آخر الأخبار

حدود استفادة العرب من تجارب الانتقال الديمقراطي

بلال التليدي الثلاثاء، 15 سبتمبر 2020 12:12 م بتوقيت غرينتش

الكاتب: "الانتقال إلى الديمقراطية: ماذا يستفيد العرب من تجارب الآخرين؟"
الكاتب: علي الدين هلال
الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت- سلسلة عالم المعرفة،
ديسمبر 2019
عدد الصفحات: 272

يمثل سؤال الانتقال الديمقراطي تحديا حقيقيا في العالم العربي، لا سيما منذ انطلاق ما يُعرف بـ "ثورات الربيع العربي"، وما صاحبها من تنامي مطالب الانتقال الديمقراطي.. وعلى الرغم من فداحة الثمن الذي دفعته الشعوب العربية من أجل تغيير واقعها السياسي وإنهاء أنظمة الحكم الاستبدادي التي هيمنت عليها خلال عقود الاستقلال التي أعقبت إنهاء الحكم الاستعماري الغربي، فإن النتائج السياسية على الأرض لم تكن في حجم هذه التضحيات.

 

ولأن الإنجاز الديمقراطي كغيره من الاجتهادات البشرية هو عمل تراكمي، فإنه يسعى الكاتب والباحث المصري الدكتور علي الدين هلال إلى طرح تحديات الانتقال الديمقراطي في العالم العربي من خلال عرض تجارب عدد من الشعوب.. 

 

وقد نشرت "عربي21"، في وقت سابق عرضا لكتاب علي الدين هلال، بقلم الكاتبة والباحثة الفلسطينية عبير فؤاد، وتنشر اليوم قراءة جديدة لذات الكتاب للكاتب والباحث المغربي بلال التليدي، لتعميق الوعي المعرفي بدقة المرحلة التاريخية التي تمر بها المنطقة العربية عامة والعالم بوجه عام، ثم وهذا هو المهم، لمقارنة تجارب الانتقال الديمقراطي في العالم، باعتبار أنها إنجاز بشري يمكن الاستفادة منه.

 

جدوى التأليف في الانتقال الديمقراطي

 

كثيرا ما يطرح جدوى التأليف في الانتقال الديمقراطي لاسيما في العالم العربي الذي يعرف حالة استعصاء تامة، فالربيع العربي الذي أفرز ثوراته، لم يفرز إلا تجارب متعثرة عانى منها مسار الديمقراطية طويلا قبل أن يواجه النكوص والانتكاس، فأضحت كلمة الديمقراطية تعني الدخول في معاناة قاسية مع بطش الحكام وانتهكاهم للحريات في العالم العربي، وحتى التجربة التونسية التي مثلت حالة استثناء في العالم العربي، تواجه خريفها البطيء، بعد دخول الصراع المؤسسي إلى مستويات حادة، انتهت بالتجربة السياسية إلى وضع الأحزاب السياسية في الدولاب، وإسناد الحكم لكفاءات وطنية، لا علاقة لها بالأحزاب السياسية.

ومع ذلك، يجرب هذا الكتاب إعادة طرح السؤال، لا من زاوية متابعة تعثرات المسار الديمقراطي في العالم العربي، ولكن من زاوية متابعة تجارب الانتقال نفسها، والتماس دروسها، لاسيما ما يتعلق بالتجارب الديمقراطية، والمضمون الديمقراطي، وهل يرتبط بالشكل أم يتجه إلى جودة الحكم، وما الانتقادات التي توجه إلى هذه التجارب وما أوجه الإفادة منها.

قد تبدو هذه الدروس أبعد عن التمثل عربيا، فالعالم العربي لم يستطع توطين تجربته الديمقراطية ولو في حدودها الدنيا، فبالأحرى أن يقرأ دروس التجارب الديمقراطية وأشكال تطوير النموذج الديمقراطي والارتقاء بشكله ومؤسساته إلى مستوى تطوير المضمون الديمقراطي الذي يهم نوع الحكم وجودته والسياسات العمومية التي ينتجها.

لكن، قصد الكاتب من استلهام هذه الدروس، هو محاولة بحث تعثرات التجربة الديمقراطية لا توطينها، إذ يرى أن هذا الهدف لا يمكن تحققه إلا من خلال تحليل تجارب الانتقال الديمقراطي ومقارنة بعضها ببعض وبحث مدى ملاءمتها للخصوصية العربية، ثم بحث مضمون الديمقراطية التي يراد للعالم العربي أن ينتقل إليها، وهل المقصود الديمقراطية في بعدها المؤسسي والشكلي أم المراد نوع الحكم ومضمونه وجودته والسياسات العمومية التي ينتجها ومدى ملاءمتها ومناسبتها للشعب.

الديمقراطية بين القيم والمؤسسات

يدشن الكاتب فصله الأول لإثارة التساؤل التقليدي حول مضمون الديمقراطية وهل يقصد بها المؤسسات أم يقصد بها القيم، وينتهي إلى أن التجربة الديمقراطية ومواكباتها الفلسفية والسياسية، خلصت إلى أن النظام الديمقراطي يقوم على أساسين مجموعة من القيم الني تمثل الثقافة الديمقراطية، ومجموعة من المؤسسات والترتيب التنظيمية التي تتمثل وتجسد تلك القيم، ويستعرض الباحث مختلف آراء الباحثين في علم السياسة بخصوص الديمقراطية، ويرى أن قيمها الثقافية، تتمحور حول التعددية الذي يتضمن مفهوم التسامح واحترام الآراء المخالفة، والحرية والتي تعني التحرر من القيود وتحرير الإرادة والاختيار، وما يتعلق بها من مباحث تخص حدود ممارسة الحريات وإشكالية العلاقة بين الأغلبية والأقلية في النظام الديمقراطي، ثم قيمة العدل التي تجعل الأفراد متمتعين بحقوقهم وحرياتهم في إطار مكن تكافؤ الفرص دون تمييز بينهم، في حين، ركز الكاتب ضمن مؤسسات الديمقراطية على حكم القانون والفصل بين السلط وتعدد الأحزاب، ووجود مجال عام مفتوح حر، وانتخابات عامة دورية نزيهة.

في تفسير نشأة النظام الديمقراطي وانهيار النظم السلطوية

بعد هذا الفصل المدرسي الذي تناول الديمقراطية من زاوية القيم والمؤسسات، اتجه الباحث إلى استعراض مختلف الآراء العلمية التي احتضنها علم السياسة مع تعقبها بجملة انتقادات، في تفسير نشأة النظم الديمقراطية، مستهلا بالاتجاه الذي يرى أن توافر منسوب التنمية والتحديث (النمو الاقتصادي، وجود طبقة وسطى عريضة ونظام طبقي مرن، ارتفاع نسبة التعليم، ثقافة داعمة لمؤسسات النظام الديمقراطي) هو الذي يدفع في اتجاه الدمقرطة، ومعرجا على اتجاه مقابل يفسر نشأة الديمقراطية بنظرية النخب والفاعلين وتفضيلاتهم لاسيما في فترات الاضطراب الاجتماعي، ثم اتجاه التحليل البنيوي الذي يركز على دور نمط توزيع القوة الاقتصادية والاجتماعية في تفسير نشأة النظم الديمقراطية .

وفي مقابل تفسير نشأة النظم الديمقراطية أفرد الباحث فصلا حاول فيه تفسير أسباب انهيار النظم السلطوية، مركزا في ذلك على أهم الاتجاهات النظرية التي حاولت تأطير هذا السؤال البحثيّ، فبعد أن يعرض لسمات النظم السلطوية وانقسامها إلى سلطوية نقية لا تقبل بالحد الأدنى من المشاركة السياسية، وسلطوية هجينة، تقبل بديمقراطية الواجهة وقدر من المشاركة السياسية الموجهة والمتحكم فيها، ينطلق إلى تحليل ظاهرة انهيار النظم السلطوية، ويريد ثلاث اتجاهات في تفسير ذلك، الاتجاه الذي يركز على تفاعلات الداخل، وشكل النظام السلطوي ونوعية القوى الداعية للتغيير، وكيف تلعب الأزمات في انهيار النظام السلطوي، ثم الاتجاه الذي يركز على تأثيرات الخارج ويقصد بهما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي، والمنظمات الإقليمية، إذ يورد الكاتب في هذا الاتجاه سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في ترقية الديمقراطية واثرها في انهيار بعض الأنظمة السلطوية، ثم اتجاه ثالث اصطلح عليه الباحث بالشرارة ويرمز بها إلى تفاعلات الداخل وتدخلات الخارج ودور ذلك في استداد الخناق على الأنظمة السلطوية وما يشكله ذلك من اندلاع شرارة انهيارها. ويقدم الكاتب لكل اتجاه تفسيري من هذه الاتجاهات نماذج تدعمه من تجارب انهيار النظم السلطوية في العالم.

 

اكتفى الفصل الخاتمة بالحديث عن بعض أعطاب النظام الديمقراطي وجملة الانتقادات التي توجه إلى التجارب الديمقراطية دون أن يلزم نفسه باقتحام السؤال الملح المتعلق بتوطين الديمقراطية في العالم العربي وتعثراتها، وهل الأمر يتعلق بجوهر النظام السلطوي، أم بدعم الخارج له، أم بقصور النخب السياسية، أم يتعلق بمجموع ذلك، مع أن العنوان الثانوي لكتابه، ضم سؤالا مهما يتعلق بكيفية استفادة العرب من تجارب الآخرين.

 



ويركز الكتاب في فصل رابع، على عملية الانتقال الديمقراطي تجاربها ودينامياتها المختلفة، فبعد أن يعرف مفهوم الانتقال الديمقراطي، يؤكد بأن هذه العملية ليست بالضرورة خطية أو ذات اتجاه واحد، وإنما تشهد لحظات من الازدهار والانتكاسة والتقدم والتباطؤ، فيشير بهذا الخصوص لأنماط الانتقال إلى الديمقراطية، نمط الانتقال من أعلى، ودور النخبة الحاكمة في تجسير الانتقال إلى الديمقراطية، ونمط التفاوض بين نخب الحكم والمعارضة، ثم نمط الانتقال من أسفل ومحورية التعبئة الجماعية والفعل المباشر في تحقيق الانتقال الديمقراطي، ويلفت الانتباه لنمط رابع من الانتقال من خلال الاحتجاجات الشعبية والثورات الانتخابية، ثم يختم هذه الأنماط بنمط خامس يلعب فيه الخارج دور الذي يفرض الديمقراطية بالقوة.

في مضمون تعزيز الديمقراطية

لم يقتصر الكاتب على بحث الديمقراطية وخيارات تفكيك النظم السلطوية وأشكال الانتقال إلى الديمقراطية، بل ركز أيضا على قضية تعزيز الديمقراطية، مستعرضا في ذلك مختلف الأدبيات التي حاولت مقاربة مفهوم تعزيز الديمقراطية، وهل يعني ذلك مجرد استمرار المؤسسات الديمقراطية وديمومتها، أم تحصينها من التهديدات، أم جعل المؤسسات الديمقراطية تقترب من المثل الديمقراطية، أم المقصود تنظيم الديمقراطية أو استقرار مؤسسات الحد الأدنى من الديمقراطية أم المقصود هو سيرورة من الدعم المتواصل لتعزيز وإسراء النظام الديمقراطي قيما ومؤسسات وذلك من خلال الرهان على البعد الدستوري المؤسسي، والتعزيز التمثيلي النيابي والتعزيز السلوكي الذي يهم سلوكات الفاعلين السياسيين باتجاه الديمقراطية أو التعزيز على مستوى دعم إنتاج الثقافة الديمقراطية، ويعتبر الباحث من خلال استقراء أدبيات علم السياسة التي قاربت العوامل المدعمة للديمقراطية، أن الديمقراطية تتعزز وتتدعم من خلال تراكم الشرعية والاستقرار وتضييق نطاق استعمال السلطة بالقانون، وإشاعة روح الاعتدال والرشد في إدارة الصراعات فضلا عن التدبير الأمثل للعلاقة بين القوة العسكرية وبين القوة المدنية وخضوع العسكريين للحكومة المنتخبة.

وفضلا عن الاشتغال بمضمون تعزيز الديمقراطية، يطرح الكاتب سؤال حدود الانتقال إلى الديمقراطية من خلال استعراض ديناميات النظام الديمقراطي وتطوره من الديمقراطية التمثيلية إلى الديمقراطية الليبرالية ثم الليبرالية التوافقية ثم الرقمية ثم التشاورية، مؤكدا في هذا السياق ظاهرة تطور الديمقراطية ودينامياتها وقدرتها على التكيف مع الظروف المستجدة، وأنه لا يوجد شكل مؤسسي جامد يمكن أن ترتهن إليه.

أي مستقبل للديمقراطية في العالم العربي

مع كل الجهد النظري الذي قدمه الباحث في استعراض آراء علماء السياسة في الديمقراطية والانتقال الديمقراطي وأنماط الانتقال إليه وطرق وكيفيات تعزيز الديمقرطية، وكذا الانتقادات التي توجهت لكل تجربة على حدة، إلا أن الفصل المرتبط بمستقبل الديمقراطية لم يقدم أي جواب عن الحالة العربية، فقد اكتفى بهذا الفصل الخاتمة بالحديث عن بعض أعطاب النظام الديمقراطي وجملة الانتقادات التي توجه إلى التجارب الديمقراطية دون أن يلزم نفسه باقتحام السؤال الملح المتعلق بتوطين الديمقراطية في العالم العربي وتعثراتها، وهل الأمر يتعلق بجوهر النظام السلطوي، أم بدعم الخارج له، أم بقصور النخب السياسية، أم يتعلق بمجموع ذلك، مع أن العنوان الثانوي لكتابه، ضم سؤالا مهما يتعلق بكيفية استفادة العرب من تجارب الآخرين.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا