طبيعيٍّ. 

 

اقرأ أيضا : رواية "كأنها نائمة" وبناء حكاية النكبة


وعلى الرغم من أنّ الرواية توجّه سهام النقد واللوم والتحدّي للعاملين في الشركة الذين وضعوا إميلي في مواضعَ لا ترقى إلى المستوى الإنسانيّ، إلا أنّها في المستوى العميق للنقاش ترثي لحالهم وتراهم ضحيةَ ثقافة ماديّة جعلتهم يمتلكون مثلَ هذه القيم ويسلكون مثلَ ذلك السلوك.

 

اليابانيون ملتزمون بشدّة بقوانين العمل ويبذلون جهدا خارقا في الأداء على حساب حياتهم الشخصيّة والعائليّة، وهو ما ينتج عنه خساراتٌ فادحة للأفراد، "فاليابانيّ يرى أنّه لا يعمل بما فيه الكفاية"، وفي نهاية المطاف، أصبحت نسبة الانتحار في اليابان من النسب الأعلى على مستوى العالم.


وتقتنص الرواية بذكاء فريد وسلاسة عالية إشارات إلى روح التراتبيّة الحاكمة للعمل المؤسسي في اليابان من اللحظة الأولى في الرواية؛ إذ تبدأ بذكر أسماء خمسة مسؤولين يمارسون سلطتهم عليها، وكلّ أوامرهم نافذة دون أن يكون لها دورٌ سوى تنفيذ الأوامر ودون مراعاة أيّ بعد فرديّ أو السماح لروح المبادرة منها بالظهور: "كان السيد هنيدا رئيس السيّد أوموشي رئيس السيّد صايطو رئيس الآنسة موري رئيستي.

 

أما أنا فلست رئيسة لأحد. بعبارة أخرى، كنت تحت إمرة الآنسة موري التي كانت تحت إمرة السيّد صايطو، وهلمّ جرّا، مع ملاحظة دقيقة هي أنّ الأوامر الصادرة من فوق يمكن أن تقفز على الدرجات الوظيفيّة دون اعتبار لتلسلها، أي أنني كنت، في شركة يوميموطو، تحت إمرة الجميع". وفي طريقة ساخرة تذكر الرواية في نهايتها أنّ إميلي عندما تستقيل ينبغي عليها أن تقدم استقالتها لهم جميعا، وهي ملزمة بالاعتراف بأنّها مخطئة ومقصّرة!  


وتجعل الرواية الإجابة العاديّة والمتوقّعة من الموظّف دائما هي كلمة "نعم"، فكانت تلك أوّل كلمة تنطق بها إميلي في الشركة، وتكتفي بعد ذلك بطأطأة الرأس. وفور الإعلان عن هذا المبدأ، يُقدّم للموظّفة الجديدة التحدّي الأوّل، وهو كتابة موافقة السيّد صايطو على دعوة شخص يُدعى السيّد آدم جونسون لمشاركته لعبةَ جولف، وكان موقفه لها رادعا لسؤالها بسذاجة: "من هو آدم جونسون؟" هذه المهمة التي تبدو غاية في السهولة تُعقّد أمام إميلي دون أيّ سبب واضح لها، فقد حررت رسالة وديّة لذلك السيّد الذي لا تعرف عنه شيئا، فمزّقها السيّد صايطو بعد "صيحة ازدراء مقتضبة"، وقال لها: "أعيدي".

 

أعادت إميلي فتخلّصت من الوديّة والتلقائيّة في الرسالة الجديدة وكتبت نصّا جافا محايدا، فأطلق السيّد صايطو "صيحته الساخرة، ومزّقه: أعيدي". وتستمر لساعات دون أن يبدي لها مسؤولها إيضاحا عن مكمن الخطأ أو من يكون ذلك السيّد أو ما الطريقة المناسبة التي ينبغي أن تخاطبه فيها.

 

وبعد تمزيق عدد كبير من صيغ الرسالة والإعادات الخالية من المعنى، تبقى هذه الحادثة للتعبير عن الخضوع الذي على الموظّف التحلّي به.


وفي رمزيّة ذات دلالة عميقة، تذكر الرواية في غير موضع مصعدا في البناية التي تقع فيها الشركة ويوصل إليها، ويحمل قيمة رمزيّة لأنّ الحركة فيه تتضمن الانتقال ليس على المستوى المكانيّ فحسب، وإنّما الأكثر أهميّة الوظيفيّ والمعنويّ.

 

وهذا ما يحدث لإميلي بالتحديد، فهي تنتقل في الشركة مكانيّا ووظيفيّا ومعنويّا، ولكن باتجاه واحد، للأدنى دائما! فهي تأخذ بالانحدار الوظيفيّ والمعنويّ من حيث تقدير الذات والإرادة الحرّة، وتُسحب منها مهامُها ومناصبُها وتُعطى في نهاية المطاف مهمة تنظيف الحمامات في الشركة. وحتى مع هذا النوع من العمل، ثمّة تراتبيّة وضرورة محبطة لأوامر وتعليمات لا تتناهى.


وعلى الرغم من أنّ بعض مدراء إميلي من النساء، ولم يختلفن في التعامل معها عن المسؤولين من الرجال، إلا أنّ الرواية ترصد قسوة حياة المرأة في المجتمع الياباني بشكل مضاعف، وهو ما يظهر من خلال الآنسة موري التي تُنادى بـ "فوبوكي".

 

بدت شخصيّة هذه الآنسة معقّدة أكثر من الآخرين بسبب عدم زواجها، رغم ما تملكه من جمال فائق، وبالطبع السبب وراء ذلك انغماسها الشديد في العمل إلى درجة إهمال حياتها الشخصيّة تماما.

 

وصلت فوبوكي إلى عمر متأخّر للزواج في الثقافة اليابانيّة، وهذا من جهة انعكس في سلوكها سلبيّا وصار يشعرها بالخجل، ومن جهة أخرى يشير هذا الأمر إلى مقولة ثقافيّة سلبيّة في المجتمع اليابانيّ تجاه من يفوتها سنّ الزواج. 


ولا بدّ في الختام من التنويه إلى أنّ هذا النقد للمجتمع الذي تسيطر عليه المؤسسيّة الماديّة يُفهم في إطار الروح الماديّة الرأسماليّة الحديثة، ويشمل ذلك دول الشرق والغرب مع الأخذ بعين الاعتبار مضاعفة القيم الماديّة في الغرب.

 

لكنّ الرواية تؤطّر منظورها بشكل مختلف قائم على فكرة استشراقيّة تنمّط المجتمع الشرقيّ بالروح الرأسماليّة الغربيّة ممثّلة باليابان.

 

إميلي على الرغم من أنّها ترثي للمجتمع الياباني بسبب هيمنة هذه القيم، إلا أنّها جعلت نفسها فقط بصفتها غربيّة من كلّ من يعمل في الشركة يرفض تلك الروح، وكذلك لم يُظهر أيّ يابانيّ تعاطفا مع الحالة التي وقعت فيها ولم تتلقَ دعما من أحد! 


وبالإضافة إلى ذلك، تذكر إميلي أنّ مسؤولتها الآنسة فوبوكي تعيد الفرق بينها وبين إميلي إلى الفرق بين الشرق والغرب، في إشارة سلبيّة ضد الغرب في المجتمع اليابانيّ.

 

هذا المنظور السلبيّ يظهر بوضوح في وصف الرواية غضب مسؤوليها بسبب إتقانها اللغةَ اليابانيّة كاليابانيين، وهو أمر يثير الخوف والقلق لأنّ عملاءهم سينظرون لها باعتبارها خطرا على أسرارهم وعملهم.

 

إنّ هذه النظرة لا تُقبل ببساطة وبراءة، فالأعراف الرأسماليّة الماديّة منبعها ومكمنها الغرب بشكلٍ أساسيّ، حتى لو ظهرت في اليابان بشكل مبالغ فيه، فإنّ ذلك لا يستدعي النظر إلى تلك الثقافة على أنّها نقيض الثقافة الرأسماليّة الغربيّة، وكأنّ هذه الأخيرة نموذج رومانسيّ! ويبقى أمر عدم تقدير ثقافة إميلي الغربيّة وهي في اليابان أمرا مشكوكا في قابليّته على اتّخاذه أساسا لتعميم ذلك على اليابان ودول الشرق.  

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا

الملك الظاهر أم سوبر مان؟ 9/16/2020 9:18:31 AM بتوقيت غرينتش
محمود درويش.. سؤال الشعر وتأزم الواقع 9/15/2020 11:33:32 AM بتوقيت غرينتش