آخر الأخبار

ماذا قدم اللغويون العرب للمبحث اللساني والدلالي؟ مختص يجيب

رؤى لؤي أبو هلال السبت، 25 سبتمبر 2021 11:01 ص بتوقيت غرينتش

تعامل اللغويون مع علم المعاجم كلٌ بطريقة مختلفة، حتى إن بعضهم مالوا إلى تهميشه وإقصائه في المراحل الأولى من اللسانيات الحديثة، كما وُصِفَ بأنه (ذيل علم النحو)، وأكبر مثال على ذلك أستاذ اللسانيات والفيلسوف الأمريكي (تشومسكي)، الذي تعامل في بداية الأمر مع علم المعاجم بمنطلق نحوي بحت، وحاول إثبات إمكانية بناء نظرية نحويّة بعيدة تمامًا عن علم المعجم، وذلك في كتابه (البُنى التركيبية ـ les structures syntaxique) عام 1957، إلا أن حدّته تجاه علم المعاجم أخذت تقل نوعًا ما، حيث أدخل المعجم في نظريته التركيبية في كتابه (ملامح النظرية التركيبيةl’aspect de la structure syntaxiques) عام 1965، ولا يُعتبر هذا إلا تغيّرًا بسيطًا في رأيه، إلى أن تبدّل فكره بشكل واضح عام 1972 بإقراره بأن للمعجم دورا رئيسا ومركزيا في علم التركيب وذلك في كتابه (دراسات الدلالة في النحو التوليدي).

وإن وجهنا جلّ اهتمامنا في هذا التقرير على اللغة العربية وتاريخها وعلومها ـ وهذا ما فعلناه ـ فمع أن علم المعاجم ظهرت بداياته منذ نزول القرآن الكريم؛ لحاجتهم لتفسير غريب القرآن، إلا أن كل ما كُتِبَ قبل العصر العباسي لا يعد إلا من بواكير علم المعاجم، فأول معجم حقيقي ومتكامل كان معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، مع الأخذ بالاعتبار الاتهامات التي وُجهت له ولأصالته..

ولذلك فالسؤال هنا: هل كانت فكرة معجم العين اجتهادًا بحتًا من الخليل أم أنه استوحى فكرته متاثرًا بالحضارات المتقدمة في ذلك الوقت كالهندية؟

يقول الأستاذ الدكتور عيسى برهومة ـ أستاذ اللسانيات التطبيقية في الجامعة الهاشمية بالأردن: "إن أصالة علم المعاجم إشكالية ليست بحديثة، والسبب في ذلك هو أن ظهور كتاب العين لم يكن في عصر الخليل إنما بعد وفاته، كما أن الكتاب يحتوي على أخطاء لا يقع فيها عالم لغوي كالخليل، مما دفع هذا الاستشكال عددًا من  العلماء على رأسهم النضر بن شميل، وأبو حاتم السجستاني، وابن دريد، إلى الشك في مرجعية هذا الكتاب للخليل بن أحمد الفراهيدي، كما أن الخليل هو رأس المدرسة البصرية بيد أن نسخة كتاب العين احتوت على آراء للكوفيين".

وأضاف: "لو أردنا أن نحاور هذه الآراء لرأينا أن الكتاب ظهر بعد وفاة الخليل إلا أن الخليل وضع خطة الكتاب بنفسه ونهد طلابه بإكماله وتنفيذ هذه الخطة وعلى رأسهم تلميذه الليث بن المظفر، هذا رد على الذين أنكروا على الخليل تأليفه للكتاب، أما الذين شككوا في أن الكتاب ليس كتابًا أصيلا من ناحية الفكرة وإنما أخذه عن الآخرين وبخاصة الهنود؛ إذ إن الهنود عُرفوا بمثل هذه المعاجم الصوتية في لغتهم السنسكريتية، ولكن هذه الاتهامات لا تصمد أمام البحث والتقصي؛ لأن الخليل لم يُعرَف عنه أنه كان متقنًا للهندية، حتى وإن كان يعيش في البصرة، ولا ننكر وجود تجار يتاجرون بين الهند والعراق ، ولكن هذه اللغة التي كان يستعملها التجار الهنود لا تقوى على أن تُكسِب الشخص لغة علمية رصينة تمكّنه من النظر في الكتب المصنفة باللغة السنسكريتية وهي لغة الهند القديمة".

وتابع برهومة حديثه لـ "عربي21": " شكك بعضهم في أن يكون الخليل قد أخذ هذه الفكرة عن السريانية، وهذا أيضًا لا يصمد أمام البحث؛ لأن الخليل لم يكن يعرف السريانية، كما أن العصر الذهبي للترجمة الذي نُقلت فيه الكتب من اللغات الأخرى إلى العربية أي العصر الحقيقي لها، كان بعد 70 سنة من وفاة الخليل، هذه الأسباب وغيرها تؤكد أن الخليل جاء بالمعجم من فكره ونظره، كما أن الذي يخترع علم العروض وكان ضليعًا بالرياضيات والموسيقى قادر على أن يبتدع مثل هذه الفكرة الجديدة في صناعة المعاجم".

عن علاقة علم المعاجم بعلم الدلالة تلقائيًا

ما هو الفرق بين علم المعاجم وعلم الدلالة؟ أيهما أسبق بالظهور؟ وأيهما أشمل في دراسة المفردات؟

يقول برهومة: "إن العلاقة بين علم المعاجم وعلم الدلالة كعلاقة الجزء بالكل، فالمعاجم جزء من علم الدلالة، لأن المعجم مجاميع تضم ألفاظ اللغة وفق تنظيم يرتضيه المؤلف، وهذه المظلة التي تتولاها الدلالة.

وبالنظر إلى أسبقية الظهور رأى برهومة "أن المعجم العربي ربما يكون متأخرًا إلى حد ما إن نظرنا إلى المعجم بصورته المكتملة، أما علم الدلالة (عند العرب) فقد عُرِفَت الدلالة منذ أن عُرِفت اللغة فلا فكاك بين اللفظ والمعنى، وقد بدأ العلماء مبكرًا بجمع اللغة من البوادي، وأمضوا سنوات وهم يُشافهون الأعراب الفصحاء، فكتبوا ألفاظًا كثيرة في المجاز والحقيقة، وفي الكنايات والاستعارات والموضوعات البلاغية والرسائل اللغوية، وهذه الرسائل كانت المادة المُمَوّهة للمعاجم".

وأضاف برهومة: "إذا أردنا أن نتتبع تاريخيًا ظهور وصناعة المعجم، لا بد أن نشير إلى أنه بدأ بثلاثِ مراحل: المرحلة الأولى: المشافهة العشوائية عن الأعراب والرحلات إلى البادية، المرحلة الثانية: الرسائل اللغوية التي صنفت وفق موضوعات لغوية ، المرحلة الثالثة: الاعتماد على الرسائل اللغوية وغيرها من المدونات والخبرة المعرفية للعالم، جمعت في كتاب موسوعي وشامل وهو ما عُرف بالمعجم.

وأكد الباحث اللغوي واللساني الأردني، أن "هذه المادة كانت هي الهيكل العظمي الذي بُنِيَ على أساسِه المعجم العربي". 

وقال: "عندما نتحدث عن علم الدلالة عند العرب يجب الإشارة إلى أن علم الدلالة الحديث يختلف عن الاهتمام الدلالي عند العرب؛ وذلك لوجود مناهج جديدة ضَبَطت الإيقاع الدلالي ووَضعَت لهُ قوانينَه ومدارسَه ومذاهبَه ونظرياتِه، وهذا كله كان في العصر الحديث، ثم أضاف إلى أنه مع ذلك لا يجب التقليل من شأن الجهد الدلالي والمعجمي الذي أنجزه علماؤنا العرب قديمًا".  

وأشار إلى أن دلالات الألفاظ العربية، تتطور باستمرار، ومن الممكن أن تنحط أو ترتقي دلالات لأسباب عديدة.

وجوابا على سؤال يتعلق بمدى مواكبة المعاجم العربية الحديثة لهذه التطورات الدلالية، قال الدكتور برهومة: "إن اللغة تعيش في حراكٍ مستمر وهذا التطور يشمل جوانب كثيرة ، و تغّير الدلالات من أبرز مظاهر هذا التطور، ولأن العربية لا تمتلك معجمًا تاريخيًا، فللأسف لم تواكب المعاجم الحديثة هذا المَلمَح، فما هو مبثوث في المعاجم الحديثة نجده مشتتًا، ولا نميّز في أي عصر حدث هذا التطور وما أسبابه ودواعيه، ولعل وُجود معجم تاريخي للعربية يمكن أن يزودنا بهذه الملامح والأسباب، لذلك نجدُ دلالاتٍ تغيّرت وأُدخِلَت للمعجم الحديث، لكن دون تحديد الزمن والظروف التي أسهمت في هذا التغيير".

وتعليقا على ظاهرة استعمال العرب في العصر الحديث، لألفاظ ليست عربية الأصل، وعما إذا كانت المعاجم الحديثة تستوعب هذه الألفاظ الدخيلة، أفاد برهومة بأن الألفاظ في اللغة العربية تنقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول: الألفاظ الأصيلة أو الخالصة من التربة العربية، القسم الثاني: الألفاظ الُمترجمة التي نقلت من لغات أخرى بفعل الترجمة، القسم الثالث: الألفاظ المُعرّبة التي تُؤخَذ عن لغةٍ أخرى لكنها توضع في بناءٍ عربِي، ونجد في القرآن الكريم نماذج من هذه الألفاظ مثل: استبرق، فهي فارسيّة الأصل من (استبره)، ولكن بَنَت العربية وزن هذه الكلمة على وزن عربيّ وأدخلتها إلى اللغة، والقسم الرابع: الألفاظ الدخيلة التي جاءت من لغات أخرى ولم تُجرِ العربية عليها أية تعديلات، وهذه الألفاظ لا تُقِرُّها المعاجم العربيّة، رُبما تُشير إليها على أنها دخيلة لكنها لا تقرّها في الاستعمال.

وأنهى برهومة حديثه لـ "عربي21"، بالتأكيد أن المعجم العربيّ حاول قدر الاستطاعة أن يضّم كثيرًا من الألفاظ المُحدثة والجديدة والتي تلتصق بتطور الحضارة.، ولكن المؤمل أن تكون المواكبة للجديد أكبر ومنسجمة مع تراث هذه اللغة.

وقال: "الناظر في معجم الوسيط ومعجم المنجد في اللغة يقِف على هذا الملمح. لكن مع ذلك يمكننا أن نضع مأخذًا إلى أن المعجم الحديث العربي ما زال بطيئًا في مواكبة هذه الألفاظ وعن صناعة المعجم الحديث"، وفق تعبيره.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا