آخر الأخبار

مأزق "قيس سعيّد".. وأهمية عودة الشعب إلى الشارع

فراس أبو هلال الإثنين، 11 أكتوبر 2021 04:18 ص بتوقيت غرينتش

لم يتمكن الرئيس التونسي قيس سعيد منذ 25 تموز/ يوليو أن يحقق شيئا لا للدولة ولا للشعب التونسي، ولم ينجح سوى بتجميد الحياة البرلمانية، وإكمال مهمته التي كان بدأها منذ انتخابه؛ وهي تعطيل الحكومة المعبرة عن الانتخابات وفق الدستور الذي أقسم عليه. ولذلك فقد ساهم هذا الفشل الذريع بارتفاع صوت الفئات الشعبية المعارضة له في الشارع، بمقابل "انحسار" ملامح التأييد الشعبي للانقلاب.

ملامح الفشل

قال سعيّد إنه اتخذ إجراءاته بسبب الخطر الداهم على الدولة، وتعطل "دواليب" العمل فيها، ومن أجل محاربة الفساد، والنهوض بالاقتصاد المتردي.

بعد أكثر من شهرين من الانقلاب لم يحرز سعيّد أي نجاح في كل الملفات التي وعد بحلها:

• فشل سعيد بتشكيل حكومة جديدة حتى الآن، رغم أنه بدأ الخطوة الأولى متأخرا جدا في هذا الإطار عبر تكليف السيدة نجلاء بودن برئاسة الوزارة، وهو ما يعني أنه لم يستطع أن يحرك "دواليب" الدولة التي ساهم هو نفسه بتعطيلها، من خلال المناكفات مع البرلمان ومع رئيس الحكومة الذي كلف من قبله.

 

قدرة تونس على تلقي مساعدات دولية ستكون مرتبطة بحصول مسار سياسي يعيد الديمقراطية -ولو شكليا- للبلاد


• فشل سعيد بتقديم أي حلول اقتصادية تنفس من الأزمة التي تعيشها البلاد. لم يقدم رؤية واضحة للحل، ولم يتمكن حتى من الحصول على دعم مالي من الدول التي دعمت انقلابه، غالبا بسبب عدم وثوقها بقدرته على الحكم، أو بسبب عدم القدرة على توقع سياساته، نظرا للمنسوب العالي للشعبوية في خطاباته وقراراته، أو لأنه مجرد أداة سيتم التخلص منها لاحقا. ويضاف لذلك أن قدرة تونس على تلقي مساعدات دولية، ستكون مرتبطة بحصول مسار سياسي يعيد الديمقراطية -ولو شكليا- للبلاد، وهو المسار الذي لم يقدم الرئيس حتى الآن أي خطة طريق لتنفيذه.


• لم ينفذ سعيّد حتى الآن وعوده بمحاربة الفساد، وهو الذي كان يمكن أن يؤدي دورا في هذا الملف حتى قبل الانقلاب، ولكنه لم يفعل. لم يقدم أي متهم بالفساد للمحاكمات، بل اكتفى بملاحقة خصومه من النواب والقضاة والإعلاميين، وتقديمهم لمحاكمات عسكرية أو إجراءات استثنائية. بدلا من أن يقدم سعيّد رؤوس الفساد للقضاء انشغل بالخطابات المليئة بالتهديد لأطراف مجهولة، بل إنه لم يفصح حتى اليوم عن الوزراء الذين رفض استقبالهم لحلف اليمين الدستوري، وعطل بذلك عمل الحكومة، بذريعة أن لديهم شبهات فساد!

 

لا يعرف التونسيون حتى الآن ما هو الدستور الذي سيحكمهم، ولا طبيعة الانتخابات، ولا شكل البرلمان، ولا القوانين الناظمة لتشكيل الحكومة وطريقة عملها


• فشل الرئيس في الحصول على حزام سياسي، بل اكتفى بتأييد تنسيقيات شعبية غير منضبطة، لا يعرف حجمها ولا تمثيلها في الشارع، مع الإقرار بحقها في دعمه. لم يحاور أي حزب أو طرف سياسي، وبدأ يفقد بسرعة كبيرة كل الأطراف التي أيدت انقلابه بسبب خلافاتها مع حركة النهضة. اكتشفت هذه الأطراف سريعا أن الخلاف مع النهضة لا يحل من خلال دعم انقلاب يعطل الديمقراطية ويوقف المسار السياسي الذي بدأ بعد الثورة، ويعرضهم هم أنفسهم لتعسف حكم غير ديمقراطي.


• لم يقدم سعيّد بعد شهرين ونصف أي برنامج أو خطة عمل أو خريطة طريق لشكل الحياة السياسية بعد انقلاب 25 تموز/ يوليو. لا يعرف التونسيون حتى الآن ما هو الدستور الذي سيحكمهم، ولا طبيعة الانتخابات، ولا شكل البرلمان، ولا القوانين الناظمة لتشكيل الحكومة وطريقة عملها. باختصار، هدم سعيّد مسارا سياسيا واضحا، بكل عيوبه ومحاسنه، ولم يقدم بديلا واضحا، واكتفى بلعن المسار القديم وتحطيمه دون توضيح المسار الذي يريد بناءه.

"الشعب يريد" يعود للشارع

كان الشعار الأثير لثورة الشعب التونسي عام 2011 هو "الشعب يريد". تردد هذا الشعار في المدن التونسية من سيدي بوزيد مولد الثورة، إلى كل مدينة تونسية، ليصل إلى العاصمة، قبل أن ينتقل لشوارع وميادين الدول العربية، في ليبيا والقاهرة واليمن وسوريا، وغيرها من المدن المنكوبة بالفقر والاستبداد والتهميش. كان هذا الشعار هو السلاح الوحيد لشعوب اكتشفت أنها قادرة على التغيير، وقادرة على هدم جدار الخوف الذي بنته القوى الحاكمة منذ "نهاية" الاستعمار.

ساهم الفشل الذريع لقيس سعيّد في كل الملفات التي نفذ انقلابه بحجة تقديم حلول لها باستعادة الشارع لزخمه، ولإعادة قطاعات واسعة من الشعب التونسي لاكتشاف قوتها، فبدأت بالنزول مجددا إلى الشارع، محضن الثورة الأول والأخير. خرجت مظاهرات بالآلاف على مدى أسبوعين في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، ثم توجت بمظاهرات العاشر من تشرين أول/ أكتوبر التي شارك فيها عشرات الآلاف، رغم منع التظاهر في شارع الحبيب بورقيبة، والتضييق الأمني ووضع الحواجز في مداخل شارع محمد الخامس الذي سمح لهم بالتظاهر فيه.

عاد شعار "الشعب يريد" للشارع بقوة بعد شهرين ونصف من الانقلاب. زاد زخم المظاهرات في ظل فشل الرئيس بتقديم أي حلول، وسيزداد أكثر مع الوقت؛ لأن هذا الفشل سيخسّر الرئيس مؤيديه، وهو ما يجعله مكشوفا دون حزام سياسي، ودون ظهير شعبي كبير، وسيجعل معارضيه أقوى أيضا.

أهمية المظاهرات الحاشدة المعارضة للانقلاب في تونس ليس لأنها ستؤدي إلى إنهاء الانقلاب، فهذه نتيجة ليست مؤكدة في ظل تعقيدات السياسة في تونس، ودور القوى الخارجية، وغياب صورة واضحة عن موقف الجيش والقوى الأمنية وأجهزة الدولة عموما، ولكن المظاهرات تثبت أن الشارع التونسي لا يزال حيا، وأن قدرته على مقاومة الردة عن مسار "الجمهورية الثانية" ستزداد قوة مع الوقت، كما أنها تكشف بوضوح أن أكذوبة التأييد الشعبي الواسع لإجراءات قيس سعيد غير صحيحة تماما.

بالتأكيد أن هناك مؤيدين للرئيس، وأن هناك انقساما تجاهه وتجاه معارضيه، وهذا أمر طبيعي في أي بلد، ولكن الانقلاب لا يساهم بشيء سوى تعميق هذا الانقسام، وهو ما سيجعله دائما ضعيفا وغير قادر على الإمساك بقواعد اللعبة كاملة.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا