آخر الأخبار

الجامعات المصرية تتخلى عن الكتاب الورقي وتعتمد الإلكتروني

القاهرة- عربي21- محمد مغاور السبت، 09 أكتوبر 2021 11:45 م بتوقيت غرينتش

في تحول من الكتابة المسمارية في بلاد الرافدين والحفر على ألواح من طين مثلت كتابة المصريين على ورق البردي وأعمدة المعابد ثورة كبيرة في مصر القديمة، تلاحقت بعدها الإنجازات البشرية حتى اخترع الألماني يوحنا غوتنبرغ الطباعة بالحروف المعدنية عام 1447.

 ورغم أن طباعة غوتنبرغ طالتها يد التطوير والتغيير كثيرا جدا، إلا أن زمن صناعة النشر يوشك أن يولي، إذ تراجعت أهمية الطباعة بعد اختراع الأسطوانات والأقراص الإلكترونية المدمجة بسنوات.

 ومع بداية العام الدراسي الجديد (2021- 2022) رفعت جامعات مصر شعار "وداعا للكتاب الورقي"، إذ أعلن وزير التعليم العالي خالد عبدالغفار، إلغاء الكتاب الجامعي واستخدام الإلكتروني ورفعه عبر المنصات التعليمية، وتسليم الطلاب أسطوانات إلكترونية مدمجة.

وقررت جامعة الأزهر، الخميس، الانضمام للتوجه الحكومي بمنع التعامل بالكتاب الورقي، والاستعاضة عنه بأقراص مدمجة وعدم بيع أو طباعة كتب أو مذكرات أو أي مواد ورقية، اتساقا مع رؤية الدولة للتحول الرقمي.

إلا أن القرار أثار مخاوف مثقفين وكتابا مصريين يؤمنون بقيمة الكتاب الورقي، ويتخوفون من فقدان الأجيال القادمة قيمة الورقة والقلم ومتعة القراءة عبر الكتاب، فيما يتخوف البعض من اندثار صناعة النشر التي يعمل بها مئات آلاف من المصريين.

ويساهم قطاع الطباعة بحوالي من 3 إلى 4 مليار جنية في الاقتصاد المصري، وفق أحمد جابر، رئيس مجلس إدارة غرفة الطباعة والتغليف باتحاد الصناعات المصرية في حوار لـ"المصري اليوم" عام 2019.

 وسجل عدد الكتب المؤلفة والمترجمة المودعة إيداعا قانونيا بدار الكتب والوثائق القومية نحو 14.8 ألـف كتاب وكتيب، وبلغ عدد النسخ المطبوعة نحو 148.2 ألــف نسخــة عــام 2018 ، وفق الجهاز المركزي للإحصاء.

ورغم أنه عدد العاملين بمطابع الأميرية يصل نحو 2600، إلا أنه لا يوجد عدد رسمي مؤكد لعدد العاملين في قطاع المطابع المصرية وصناعة النشر، فيما تبلغ أعداد المطابع في مصر 8 آلاف مطبعة، بينها 150 متخصصة بطباعة الكتاب.

"حرب على المطابع"

صاحب مطبعة للنشر في حي شبرا الخيمة بالقاهرة الكبرى، أكد لـ"عربي21"، أن حجم الأضرار المادية والاقتصادية التي تطال المطابع ومهنة النشر وصناعتها الواسعة، كبير جدا مع وقف طباعة الكتاب الجامعي، مشيرا لتضرر مهن أخرى مرتبطة بهذه الصناعة.
                                                                    
ويقول أحمد حامد: "هناك مطابع لا تعمل طوال السنة إلا مع قدوم الجامعات والمدارس، وبهذا القرار توقفت أحوالهم وتدهورت أعمالهم وتراجع دخلهم وأصابتهم البطالة".

 ويوضح أنه "قبل شهرين من بداية العام الدراسي يتم استقبال المادة العلمية من أساتذة الجامعات، وتظل المطابع خلية نحل لعدة أشهر، ويجري الاستعانة بعمالة موسمية بجانب الثابتة، ويعمل الفنيون والطباعون والمصممون وعمال الصيانة وسيارات النقل".

 ويؤكد، أن "فرص استمرار عمل المطابع الآن شبه معدومة؛ خاصة مع أزمة ارتفاع أسعار الورق بنسبة 140 بالمئة من 10 ألاف جنيه لطن الورق إلى 24 ألف جنيه، منذ أيار/ مايو الماضي"، موضحا أنهم "كانوا يتحملون تلك الأسعار ويحلمون بتعويض الكتاب الجامعي لخسائرهم".

ويضيف: "خسائرنا المحتملة لا تقدر بمال خاصة مع ما يثار عن مواصلة ارتفاع أسعار الورق حتى يناير/ كانون الثاني 2022، دون سبب واضح لذلك"، لافتا إلى أن "غرفة الطباعة والتغليف باتحاد الصناعات المصرية لا تهتم بملف المطابع ولا خسائرها مع القرار الجديد".

 واستغرب صاحب المطبعة من القرار، موضحا أن "الجامعات ووزارة التعليم لم تكن تدفع لنا مقابل طباعة الكتاب الجامعي، والأساتذة هم من كانوا يتعاقدون معنا ويدفعون مستحقاتنا مما يجمعونه من الطلاب مباشرة".

وانتقد ما يجري الآن من قبل "مباحث المصنفات وحماية حقوق الملكية الفكرية"، بحق المطابع، من "رقابة على الكتب الجامعية وملزمات الدروس الخصوصية للمدارس والثانوية العامة، بالمطابع وغلق بعضها وتحرير محاضر لها"، مؤكدا أنها "حرب أكل عيش على المطابع".

"الخاسر و المستفيد"

ومن جراء إقرار الكتاب الإلكتروني قال أكاديمي مصري أن القرار في صالح أساتذة الجامعات، موضحا أن السبب المباشر والواضح في هذا التغيير هو توجه عام من الدولة لتطوير التعليم الجامعي.

 الدكتور مجدي حسين، أوضح  لـ"عربي21"، أن "القرار ليس سيئا؛ وفي صالح أستاذ الجامعة ولا يؤثر على دخله بل يزيد منه وبحسبة بسيطة، إذ كان الكتاب الجامعي المطبوع يباع بنحو 85 جنيها، 5 جنيهات منها تذهب للجامعة والكلية و80 جنيها للأستاذ".

 ويضيف: "تكلفة طباعة الكتاب كانت في حدود 25 جنيها، ما يعني أن الأستاذ يحصل على نحو 55 جنيها من كل كتاب، ولكن كان يُخصم من إجمالي دخله من الكتاب المطبوع نحو 10 بالمئة الفاقد أو المرتجع التي لا يشتريها الطلاب".

 ويؤكد أنه "مع وقف طباعة الكتاب ونشره إلكترونيا فرضت الجامعات على الطلاب دفع 530 جنيها للكليات العملية و430 جنيها للنظرية مع كل مساق، وذلك بخلاف الرسوم الجامعية، نصيب إدارتي الجامعة والكلية منها 30 جنيها والباقي للأستاذ".

 

اقرأ أيضا: مصري يدخل "غينيس" بعد قطع مسافة كبيرة بيوم واحد فقط

 ويتابع أستاذ الاقتصاد: "كل مساق به 6 مواد وبقسمة ما يحصل عليه الأستاذ على المواد الستة يصبح إجمالي ما يناله في الكليات النظرية من الكتاب الإليكتروني نحو 66 جنيها، وبالكليات العملية حوالي 83 جنيها، أي أكثر مما كان يحصل عليه من الكتاب المطبوع".

 ويلفت إلى أنه "لا دخل للجامعة برفع المواد؛ إذ إن كل أستاذ يقوم وضع كتبه ومادته العلمية عبر الإنترنت، وفق تكلفة تساوي صفرا، وبجهد بسيط خلاف ما كان يحدث أثناء طباعة الكتب، التي كان يحصل منها الأستاذ على حقوقه متفرقة طوال العام الدراسي".

 وعن الطلاب، يعتقد أن "الأمر يسير لهم في ظل توغل الإنترنت بحياتهم، وهنا الجامعة تدفعهم لمسايرة المتغيرات التكنولوجية وتسرقهم من التعامل غير المفيد للإنترنت"، مبينا أن "الأمر يسهل البحث العلمي للباحثين الذين كان يرهقهم ماديا وذهنيا الحصول على المراجع العلمية".

 ويشير الأستاذ الجامعي، إلى أن مخاوف البعض هنا قائمة من احتمالات عدم استمرار هذا الحال أو تغيير بالقوانين أو القرارات ما يطال الأساتذة في هذا الإطار ويقلل من يحصلون عليه، أو يكون وسيلة ضغط أو ابتزاز وسيطرة عليهم".

ويلمح إلى أن "المُضار الوحيد من هذا التوجه هي المطابع وصناعة النشر التي تعج بعمالة كبيرة وتابعة ومرتبطة، وهنا بعد القرار يتأثر الطلب على الورق ويجري تسريح العمالة، ما يخلق أزمة بطالة تدفع لزيادة معدل الجريمة كنتيجة منطقية".

 "الوثيقة الباقية"

حالة غضب تسود أوساط المثقفين المصريين من القرار، فيما لفت نشطاء إلى أن الدول التي تستخدم التكنولوجيا الحديثة لم تستغن بشكل كامل عن الكتب المطبوعة، ووصفوا القرار بأنه "ضيق أفق لبعض صانعي القرار، وأمر عواقبه غير محسوبة".

 وأكد الكاتب والإعلامي محمد موافي عبر "فيسبوك"، أنه "حزين ومندهش" من "النظرة القصيرة التي لا ترى إلا مواكبة نغمة عابرة أو اقتصادا في النفقات"، معتبرا أن "الكتاب المطبوع أمان ومرجع رغم كل التقدم الإلكتروني".

 وقال إن الكتاب المطبوع يبقى الوثيقة الأكيدة الباقية على مر الزمان، ناهيك عن أزمات الإنترنت المتوقعة".

 وأوضح أن "الكتاب المطبوع يعني قطاعات كبيرة من أصحاب المطابع والعاملين فيها والمتعاملين معها من صناعات أو تجارات أخرى مغذية وموازية، نحن نتحدث عن مئات الآلاف من بيوت وأُسر كاملة تعتمد على الطباعة كدخل يؤمن لها حدا أدنى من العيشة الكريمة".



"لكل تقدم ضحاياه"

ويرى الأديب والكاتب المصري سعد عبدالرحمن، أن "المشكلة ليست في الانتقال من وسيط القراءة الورقي إلى الإلكتروني؛ وإنما في القراءة، فنحن حتى الآن لم نتمكن في مؤسساتنا التعليمية من تحويل القراءة إلى عادة وسلوك كشأن شعوب العالم المتقدم".

 ويضيف لـ"عربي21": "لست ضد مسايرة العصر بالاعتماد على التكنولوجيا؛ ولكن ينبغي التركيز على صلب الموضوع، وهو أن نجعل مناهجنا التعليمية دافعة للقراءة، فمهما اختلف الوسيط فلا سبيل إلى الإلمام بمحتواه إلا عن طريق القراءة ورقيا كان الوسيط أو إلكترونيا".

ويظن وكيل وزارة الثقافة الأسبق، أن "الكتاب الورقي، وإن تخلت عنه مؤسساتنا التعليمية العالية كالجامعات من كليات ومعاهد ومراكز للبحوث، فلن تنقضي الحاجة إليه بكثير من جوانب حياتنا حتى حين، ولكل تقدم تكنولوجي ضحاياه".

ويستدرك: "بالبلدان المتقدمة لا يفاجؤون مثلنا بآثار الانتقال من وسيلة تكنولوجية لأخرى أكثر تقدما، وعلينا ألا نُقدم على خطوة إلا بدراسة نتائجها للاستفادة من النتائج الإيجابية ومحاصرة السلبية، وأن نخطط لكل خطوة تكنولوجية نخطوها ليتقبلها الناس قبولا حسنا فتنجح".

ويعتقد أن "الذين يتخوفون من نتائج التقدم، ولا يرون إلا آثاره ونتائجه السلبية بمثابة قوى تشدنا إلى الخلف، وينبغي أن نجتهد في توعيتهم وإفهامهم أن قطار التقدم سيدهسهم إن لم يستقلوه".

 ويختم بالقول: "نحن في سباق مع الأمم الأخرى، ولن يكون لنا مكان تحت شمس العلم والتقدم إن أكثرنا اللجاج حول الأمر، بينما الآخرون قد تجاوزونا بمراحل على الطريق".

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا