آخر الأخبار

ارتسامات النهوض العربي.. محمد علي وعبد الناصر في الميزان

رباب يحيى الثلاثاء، 12 يناير 2021 12:15 م بتوقيت غرينتش

الكتاب: "محمد علي وعبد الناصر.. ارتسامات النهوض العربي.. الصعود والانكسار"
المؤلف: فرحان صالح
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2018.

ماذا يحدث في منطقتنا العربية الآن؟ ما الذي يحدث في سوريا والعراق واليمن وليبيا؟ لماذا تتواجد الدول الكبرى بشكل أو بآخر في تلك الدول؟ هل القضية قضية مصالح ومنابع للنفط ومصادر للمادة الخام؟ أم هو البحث عن مناطق النفوذ ومواطئ الأقدام؟ أم هي المحاور والتحالفات لحماية هذه الأطراف المحلية أو تلك؟ أم هو السعي بكل وسيلة لعدم قيام قوة كبرى منظمة تملك إرادتها وتفرض نفوذها على المنطقة؟

رغم أن لكل احتمال من تلك الاحتمالات ظلاً من الحقيقة، إلى أن الكاتب فرحان صالح في كتابه "محمد علي وعبد الناصر.. ارتسامات النهوض العربي.. الصعود والانكسار" يسعى للبحث عن جذور وبداية التدخل الأجنبي في منطقتنا، منذ أن عرف وطننا العربي أولى موجات الغزو الاستعماري الأوروبي ممثلاً في الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت على مصر والشام (1798- 1801).

حول مصر الحديثة يرسم فرحان صالح "ملامح الصعود والانكسار"، بين محمد علي وعبدالناصر، ويضع تجربتهما/ مشروعهما في ميزان التاريخ، في لحظة تاريخية تشهد فيها منطقتنا العربية تحولات كبيرة بفعل انتفاضات شعبية تمثل تراكماً لارتسامات النهوض العربي في مشروعي محمد علي وجمال عبدالناصر. ولتعامل الدول الأوروبية مع مصر بأنماط مختلفة: سواء باحتلالها في عام 1882، أو بمحاولة ضمها إلى سياسة الأحلاف العسكرية في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين، أو بمعاداتها سياسياً وعسكرياً كما حدث في 1956، أو بالتآمر عليها في 1976، أو جرها إلى مستنقع التسويات الاستسلامية منذ سبعينيات القرن العشرين حتى الآن.

جذور وبداية التدخل الأجنبي في منطقتنا:

يقول المؤلف في ص (35): "من المعروف أن نابليون كان قد احتل مصر عام 1798، وانسحبت منها الحملة الفرنسية عام 1801، بعد أن تركها قائدها وعاد إلى فرنسا سراً، وكان ذلك بسبب المواجهات الحادة التي واجهته في مدينة الأسكندرية التي لم يتجاوز عدد سكانها آنذاك العشرة آلاف نسمة، وكان على رأس المقاومة محمد كريم الذي أُعدم فيما بعد، لقد تزعم كريم حركة الدفاع عن الإسكندرية بإمكانيات تقليدية ضعيفة، لم يستسلم السكان الذين أوقعوا في الفرنسيين مئات القتلى، في حين ذهب من المقاومين الآلاف".

لقد تغلغل الفرنسيون بصعوبة متناهية في الأراضي المصرية، فواجهتهم في كل قرية أو مدينة مقاومة شرسة، تلك المقاومة التي لم يكن يتوقعها نابليون الذي كان يرى أن احتلال مصر مقدمة أولى لتأسيس إمبراطورية فرنسية في الشرق، ومنها سيتم التغلب على أوروبا المتألبة على فرنسا، لكن الأمور لم تجر كما يشتهي، فواجه الجيش الفرنسي مقاومة مصرية عنيفة، وهو ما دفع الفرنسيين إلى اعتقال آلاف المصريين وإعدامهم، ولم يكتفوا بذلك، بل وجهوا نيران مدافعهم إلى قلب العاصمة ـ القاهرة ـ لهدم أماكن التكتلات الشعبية في المساجد والأسواق وغيرها، وأعدموا المقاومين بقطع رؤوسهم والطوفان بها في الطرقات، إرهاباً للمصريين.

لكن بمعزل عن مقاومة الشعب المصري وعن صور التنكيل الفرنسية البشعة التي مورست بحق هذا الشعب، إلا أن أثر الحملة الفرنسية كان قد شكل انعطافة تاريخية في بنية المجتمع المصري ومرتكزاته الأيديولوجية والفكرية: النظام الدستوري والانتظام أمام القانون، وتأسيس المجمع العلمي، وانتشار المدارس، والبرلمان، وإصدار كتب وصحف.

كانت حملة نابليون سبباً أساسياً لوجود محمد علي، الذي أتى مع الحامية العثمانية لمحاربة الفرنسيين الذين احتلوا مصر، وللمفارقة فقد كان موقع محمد علي في الحملة عام 1800 وكيلاً لقائد الفيلق المقدوني، لكن قائد الحملة من حسن حظ محمد علي اضطر إلى العودة إلى مقدونيا، فخلفه محمد علي في قيادة الحملة التي أُعدت لمحاربة الفرنسيين، ورُقي محمد علي بعد تسلمه لقيادة الحملة إلى رتبة بكباشي.

 

لقد تغلغل الفرنسيون بصعوبة متناهية في الأراضي المصرية، فواجهتهم في كل قرية أو مدينة مقاومة شرسة، تلك المقاومة التي لم يكن يتوقعها نابليون الذي كان يرى أن احتلال مصر مقدمة أولى لتأسيس إمبراطورية فرنسية في الشرق،

 



من المفارقات الأخرى التي يرصدها الكاتب، أن محمد علي وُلد عام 1769، أي في نفس العام الذي ولد فيه نابليون بونابرت، وقد نشأ محمد علي في عائلة مقدونية فقيرة، أي في البلاد التي نشأ فيها الإسكندر الأكبر، الذي تأثر به محمد علي، وحاول بناء قوة إقليمية قاعدتها مصر.

على مدى صفحات الكتاب، يرصد الكاتب الارتباط السببي والتشابه بين ماحدث لمشروع الدولة المصرية في عهد محمد علي (1805 ـ 1849)، وما حدث في عهد جمال عبد الناصر (1952ـ 1970)، فمحمد علي وعبد الناصر كلاهما أقبل على رأس ثورة، وكلاهما استهدف قيام الجيش الوطني من المصريين، فأتاح لهم بعد عصور طويلة من تحريم السلاح، أن يمسكوا به، ويشهروه، دفاعاً عن الأمن القومي المصري، فمنذ 520 ق.م تعرضت مصر لغزوات أجنبية مدمرة، حيث حطم الغزو الفارسي الأسرة الفرعونية السادسة والعشرين، وبعد صحوة قصيرة تعرضت للغزو الفارسي ثانية، ثم غزو الإسكندر الأكبر 332 ق.م وحتى ثورة يوليو 1952، زهاء 25 قرناً لم تعرف مصر خلالها حاكماً واحداً من أبنائها، لقد رسم عبدالناصر الشخصية المصرية التي لم يكن أحد من الغزاة معنياً بتمثيلها، أو التعريف بها.
 
وقد كان محمد علي برتبة "بكباشي"، وعمره 36 عاماً حين خضع الباب العالي لإرادة المصريين وعينه والياً على مصر في تموز (يوليو) 1805، وكان عبد الناصر بالرتبة ذاتها، والعمر نفسه حين انفرد بسلطة الحكم في مصر بعد هذا التاريخ بقرن ونصف.

كانت الصناعة ترادف التحديث في عصري محمد علي وجمال عبدالناصر، فقد شرع محمد علي، عام 1829، بعد تحطيم جميع سفن الأسطول المصري تقريباً، في موقعة "نفارين البحرية"، عام 1827، في بناء دار كبرى للسفن هي "الترسانة البحرية بالأسكندرية"، وفي عام 1831 أنزل إلى البحر أول سفينة ذات مائة مدفع، ثم شيد بجانبها مصانع لصب المعادن والحدادة والبرادة، وصناعة أقمشة الأشرعة، كما أقام مصانع جديدة في القاهرة ورشيد، من بينها ثلاثة مصانع للسلاح بنيت على الطراز الفرنسي المتقدم، كما شيد مصانع لغزل ونسج القطن، ومصانع للسكر، والألبان، وكانت هذه المشروعات مملوكة للدولة، وبالتالي كان غالبية الإنتاج الصناعي والحرفي تحت سيطرة الدولة العلوية، لكن التدهور العنيف الذي شهدته مصر في عهدي عباس وسعيد في مختلف المجالات لم يتح لمسيرة النهضة استئنافاً متطوراً، بعد عصر محمد علي، فأغلقت هذه المصانع تدريجياً.

من هنا تأكدت، اقتصادياً، واجتماعياً، وسياسياً، دوافع عبدالناصر للتمصير والتأميم، فكانت قوانين التمصير في الخمسينيات من القرن العشرين، والتأميمات في ستينيات القرن نفسه، ثم مشاريع التصنيع الثقيل لتضع حجر أساس النهضة، فتم إنشاء حوالي ألف مصنع، وإنشاء السد العالي، ومجمع الحديد والصلب بحلوان.

إذا كان الإنجاز التاريخي لمحمد علي هو تكوين الجيش المصري، فإن الإنجاز التاريخي لعبدالناصر في هذا المجال هو إعادة تكوين هذا الجيش. وبفضل هذا الجيش قامت مصر في عهد محمد علي، وأثبتت وجودها في العالم كقوة عسكرية بعد ضمها لسوريا والحجاز وكريت إلى الأراضي المصرية، بعد أن هزم محمد علي الوهابيين وهدم الدرعية (عاصمتهم)، في سنة 1818، وقضى مرحلياً على أحلامهم وتطلعاتهم في نقل الخلافة إلى مكة، كما أصبحت الحدود الممتدة من غزة إلى يافا تحت سلطة الجيش المصري، واستسلمت عكا عام 1832، وأصبحت معظم أراضي سوريا الكبرى تحت سيطرة الجيش المصري، ثم ما لبثت أن أعلنت دمشق وحلب وديار بكر والأسكندرونة وبانياس وأنطاكية واللاذقية والسويداء وطرطوس خضوعها للحكم المصري. ولم يتوقف إبراهيم باشا (ابن محمد علي وقائد الجيش المصري) عند هذه المناطق، فتقدم بجيشه إلى الأناضول، فاحتل أضنة وعنتاب وقيصرية، واستولى على قونية عام 1832، وأصبح الطريق مفتوحاً أمام قواته للسيطرة على أسطنبول.

 

حاولت الدول الكبرى وضع مصر في قالب محدد لا تستطيع مد نفوذها خارجه، فكلما قويت شوكة مصر ازداد القلق، تخوفاً من قيامها بتهديد توزيعات القوة داخل نظامها الإقليمي، بما يهدد المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى،



لقد أسس كل من محمد علي وإبراهيم باشا في هذه المناطق، لثقافة مواطنة كما تطالب بها الشعوب في هذه الأيام، فطبقا مبدأ المساواة أمام القانون، وفتحا باب الوظائف أمام جميع الكفاءات، كما أسس إبراهيم مجلس شورى شارك فيه جميع مكونات المجتمع. ووضع خطة لإنشاء المدارس الحكومية في كافة المدن والقرى، مستلهماً نظام "الليسيه النابولونية". واهتم بقطاع الصحة، فأنشأ المستشفيات لمواجهة انتشار الأمراض والأوبئة.

كما توجه محمد علي إلى بناء جيش قوي، إذ حرص على أن يكون جيشاً مصرياً عربياً، أغلبية أفراده من الفلاحين، وإن كانت بعض قياداته من جنسيات أجنبية، حيث استأثر الخبراء الفرنسيين بالإشراف عليه، تدريباً وتسليحاً وعتاداً وأنظمة، وهذا ما أثار حفيظة الإنجليز الذين أدهشتهم نجاحات محمد علي، خاصة العسكرية، حيث نجح في سحق الحركة الوهابية في شبه الجزيرة العربية، كما سحق المماليك في مصر أولاً، ومن ثم في السودان، كذلك حقق انتصارات ساحقة في كريت والمورة حيث تم القضاء على الثورة اليونانية.
 
لكن الدول الكبرى (إنجلترا، روسيا، بروسيا، النمسا) فرضت على محمد علي معاهدة لندن (1840)، التي أجبرته على الانسحاب من سوريا وفلسطين والحجاز، وإعادة الأسطول التركي لقاء مكافأة رمزية، هي إبقاء الحكم في مصر وراثياً لأسرة محمد علي، وتقليص حجم الجيش المصري من 235 ألف جندي إلى 18 ألف جندي، وحرمانه من تعيين قادة الجيش، ومن حق بناء السفن الحربية، وأصبحت مصر تحت الوصاية التركية شكلاً، لكنها دخلت منذ ذلك التاريخ تحت الوصاية البريطانية أساساً.

كانت بريطانيا مصممة على إجهاض جهود محمد علي الطموحة، بعد أن أدركت أن سياسة الاحتكار التى كان يطبقها فى الأراضي التى مد نفوذه عليها مكنته من إغلاق أسواق واسعة أمام المنتجات البريطانية، وأن سياسة التصنيع التى انتهجها الباشا كانت تضر بالمصالح البريطانية أكثر من سياسة الاحتكار. وبالتالي فقد عقدت بريطانيا العزم على هزيمة محمد علي، والتخلص من صناعاته، وبعد أن فشلت فى تحقيق ذلك في الجولة الأولى عندما تمكن محمد علي من أن يفيق من كارثة تحطيم أسطوله فى واقعة نفارين عام 1827 على أيدى الأساطيل البريطانية والفرنسية والروسية مجتمعة، فقد صممت على ألا يفلت منها فى الجولة التالية، وبالفعل فقد عقدت مؤتمر لندن المشئوم عام 1840 حيث دعت أوروبا بزعامة بريطانيا محمد علي إلى التنازل عن جميع الأراضي التي كان يسيطر عليها وحرمته من ثمار انتصاراته العسكرية المتلاحقة على الوهابيين واليونانيين والدولة العثمانية. وإضافة إلى ذلك فإن تسوية 1840 ـ 1841 يُنظر إليها عادة على أنها أجبرت محمد علي على إغلاق مصانعه وبذلك آلت كل التجربة للفشل.

وبطريقة مماثلة اجتمعت الدول الأوروبية على إفشال مشروع جمال عبد الناصر، فقد تواطأت كل من بريطانيا وفرنسا من دافع انزعاجهما من سياسات عبد الناصر المناهضة للاستعمار والمهددة لسياساتهما فيما اعتبرتاها مناطق نفوذهم، تواطأتا مع "إسرائيل" التى شعرت بالتهديد لما يمثله عبدالناصر من إمكانية توحيد العرب ضدها، وشنت هذه الدول العدوان الثلاثى عام 1956. وعندما فشلت تلك القوى الاستعمارية في التخلص من عبد الناصر الذي خرج منتصرا ومحلقا عاليا فى سماء العالم الثالث، تحالفت القوى الرجعية مع الاستعمار مرة أخرى ضد مصر ونصبت لها شباك الغدر وساقتها إلى نكسة خطيرة فى عام 1967. ثم جرها بعد وفاة عبد الناصر إلى مستنقع التسويات الاستسلامية، منذ سبعينيات القرن العشرين حتى الآن.

 

 

كان عبد الناصر يسابق الزمن، لكي يثأر لكرامة أمته، ويستعيد هيبتها، لكن فرصة "الانقلاب" هيأها الظرف الذاتي برحيل عبدالناصر، عام 1970، ومن موقع السلطة تم الإجهاز التدريجي على المجتمع الصناعي المتطور، الذي شيدته التجربة الناصرية، فإذ بهذا الإجهاز على القطاع العام والإنتاج الصناعي يواكب التفريط في الاستقلال السياسي والسيادة الوطنية.

 



محمد علي صاحب الأحلام الكبيرة لم تكن ذريته ـ باستثناء ابنه إبراهيم الذي توفي عام 1848 ـ تحمل تلك الإرادة، وتتمتع بالوعي الوطني الذي عُرف به مؤسس مصر الحديثة، لذا بعد وفاة المؤسس محمد علي، بدأت مصر تعرف تحولات مهمة، ففي عام 1882 احتل الإنجليز مصر، وكان أول قرار أخذوه بعد احتلالهم هو حل الجيش المصري، فقد أصدر السردار مرسوماً بإمضاء الخديوي توفيق (19 أيلول / سبتمبر 1882) ينص على إلغاء هذا الجيش، بدعوى مساندته للثورة العرابية، تبع هذا القرار مرسوم آخر يقضي بإرسال وحدات الجيش إلى السودان لمواجهة ثورة المهدي، وكان من نتيجة هذا القرار إبادة معظم أفراده بعد انتصار المهدي عام 1883.

اتخذ المستعمر قراراً جديداً بإنشاء جيش مصري جديد برئاسة السردار الإنجليزي، على أن يتولى قيادته ضباط إنجليز، هذا الجيش الذي كانت مهمته الحفاظ على الأمن الداخلي وحماية الحدود لم يتجاوز عدد أفراده آنذاك العشرة آلاف مجند، واقتصر التجنيد على الطبقات الفقيرة التي ليس بإمكان الفرد منها دفع البدل النقدي للإعفاء من الخدمة، في حين كان الميسورون مادياً يدفعون البدل، وبهذا يتم إعفائهم من الخدمة العسكرية.

كانت مصر تملك في مطلع القرن التاسع عشر، قوة عسكرية أقوى نسبياً من قوتها في مطلع الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وهو ما عوضته مصر الناصرية بالنفوذ السياسي المتمثل في حلم القومية العربية، الذي جسدته ثورة يوليو في ستينيات القرن العشرين، حيث مدت الثورة إلى محيطها العربي، فكانت الوحدة مع سوريا بعد الانتصار السياسي في معركة السويس، ثم مساعدة الثورة الجزائرية، وحرب اليمن، وما أن رحل عبد الناصر في 1970، حتى بدأ إنقلاب الثورة المضادة عام 1971، بالارتداد عن مكتسبات المرحلة الناصرية، فبدأ عصر الانحطاط الجديد بالمظاهر نفسها: تصفية الصناعة، تقليص حجم الجيش، انحدار التعليم، والانكفاء على الذات الإقليمية، الخضوع شبه المطلق لوصاية الاستعمار غير المباشر الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية، ولن ننسى ما قاله السادات عام 1973، أن 99% من أوراق الحل بيد أمريكا، في حين أن عبدالناصر وهو في ذروة الأزمة التي مرت بها مصر عام 1967 قال إن أوراق الحل بيد الشعب المصري.

حاولت الدول الكبرى وضع مصر في قالب محدد لا تستطيع مد نفوذها خارجه، فكلما قويت شوكة مصر ازداد القلق، تخوفاً من قيامها بتهديد توزيعات القوة داخل نظامها الإقليمي، بما يهدد المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى، بدأت صياغة هذا القالب أثناء فرض الدول الكبرى معاهدة لندن (1840)، على محمد علي، لإجباره على الدخول في الحدود الإقليمية المقبولة لديهم، والتي لا يستطيع هو ومن بعده الخروج منها أبداً.

غير أن مصر سرعان ما قامت، مرة أخرى، بكسر هذا الحاجز، بعد ما يقرب من مائة وعشرين عاماً من معاهدة لندن، بشكل وظروف متشابهة، وإن كانت غير متطابقة، لذلك كان يتعين على الدول الكبرى تحجيم طموحات عبدالناصر، وتدمير حلمه، برغم مشروعيته في تكوين دولة كبرى قاعدتها مصر، فضربت تجربته في 1967، ثم بعد ذلك بحوالي عشر سنوات، وقع السادات معهم اتفاق كامب ديفيد، ليخرج مصر نهائياً من المعادلة العربية.

كان عبد الناصر يسابق الزمن، لكي يثأر لكرامة أمته، ويستعيد هيبتها، لكن فرصة "الانقلاب" هيأها الظرف الذاتي برحيل عبدالناصر، عام 1970، ومن موقع السلطة تم الإجهاز التدريجي على المجتمع الصناعي المتطور، الذي شيدته التجربة الناصرية، فإذ بهذا الإجهاز على القطاع العام والإنتاج الصناعي يواكب التفريط في الاستقلال السياسي والسيادة الوطنية.

الوضع الراهن، منذ عام 1971، في مصر حتى الآن، يعكس نفسه في مجموعة من المظاهر الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، نجد لها تراثاً موصول الحلقات في النصف الأخير من القرن التاسع عشر في تاريخ مصر: تدهور الثقافة، الارتباط بالغرب، الانكفاء على الذات الإقليمية وعزل مصر عن العرب.

ما حدث بعد رحيل عبدالناصر، حتى الآن، يعد إنحداراً في مسيرة الزمن، لا امتداداً طبيعياً لما كان قبله، أو كما يقول العالم الكبير د.جمال حمدان "حركة التاريخ الآن إلى أسفل".

 

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا