آخر الأخبار

التنوير البريطاني وسوسيولوجيا الفضيلة (1من2)

توفيق المديني السبت، 08 أغسطس 2020 12:03 م بتوقيت غرينتش

الكتاب: حركة التنوير بريطانيا وخلق العالم المعاصر 
المؤلف:روي بورتر، ترجمة هدى عبد الفتاح الكيلاني
الناشرك الهيئة العامة السورية للكتاب، الطبعة الأولى 2020، 
(عدد الصفحات 535 من القطع الكبير).

جلب نصف القرن الذي تلا عام 1660 تحولات حاسمة للقوة السياسية البريطانية وعقائدها الفكرية المتصادمة؛ فقد أفضت الحرب الأهلية التي امتدت لسنوات إلى قطع رأس الملك تشارلز الأول في 30 كانون الثاني (يناير) 1649، وتأسيس جمهورية وإلغاء مجلس اللوردات وهيئة الأساقفة، وتولى زمام الأمور أوليفر كرومويل، الذي لُقب بحامي الكومنويلث، ومن حوله القادة العسكريون؛ أحداث جلّى دفعت بالشاب جون لوك إلى حافة اليأس بسبب "ما حلّ في إنجلترا من هرج ومرج". 

في فترة خلوّ العرش، تعرّض حكام إنجلترا التقليديون إلى الضرب والإهانة، فقد جرى تخليص شعب الله المختار أو تدميره على أيدي جنود "جيش إنجلترا الجديد"، المبشرين المتشددين والدعاة غير الأخلاقيين الذين يقترحون خططاً حول "القدس الجديدة" تتراوح ما بين الدعوة إلى الاشتراكية التي نادت بها "جماعة الحفارين" والمناداة بحياة جنسية طليقة من قبل "جماعة المتشدقين"، هذا ما يفسر حالة الارتياح الواسعة التي سادت بعد عودة النظام الملكي. كان جون إيفلين (John Evelyn) قد كتب في "يومياته" عن اليوم الذي دخل فيه الملك تشارلز الثاني لندن ممتطياً صهوة جواده: "لا أبهج من هذا اليوم، وقفت على الشاطئ، ورأيت هذا المشهد وحمدت الله".

في هذا الكتاب الضخم، الذي يحمل العنوان "حركة التنوير بريطانيا وخلق العالم المعاصر"، للكاتب البريطاني روي بورتر، والمتكون من مقدمة وعشرة فصول، يقدم الكاتب سمات التنوير أنها العقل والحقوق الطبيعية والحرية والمساواة والتسامح والعلم والتقدم، حيث إن العقل يترأس القائمة باستمرار، فإن ما يميز التنوير البريطاني عن التنوير الفرنسي، هو أن الأول يركز على "الفضائل الاجتماعية"، التي تعني "الشفقة، والأريحية، والتعاطف التي اعتقد الفلاسفة البريطانيون أنها تربط الناس بعضهم ببعض بصورة طبيعية، وغريزية، وفطرية". 

ولم ينكر الفلاسفة البريطانيون العقل، فهم لم يكونوا لاعقلانيين على الإطلاق. لكنهم أعطوا للعقل دوراً أداتياً ثانوياً، ولم يعطوه الدور الأول الحاسم الذي أعطاه له الفلاسفة الفرنسيون. وبالتالي، لكي نعيد للبريطانيين الشهرة والأهمية، فلا بد من توجيه الانتباه إلى موضوع لم يرتبط دائماً بالتنوير وهو الأخلاق الاجتماعية الواضحة، أو الضمنية في كل صنوف التنوير هذه.

كانت بريطانيا مقحمة في الصراع المدني والحروب الدينية، ونشبت الأزمات في إثر ارتقاء الملك جيمس الثاني العرش عام 1685 بعد أن كانت خامدة إبان سنوات الانحطاط من حكم الملك تشارلز. فشلت ثورة مونموث فشلاً ذريعاً عند سيدجيمور ولكن، في أعقاب تلك الهزيمة، عمدت سياسة القمع الملكية الاستبدادية إلى إقصاء كبار السياسيين والأساقفة، والأرستقراطيين المتنفذين، والمؤسسات المدنية والجامعات. وجد المحافظون الطبيعيون أنفسهم مؤقتاً زملاء الأشخاص المتهورين في التنكر لنظام يزدري الشرعية والحقوق، ويفرض حكمه أكثر فأكثر من خلال الامتيازات المقصورة عليه، التي تعبق بمعتقدات الكنيسة الكاثوليكية.

يقول الكاتب روي بورتر: "الملك فقط هو الذي تمنى ألا يضطر إلى السفر ثانية، فقد كانت الدولة السياسية القديمة عازمة على تحقيق الاستقرار، وبالنسبة إلى معظم أعضاء برلمان الفرسان كانت عودة الملك تشارلز الثاني تعني الانتقام من أولئك الذين أحدثوا فوضى كبيرة في البلاد، وإخضاعهم، الذين، كما تبيّن في النهوض الملكي الخامس عام 1662، كانت لديهم كل النيّة لتكرار ذلك ثانية. اتُخذت التدابير لإعادة الأمور الى نصابها، واستُعيدت الكنيسة الأغليكانية، بأساقفتها ومحاكمها ومعظم امتيازاتها. وأعيد فرض الرقابة من جديد، وكذلك دستور كليرندون، وقانون النقابات (1661)، وقانون التماثل (1662)، وقانون الاجتماعات السرية (1662)، وقانون الأميال الخمسة (1665) وقوانين الاختبار (1661 ـ 1673)، فضيقت تلك القوانين حرية كل من لا يؤمن بالكنيسة الأنغليكانية" (ص 80 من الكتاب).

عقلنة الدين  

منحت السلطة التشريعية البروتستانت قانون التسامح الديني، إلا أنه أرجىء حتى عام 1717، لم يلتئم بعدها المجمع الكنسي الإنجيلي لقرن ونيف من الزمن، الأمر الذي جرّد الكنيسة من (هيئته التشريعية)؛ وفقدت المحاكم الكنَسية نفوذها. بحلول عام 1800، انطفأ بريق الصلوات التي كان يقيمها أساقفة البلاط الملكي في الأديرة، وزال تهديد الكهنة المتواطئين الواعظين أمثال أسقف أتيربري، والغوغائيين المضللين أمثال هنري ساتشفريل أو المجادلين الواعظين أمثال ديين سويفت، تحولت إنجلترا في العديد من الجوانب المهمة إلى "دولة علمانية"، والعالم الذي رغب الرّبوبيون و"السيد سبكتيتر" في أن يكون عالماً آمناً تجاه الثيوقراطية البابوية والبيوريتانية قد تحقق على نطاق واسع.

انشغل الكهنة فعلياً في علمنة أنفسهم، وذلك من خلال اتباع أسلوب حياة يختلف تماماً عن أسلوب حياة إخوانهم؛ فقد كتب الرحالة السويسري دي سوسير عن ذلك: "يفاجأ الغريب حين رؤيته رجال الدين يرتادون الأماكن العامة، والحانات والمطاعم، حيث يدخنون ويحتسون المشروبات كغيرهم من الأشخاص العاديين؛ ولكن بما أنهم لا يلحقون العار بأحد، فإنك سرعان ما تألف مشاهدتهم". 

 

العقل هو إلهام طبيعي، الذي بوساطته ينقل خالق النور وينبوع المعرفة، إلى البشرية ذلك القدر من الحقيقة التي وضعها في متناول المقدرات الطبيعية للبشر.

 


لا تنبع شهرة العديد من رجال الدين الأنغليكانيين من سلوكهم المتدين أو من ورعهم، بل من الإنجازات التي تمكنوا من تحقيقها في عوالم أخرى: فقد برز، على سبيل المثال، ويليام درهام وويليام واربورتون وريتشارد هرد في التدريس، وجورج بيركلي في الفلسفة، وتوماس بيرسي ولورنس سيترن في الأدب، وإدوارد يانغ وجورج كراب في الشعر، وويليام جيلبن في العلوم الجمالية، وهورن توك في فقه اللغة، وتوماس روبرت مالثوس في الاقتصاد السياسي، هذا فضلاً عن مئات القساوسة البروتستانت الريفيين الذين برعوا في الشعر وثقافة العصور القديمة أو متابعة قضايا المحكومين. 

يقول الكاتب البريطاني روي بورتر: "لقد كفت العقول النيرة عن جعل الدين مساوياً لمجموعة الوصايا العشر، المنقوشة على الحجر، والمنتشرة داخل الكتب المقدسة، المسلّم بها دينياً وتراقبها الكنيسة. أضحى الإيمان مسألة حكم شخصي، وأصبح المنطق الفردي هو الذي يفصل بين الديانات المتعددة التي أقرّها مبدأ التسامح القانوني. في غضون ذلك، فقدت الكنيسة الأنغليكانية احتكارها موضوع التربية والثقافة وفرض التعاليم الأخلاقية. وبما أن الدين أصبح خاضعاً للمنطق والعقل، لم تعد الديانة المسيحية "حقيقة مقررة" بل أصبحت أمراً قيد التحليل والاختيار. وهذا يعني لبعضهم نزوعاً نحو الشك أو الرفض" (ص 230 من الكتاب).

مع أفول القرن السابع عشر، تعالت صيحة أقوى من أي وقت مضى: الدين والمنطق هما أمرٌ واحدٌ ويجب أن تقوم بينهما علاقة انسجام متبادلة. ذكر بنجامين ويتشكوت قائلاً: "لا شيء منطقي من حيث الجوهر كما الدين" واتفق جون لوك في الرأي مع هذا الأفلاطوني القدير من جامعة كامبريدج. دلّت الأحداث التاريخية على أهمية هذا التحالف، في إشارة غضب إلى الحروب الدينية السابقة، سواء الكاثوليكية منها أو البيوريتانية التي تولت قيادة "سلاح المدفعية الناجع". ما كانت تسعى إليه الأمة السياسية هو دين عقلاني، يشمل القضاء على عبادة الأوثان والسلطة الكهنوتية، فقد انبثقت حركة التنوير في بريطانيا من رَحمِ البروتستانتية وليس ضدها.

اعتقد أدباء التنوير أن الدين يجب أن يكون عقلانياً، كما يليق بفكر الله وطبيعة الإنسان. بعد رفضهم للصورة المخيفة ليهوه المحب للانتقام من الخطائين الأشرار، أنشأ الكهنة المتنورين نظاماً لاهوتياً أكثر تفاؤلاً (بيلاجيوسي)، معلنين عن إحسان الذات العليا وقدرة الإنسان على أداء واجباته من خلال المقدرات التي منحه الله إياها، التي يتوّجها العقل، وهو شمعة الرب. يجب ألا ننظر إلى الخالق بأنه يهوه، ربّ الجنود، بل كرئيس دستوري للدولة. عبّر فيكونت بولينجبروك عن رأيه قائلاً: (الله هو ملك، لكنه ليس ملكاً مستبداً بل دستورياً). إن قدرة الله محكومة بفكره.

فالعقل هو إلهام طبيعي، بوساطته ينقل خالق النور وينبوع المعرفة، إلى البشرية ذلك القدر من الحقيقة التي وضعها في متناول المقدرات الطبيعية للبشر.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا