عـاجل
آخر الأخبار

إسلاميو السودان والعمل النسوي.. فاطمة طالب إسماعيل نموذجا

أمين حسن عمر الإثنين، 03 مايو 2021 11:37 ص بتوقيت غرينتش

على الرغم من أن الإسلاميين في السودان قد حكموا السودان نحو ثلاثة عقود كاملة، إلا أن تجربتهم كانت في أغلبها تعكس طبيعة المواجهة مع النظام الدولي، الذي تحفظ ولا يزال يتحفظ على إشراك الإسلام السياسي في الحكم.

أما الآن وقد انتهت تجربة الإسلاميين في السودان، فإن ذلك يسمح بإعادة قراءة التجربة وتأملها، وليس هنالك طريقة أكثر قربا من من معرفة أسرار واتجاهات الحركة الإسلامية السودانية وأكثر صدقا من قراءة تجارب وأطروحات قياداتها.. وهذا ما فعله القيادي فيها الدكتور أمين حسن عمر، بسلسلة مقالات يسجل فيها سيرة قيادة الحركة الإسلامية في السودان، تنشرها "عربي21" بالتزامن مع نشرها على صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" في سياق تعميق النقاش ليس فقط حول تجارب الإسلاميين في الحكم، وإنما أيضا في البحث عن علاقة الدين بالدولة.

رموز التنوير

الحركة الإسلامية في السودان التي باتت تسعى جماعات محلية وقوى إقليمية ودولية لشيطنتها ومحاولة بناء حواجز فاصلة بينها وبين أجيال صاعدة لم تشهد بزوغ فجر الحركة ولم تعرف تاريخها ولم تتعرف على إنجازاتها ولا وقع آثارها في المجتمع والدولة، ولا هي اطلعت على تضحيات جهادها عبر الحقب، وربما لم تقرأ صحائف فكرها ولم تعرف وقائع دعوتها في مجتمع كان مقسما بين نخبة متغربة ومجاميع أهلية مقلدة، فكان المجتمع بين تغريبتين واحدة في المكان والثانية في الزمان، حتى طلعت الحركة الإسلامية الحديثة بمصابيح تنويرها ورموز نهضتها على الناس فبدلت بإذن الله أحوالا كثيرة وارتقت مراقي عسيرة في دروب التغيير والتطوير. وفي هذه الحلقات سوف أتجشم محاولة التعريف ببعض رموز التنوير الإسلامي.


فاطمة طالب.. المولد والنشأة

ولدت الأستاذة فاطمة طالب إسماعيل في 1919 في مدينة الرنك قبل أن تنتقل أسرتها لأم درمان حيث درست بأم درمان ثم شندي الابتدائية ثم المدرسة القبطية الوسطى بأم درمان ثم مدرسة الاتحاد الثانوية بالخرطوم حتى التحقت بكلية غردون الجامعية التي تحول اسمها بعد الاستقلال إلى جامعة الخرطوم. وابتعثت إلى بريطانيا لتنال شهاد الدراسات العليا في جامعة لندن، وعادت لتعمل بتدريس البنات مما جعلها مرتبطة ارتباطا وثيقا بقضية تعليم وترقية المرأة السودانية. 

وقد حاولت فاطمة تأسيس نقابة للمعلمات في العام 1947 لكن السلطات الإنجليزية لم تسمح إلا بتكوين رابطة ثقافية للفتيات. ثم أنشأت جمعية نهضة المرأة في ذات السنة التي انضمت فيها للحركة الإسلامية.

وقد روى الدكتور يوسف حسن سعيد أنه هو من أقنعها بالانضمام للحركة الإسلامية لما لمس فيها من ثقافة عالية وقدرة واسعة على التأثير على بنات جيلها. وكانت الطالبات الجامعيات آنذاك لا يجاوز عددهن أصابع اليد أو اليدين.. وكانت الطالبة الأخرى التي جرى استقطابها للحركة الإسلامية هي الطالبة سعاد الفاتح البدوي التي استقطبها الأستاذ محمد يوسف محمد. 

وقد نشطت الأستاذة فاطمة طالب في حركة المطالبة بتعليم المرأة على جبهة السلطة الإنجليزية الحاكمة آنذاك والتي تركت شأن تعليم المرأة للمنظمات التبشيرية ولم تقم بجهد يذكر في مجال تعليم المرأة رغم التشجيع النظري للقضية. كذلك شملت المطالبة قطاع التعليم الأهلي الذي نشط بصورة واسعة في الأربعينيات والخمسينيات. كذلك شملت المطالبة الحق في تأسيس الروابط النسوية للمطالبة بحقوق المعلمات والممرضات والقابلات. 

اتحاد الجمعيات النسوية

وفي كانون الثاني (يناير) من العام 1952 دعت فاطمة طالب ونفيسة المليك (ووالد نفيسة المليك كان أنشأ مدرسة في شندي لتعليم الفتيات حتى لا يجبرن للتعلم في المدارس الإرسالية التبشيرية)، وكانت الثالثة هي سعاد الفاتح البدوي، وانتظم اجتماع تأسيسي بمناقشة فكرة إنشاء إتحاد للجمعيات النسوية شهدته الناشطات في هذا المجال. وكان من بينهن إلى جانب هؤلاء الثلاث خالدة زاهر وفاطمة أحمد إبراهيم وثريا أمبابي وأخريات. 

وفي 31 كانون الثاني (يناير) 1952 أعلن عن قيام الإتحاد الذي ترأسته فاطمة طالب وظلت في قيادته إلى أن جرى حله بواسطة الحكم العسكري في 1958 لكنه عاد لينقسم بين التيارين الوطني الإسلامي والتيار اليساري، حيث أنشأت جبهة الميثاق بقيادة سعاد الفاتح الجبهة النسائية الوطنية التي ضمت نساء الأحزاب الوطنية التي كان اليسار يصنفها رجعية.

كانت الأستاذة فاطمة طالب إلي جانب نشاطها التعليمي ناشطة للمساهمة بالكتابة للصحف وفي عهدها أسست مجلة الإتحاد.. وهي كذلك كانت أول أمرأة سودانية تقدم برامج بالإذاعة السودانية فساهمت بتقديم برنامج الأطفال وبرنامج الأسرة.. وفي المجال الطوعي أسست هيئة نساء السودان الشعبية للمطالبة بحقوق المرأة.

وشاركت فاطمة طالب في مؤتمرات دولية عديدة ممثلة لنساء السودان ونظمت أسبوعا سنويا للمرأة  وترقت من معلمة بمدرسة أم درمان التي كان غالب المعلمات فيها بريطانيات ومن مصر لتكون أول مديرة سودانية (ناظرة) للمدرسة ثم ابتعثت لتأسيس التعليم النسائي باليمن، حيث كان لها دور ملحوظ ومشهود ومشكور هنالك. 

ورغم انقسام الحركة النسوية على أسس فكرية وحزبية فقد حظيت الأستاذة فاطمة طالب باحترام واسع من جميع الناشطات في المجال، فهي لم تنشط بشدة في المجال الحزبي بل ظلت أكثر تأثرا بروح العمل الطوعي والنقابي مما أتاح لها اقترابا من جميع أطياف الحركة النسوية. 

توفيت فاطمة طالب في العام 1994 حيث افتقدتها الحركة النسوية الوطنية، فقد كانت رمزا مؤسسا لتيار ترقية وتطوير المرأة السودانية.. رحمها الله وأجزل لها عطاء بغير حدود فهو الرحيم الودود.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا