آخر الأخبار

معالم الهوية الفلسطينية في مسيرة الشاعر أديب رفيق محمود

ياسر علي السبت، 09 أكتوبر 2021 10:13 ص بتوقيت غرينتش

على الرغم من التطورات المتسارعة في عالم الاتصال لا يزال مجال النشر والكتابة، هو المكان الرحب ليس فقط لتبين معالم الحياة الإنسانية، وإنما أيضا لنحت الكيان الحضاري لأية أمة أو شعب. 

ولقد آليت على نفسي عندما بدأت النبش في الذاكرة الأدبية الفلسطينية على مر العصور، أن ألملم شتات الهوية الفلسطينية ومعالمها كما بدت في دواوين الشعراء وخيال الروائيين ورواد القصة والتاريخ.. وهو مشروع رأيت أن أصل فيه ماضينا التليد بحاضرنا المقاوم، لأقدم خلاصة تجارب إبداعية صاغت هوية الفلسطينيين ولا تزال..   

اليوم أتوقف عند تجربة إبداعية لشاعر أخذه الموت منا حديثا، فقد طالعتنا الأخبار المؤسفة بوفاة الشاعر الفلسطيني الملتزم أديب رفيق محمود يوم الخميس الواقع في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2021، عن عمر يناهز 88 سنة، قضاها في التربية والتعليم والشعر والأدب والتعليم. وهو شاعر متمكن من عائلة شعرية عريقة، تحدثنا عن جدّه الشاعر الشيخ محمود عبد الحليم في حلقة سابقة، وتحدثنا أيضاً عن عمه الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود. 

وكنت قد تواصلت سابقاً مع ابن عمه طارق عبد الكريم محمود الذي يحافظ على أرشيف الجد، بعد مقالتي عنه، وعرفت أنه شاعر. كما لا يغيب عنا شقيقه معروف رفيق الشيخ محمود المتوفى عام 2005، كان شاعراً أيضاً وله دواوين.

سنخترق سلسلة المخضرمين بهذا الشاعر بمناسبة وفاته، قبل يوم من كتابة هذا المقال، ونغتنمها فرصة لطرح السؤال الدائم، هل الشعر ينتقل بالوراثة أم بالبيئة والعدوى، أم أنه جينات خاصة لكل شاعر بطريقة مختلفة. فهل من قبيل المصادفة أن يخرج من بعض العائلات عشرات الشعراء، فيما لا ينتمي لعائلات أخرى أي شاعر. فزهير بن أبي سلمى مثلاً ورّث الشعر لإبنه كعب، فبرز وأصبح من فحول الشعراء.

وهنا يبدو أن الشيخ محمود عبد الحليم، ورّث الشعر لابنيه الشهيد عبد الرحيم ورفيق، ولأحفاده أديب ومعروف وطارق.

من هو أديب رفيق محمود؟

ولد شاعرنا عام 1933 في قرية صير التابعى لجنين، حيث عمل والده في هذه القرية معلم صبية ومأذوناً وإماما ونقيباً للمشايخ. لكنه في أثناء بداية ثورة 36، ونظراً لتطورات الثورة انتقل الوالد بأسرته إلى قرية صانور. وعندما عادت الأسرة إلى البلدة الأم عنبتا، تلقى الشاعر تعليمه الابتدائي فيها، ثم درس المرحلة الثانوية في مدرسة الفاضلية في مدينة طولكرم، والصلاحية في مدينة نابلس. ثم عين معلماً في عابود إحدى قرى رام الله، ومعلماً في مخيم نور شمس تحت إشراف وكالة الغوث الدولية. فامتدت به حياته التعليمية إلى ما يقارب أربعين سنة.

وكان أديب يفخر أنه ينتمي إلى سلالة مكونة من خمسة مشايخ على التوالي، وهو من أسرة غلب عليها لقب الفقهاء لكثرة المشايخ فيها. وكان الفقيد يمتلك دفتراً بخط يد الشاعر عبد الرحيم محمود جمع فيه أشعاره، فكان هذا الدفتر هو منطلق الأبحاث والكتب عن الشاعر الشهيد.

كتب شاعرنا في عدة صحف مساهمات وسلسلة مقالات بعنوان (ما قل ودل) و(قل كلمتك وامشِ).

من آثاره الأدبية: رواية الحصار (1980)، عبد الرحيم محمود بين الوفاء والذكرى (1984).

ومن آثاره المخطوطة: رباعيات، جفرا وقصائد أخرى، أصداء في حديقة المعدن. 

أما آثاره الشعرية: صلوات على مذبح الحياة والموت (1978)، أحلام الدائرة الصغيرة (1984)، طير أزرق وجذوع بنية (1994)، أكمام تحت الجليد (1995)، وردة بين الرماد (1998).

الجدير بالذكر أن شقيقه معروف رفيق الشيخ محمود شاعر فلسطيني إسلامي بارز قضى حياته في قطر وتوفي فيها عام 2005، قد يكون لنا عودة إليه.

يقول الناقد الدكتور فاروق مواسي عن علاقة الشاعر بالأرض: "أول سمة بارزة في شعر أديب هي حشد أسماء النباتات في ثنايا قصائده. فلا تكاد تقرأ بضعة سطور إلا تلاحظ البوص والقصب والكرز والصفصاف واللبلاب والحور والسرو والدردار والبتولا والبصلون والنرجس والشربين والرند والعناب والحنون.. وسواها كثير.

ولا يسعنا هنا إلا أن نفسر تفسيرًا فذًا لهذه الظاهرة، وهو شدة تعلق الشاعر بالأرض ووجده بها حتى لكأنه يحفظ نباتاتها، وتشمخ أمامه في كل فكرة وخطرة". فيقول:
 
يا حب القلب عذاب الروح يعريني
فاخصف ورقات التوت
النرجس يذوي في ليلي والفلّ يموت
..
هذا الطحلب يكسو مرآة الحَور العالق
بذراع الصفصاف الباكي في جنح الليل

ولا يمكنني إلا أن أنحاز لقصيدته عن تل الزعتر "تنهجي فيها مجدك"، هذه القصيدة التي تدل على ثقافته الواسعة، والتي يحشد فيها التاريخ من وقائعه مثل "تروموبولي" و"ستالنجراد" و"مرثون" و"سلاميس" و"مؤتة" و"بلاط الشهداء" إلى أساطيره مثل "هكتور" و"هيكابي" وانتهاء بحوض "الميكونغ" وتحصينات "ديان بيان فو"، كل ذلك ليقول عن (تل الزعتر):

إلا الأسماء نهجيها..
نتهجى فيها مجدك يا تل الزعتر

ومن قصائد أديب رفيق محمود الشهيرة، قصيدته "النسر المهاجر" التي تجلت فيها صورة الشهيد قائلاً فيها:
 
لحزنك المطلّ والغروب يسبق الشروق في سماء غربته 
لنسرك الجسور لن يظلّ جاثماً 
فقد يعود ذات ليلةٍ مع الرياح 
ويح قلبك الرقيق لا تسآءلي 
متى يعود فالرياح تعرف 
الشمال والجنوب طويلة هي الطريق. 

وقصيدته "عرس الدم"، ومنها:
 
روحك تلتف على عنق القاتل 
صرختك الحرة في أفواه الناس صلاة 
قبضتك الصّلبة تقرع باب الحرية 
جبهتك المرفوعة علمٌ للشجعان 
دمك المنعوف على خدِّ الأرض كتابة 

وتتجلى في قصيدته "عنبتا" علاقته الحميمة مع الأرض والطبيعة والوطن والإنسانية والعروبة وذكرياته وطفولته التي عاشها في القرية:
 
أحب فيك الصور القديمة 
أحب فحم الليل والصبايا 
أحب موالاً كأنه تميمة 
في جيد نسمة الصّبا، حميمة 
حاراتك الغبراء على ضيقها 
ميدان شمسٍ تفرش النهارا 
طيرت روحي في سنا شروقها 
كنحلةٍ تعبّ من رحيقها

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا