آخر الأخبار

محاولة لفهم أسباب السقوط الانتخابي للعدالة والتنمية المغربي

عبد العلي حامي الدين الثلاثاء، 12 أكتوبر 2021 12:11 م بتوقيت غرينتش

يسجل المؤرخون وعلماء الاجتماع، أن أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في الولايات المتحدة، كانت بداية عصر جديد، عنوانه الأبرز الحرب العالمية على الإرهاب، وتفاصيله إعادة تشكيل خارطة العالم الإسلامي.. 

 

وما إن هدأت نيران تلك الحروب مع تشكل مشهد سياسي جديد في أفغانستان ثم في العراق، حتى اندلعت شرارات الثورات الشعبية العربية المطالبة بالديمقراطية من تونس أواخر العام 2010 لتعم بعد ذلك عموم المنطقة العربية.. وقد كان التيار الإسلام فاعلا رئيسيا ضمن هذه التحولات، بل إنه تصدر بعضها في العديد من الدول العربية..

 

وعلى الرغم من التباين الذي طبع تجارب الإسلاميين وغيرهم في إدارة هذه المرحلة الانتقالية التي لم يهدأ غبارها بعد في العديد من الدول العربية والإسلامية، فإن القاسم المشترك بينها هو التعثر في أقل الحالات، في الوصول إلى صياغة نموذج انتقال ديمقراطي يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المتعلقة بالهوية العربية والإسلامية.

 

الدكتور عبد العلي حامي الدين، أستاذ للقانون في الجامعة المغربية، وعضو سابق بمجلس المستشارين في المغرب، وقيادي في حزب العدالة والتنمية المغربي، يراجع في أوراق خاصة بـ"عربي21"، دفاتر الإسلاميين السياسية وطريقهم في التعامل مع هذه التحولات، بالنظر إلى كونهم القوة التي شكلت عنوان هذه التحولات وشكلها الأساسي فضلا عن أنهم، أي الإسلاميين، ما زالوا يمثلون الرحى الأساسية التي تدور حولها النقاشات والتفاهمات الدولية.

 

 

 

ويبدأ في الحلقة الأولى من المغرب، وتحديدا من تجربة إسلاميي "العدالة والتنمية"، الذين يستعدون لعقد مؤتمرهم نهاية الشهر الجاري، في أعقاب زلزال انتخابي لم يزحهم من الحكم فقط، بل وحتى من المعارضة.. 

 

مسار حافل من الإنجازات


لا يمكن لأي ملاحظ للانتخابات التي جرى تنظيمها في المغرب يوم 8 أيلول (سبتمبر) 2021 إلا أن يسجل بكثير من الدهشة والاستغراب السقوط المدوي لحزب العدالة والتنمية بعد مسار حافل بالتطور التصاعدي لحضوره داخل المؤسسة التشريعية منذ أول مشاركة رسمية له سنة 1997 حينما سمح الملك الحسن الثاني لأعضاء حركة التوحيد والإصلاح بالمشاركة السياسية عن طريق حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية الذي كان يقوده الدكتور عبد الكريم الخطيب، حيث فاز بتسعة مقاعد آنذاك، ثم حصل في الانتخابات التشريعية لسنة 2002 على 42 مقعدا، وحصل في سنة 2007 على 46 مقعدا، قبل أن يقفز إلى تحقيق 102 مقعدا في البرلمان المغربي خلال الانتخابات السابقة لأوانها التي جرى تنظيمها سنة 2011 في أعقاب الدينامية الاحتجاجية لشباب 20 فبراير التي ساهمت بقدر كبير في توفير الشروط الموضوعية لمشاركة حزب العدالة والتنمية في الحكومة بعدما ظل مستبعدا منها لمدة ثلاث ولايات تشريعية، وذلك بعدما احتل الرتبة الأولى في هذه الانتخابات وقام الملك بتعيين عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة طبقا لمقتضيات الفصل 47 من الدستور المعدل الذي صادق عليه المغاربة بموجب استفتاء شعبي يوم 1 تموز (يوليو) 2011.

ورغم الصعوبات التي اعترضت عمل الحزب في تلك المرحلة خصوصا بعد تغير المناخ الإقليمي لفائدة ما سمي بالثورة المضادة لرياح الربيع العربي، وأيضا بسبب احتكاكه الفتي بالسياسات العمومية ومحدودية خبرته في هذا المجال وعدم التفاعل الإيجابي معه من طرف باقي مكونات الائتلاف الحكومي ولا سيما خروج حزب الاستقلال من الحكومة، فإنه نجح في كسب ثقة الناخبين يوم 4 أيلول (سبتمبر) 2015 (الانتخابات البلدية) وعزز حضوره التمثيلي بحيازته على رئاسة المدن الكبرى في المغرب ( الدار البيضاء، الرباط، سلا، فاس، مكناس، مراكش، أكادير، طنجة، تطوان وغيرها).

كما احتل الرتبة الأولى على مستوى الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2016 بحصوله على 125 مقعدا في مجلس النواب و12 مقعدا في مجلس المستشارين (الغرفة الثانية).  وهو ما اعتبر في تلك المرحلة بمثابة نتائج مبهرة تؤكد قوة حزب العدالة والتنمية وتفوقه على باقي الأحزاب السياسية، فلأول مرة في التاريخ السياسي المعاصر ينجح حزب سياسي في رئاسة الحكومة مرتين متتاليتين.

غير أن ما حصل يوم 8 أيلول (سبتمبر) 2021 يطرح الكثير من الأسئلة حول الأسباب الذاتية والموضوعية التي كانت وراء الانهيار الانتخابي غير المتوقع لحزب العدالة والتنمية وهي المحاولة التي قام بها العديد من الباحثين والمراقبين الذين يتابعون باهتمام شديد التفاعلات الجارية داخل حزب العدالة والتنمية ويتساءلون عن مستقبله ـ ربما ـ أكثر من اهتمامهم بمخرجات الانتخابات الأخيرة وما تبعها.

في الأسباب الموضوعية: 

1 ـ إنهاك ممارسة السلطة:


منذ حصول المغرب على استقلاله، لم يسبق لأي حزب سياسي مغربي أن نجح في قيادة الحكومة لمدة ولايتين تشريعيتين كاملتين، فليس من السهل على حزب لم يسبق له أن شارك في ممارسة السلطة أن يتحمل مسؤولية قيادة العمل الحكومي لمدة عشر سنوات متواصلة، وهو ما نجح فيه حزب العدالة والتنمية، وأكد الناخبون المغاربة ثقتهم فيه للمرة الثانية خلال انتخابات 2015 و2016 بشكل واضح، غير أن ذلك كان على حساب رصيد الثقة الشعبية التي ظل يتمتع بها بشكل تصاعدي منذ سنة 1997، فقد كان على الحزب وهو يقود الحكومة أن يتحمل مسؤولية مجموعة من القرارات التي مست مصالح فئات اجتماعية معينة، فضلا عن تحمل مسؤولية قرارات لا يد له فيها، على اعتبار ان الحزب يشارك في ظل نظام سياسي ودستوري لا تُمارس فيه السلطة التنفيذية من طرف مجلس الحكومة فقط، ولكن هناك أيضا المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك والذي يتمتع بصلاحيات تنفيذية مهمة وواسعة لا تقتصر فقط على المستوى السيادي والاستراتيجي، وإنما تقترب أيضا من حقل السياسات العمومية الاقتصادية والاجتماعية وتتدخل في أدق تفاصيلها في كثير من الأحيان.

وتعتبر الخطب الملكية ولاسيما خطاب العرش وخطاب افتتاح السنة التشريعية أمام أعضاء البرلمان بمثابة استعراض مفصل لسياسات عمومية دقيقة ورسم صريح لأولويات العمل الحكومي.. وفي هذا السياق قبل الحزب آداء ثمن توقيع رئيسه على الاتفاق الثلاثي المغربي الأمريكي الإسرائيلي، وفقد بذلك انخراط عدد كبير من المتعاطفين معه في الحملة الانتخابية ولاسيما أعضاء حركة التوحيد والإصلاح الذين عبر قادتها عن رفضهم لاتفاق التطبيع مع إسرائيل. 

 

ليس من السهل على حزب لم يسبق له أن شارك في ممارسة السلطة أن يتحمل مسؤولية قيادة العمل الحكومي لمدة عشر سنوات متواصلة، وهو ما نجح فيه حزب العدالة والتنمية، وأكد الناخبون المغاربة ثقتهم فيه للمرة الثانية خلال انتخابات 2015 و2016 بشكل واضح،

 



كما تحمل الحزب مسؤولية دفاع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني عن مشاريع قوانين تتعارض من الناحية المبدئية مع أفكار الحزب وأدبياته السياسية ومنها قانون الإطار المتعلق بالتربية والتكوين الذي خصص بعض مقتضياته لإعطاء وضع امتيازي للغة الفرنسية في تدريس المواد العلمية وأيضا تقنين زراعة القنب الهندي الذي سبق لحزب العدالة والتنمية أن كان له موقف صارم رافض لكل الدعوات الرامية لتقنين زراعته وتجارته، وذلك حينما كان عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة، وهو ما جعل الحزب يظهر بمظهر المتناقض مع مبادئه وأفكاره المؤسسة، ويتماهى مع اختيارات الدولة بشكل غير مقنع لقواعده وأنصاره ومتعاطفيه.

2 ـ الشروط السياسية والقانونية لتنظيم الانتخابات:

إن الذين قاموا بهندسة القوانين الانتخابية الجديدة قرأوا جيدا المعطيات المتعلقة بانتخابات 2015 و2016. فقد كشفت انتخابات 4 أيلول (سبتمبر) 2015 و7 تشرين الأول (أكتوبر) 2016 أن حزب العدالة والتنمية يتوفر على حضور قوي في المدن الكبرى، بشكل يتجاوز قدرة نمط الاقتراع على الحيلولة دون حصوله على أغلبيات مطلقة أو قريبة من المطلقة في أغلب المدن المغربية، بالإضافة إلى حصوله على مقعدين من أصل ثلاثة أو أربعة في عدد من الدوائر التشريعية وهو أمر يحدث لأول مرة في تاريخ الخريطة الانتخابية المغربية، وهو ما يعني أن المدن المغربية عرفت تحولات عميقة على مستوى بنياتها الثقافية والسياسية، تجعلها ميالة إلى التصويت لفائدة حزب العدالة والتنمية بما يمثله من تعبير عن فكرة الإصلاح المتدرج وبما يرمز إليه من قيم النزاهة والاستقامة والحرص على المال العام.
 
ورغم الإغراءات والوعود التي قدمها حزب الأصالة والمعاصرة آنذاك وهو الذي ارتبطت نشأته بشروط خاصة وأسند له دور خاص في تلك المرحلة إلا أنه لم يستطع مجاراة شعبية العدالة والتنمية على مستوى العالم الحضري وفشل في مهمته..

اليوم وباعتبار العدالة والتنمية ظاهرة حضرية بامتياز تم اعتماد القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين وتم إلغاء العتبة في الدوائر ذات نمط الاقتراع اللائحي، كما تمت محاصرة نسبة تغطيته في العالم القروي (عدد المنتخبين في العالم القروي يتجاوز 75% على الصعيد الوطني)، بحيث تراجعت نسبة تغطية حزب العدالة والتنمية بـ 8750 مرشح في الدوائر المحكومة بنمط الاقتراع الفردي بالمقارنة مع ترشيحات 2015، وهو ما يعني غياب مرشحي الحزب في حوالي 75% من الدوائر في العالم القروي وشبه الحضري، وهو ما يعادل حوالي 800 ألف صوت حصل عليها حزب العدالة والتنمية في تلك الدوائر في الانتخابات البلدية لـ 2015، ومن هنا يمكن أن نفهم الإصرار على تنظيم الانتخابات الجماعية والجهوية والتشريعية في يوم واحد، وذلك بغرض تذويب التصويت السياسي للمدن وإغراقه في التصويت "المكثف" للعالم القروي.

وهكذا فقد تعرض العالم القروي لعملية استغلال بشعة لأصواته من طرف حزب التجمع الوطني للأحرار المقرب جدا من السلطة، بالإضافة إلى التوظيف الكبير للمال لاستمالة الناخبين.

ويبدو أن حزب العدالة والتنمية كان يراهن على التصويت المكثف لصالحه في المدن الكبرى والمناطق الحضرية وهو ما لم يحصل حسب الأرقام الرسمية المعلنة.

كل هذه المعطيات كانت من ضمن العوامل التي ساهمت في صناعة السلوك الانتخابي للمواطن، لكنها تبقى غير كافية لتفسير نتائج الانتخابات الأخيرة دون فهم تفاعلات أزمة البيت الداخلي لحزب العدالة والتنمية.

في الأسباب الذاتية: 

1 ـ الخلافات الداخلية

لقد عاش حزب العدالة والتنمية على إيقاع خلافات حادة داخل مؤسساته القيادية منذ تعثر تشكيل الحكومة في أعقاب تعيين عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة مكلفا بتشكيلها، وذلك بعد انتخابات 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2016 التي بوأت حزب العدالة والتنمية الرتبة الأولى بـ 125 مقعدا في مجلس النواب.

فبعد فشل تشكيل الحكومة من طرف عبد الإله بنكيران، بسبب تعثر توفير أغلبية برلمانية داعمة للحكومة، وذلك بعد التحالف الرباعي لأحزاب التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاتحاد الدستوري، التي اشترطت أن تدخل مجتمعة أو أن تنسحب من التحالف الحكومي، وهو ما رفضه عبد الإله بنكيران الذي ظل متمسكا بمشاركة حزب الاستقلال ورفض دخول الاتحاد الاشتراكي الحكومة.

وبعد ستة أشهر من التقاطب الحاد، اتخذ الملك قرارا بتعيين شخصية ثانية من الحزب رئيسا للحكومة، لم يكن سوى سعد الدين العثماني.

هذا التغيير كانت له انعكاسات مباشرة على المزاج التنظيمي الداخلي لحزب العدالة والتنمية، حيث تبلورت فكرة تعديل النظام الأساسي لحزب العدالة والتنمية قصد السماح لعبد الإله بنكيران لولاية ثالثة على رأس الحزب، وهو ما أفرز تقاطبا حادا بين تيار يقوده وزراء الحزب يرفض التمديد لبنكيران وتيار آخر يرى في استمرار بنكيران على رأس الحزب جوابا سياسيا وتنظيميا مناسبا لما تعرض له من عرقلة من أجل إفشال مهمة تشكيل الحكومة بقيادته للمرة الثانية.

 

عاش حزب العدالة والتنمية على إيقاع خلافات حادة داخل مؤسساته القيادية منذ تعثر تشكيل الحكومة في أعقاب تعيين عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة مكلفا بتشكيلها، وذلك بعد انتخابات 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2016 التي بوأت حزب العدالة والتنمية الرتبة الأولى بـ 125 مقعدا في مجلس النواب.

 



هذا التقاطب حسم لفائدة رفض التعديل، غير أن الخلاف ظل مستحكما داخل الحزب، ومن أبرز مظاهره اختيار عبد الإله بنكيران عدم الانخراط في مؤسسات الحزب وعدم تزكية المسار الذي جاء في أعقاب الإطاحة به، وهو ما فوت على الحزب الاستفادة من القدرات التواصلية الهائلة لزعيم الحزب بدون منازع، وظهر سعد الدين العثماني بمظهر ضعيف وهو يقود حكومة غير متجانسة من خمسة  أحزاب سياسية وغير قادر على فرض الحضور السياسي القوي لمؤسسة رئيس الحكومة، نظرا لطبيعة شخصيته الميالة إلى الهدوء وتجنب التدافع مع الخصوم السياسيين، وضعف جرأته وتردده في اتخاذ مواقف سياسية واضحة في العديد من المحطات التي كانت تستدعي ذلك.

هذا التوصيف يدفعنا لطرح تساؤل عريض حول طبيعة الأزمة التي عاشها حزب العدالة والتنمية، هل يمكن اختزالها في أزمة قيادة؟ أم إن الأمر أعمق من ذلك، وهو مرتبط بأزمة رؤية وأزمة منهج وأزمة أسلوب معين في العمل السياسي.

2 ـ أزمة قيادة أم أزمة رؤية؟

لقد تحمل جيل التأسيس في سياقات اجتماعية وسياسية معينة، مسؤولية بناء عمل تنظيمي متميز مؤطر بالمرجعية الإسلامية ونجح في القيام بالمراجعات الضرورية لولوج المجال السياسي وتأصيل فكرة المشاركة السياسية، وهو ما مكن الحزب من الانخراط الانسيابي في الحياة السياسية المغربية وسمحت له بتولي مكانة محترمة في المشهد السياسي، ساعده على ذلك التعامل الذكي والعقلاني للنظام السياسي المغربي مع الحساسية التنظيمية الإسلامية وخبرته العريقة في إدماج القوى السياسية الوطنية بما فيها التيارات المعارضة اليسارية وغيرها، والنجاح في ترويضها ومساعدتها على تكييف خطابها لتتلاءم مع خصوصيات النظام السياسي المغربي بما يضمن استمراريته وتجديد قوته..

غير أن الانخراط في التدبير الحكومي لولايتين متتاليتين كشفتا أن نوعية الإدماج السياسي لهذا المكون لازال محكوما بتوجسات حقيقية لم تنجح عشر سنوات من التدبير الحكومي في تجاوزها، وهو ما ينبغي تسليط الضوء على أسبابه العميقة وترتيب النتائج الضرورية على ذلك، خصوصا وأن عشر سنوات من قيادة العمل الحكومي تعتبر مدة كافية للخروج بخلاصات حول ممكنات الإصلاح في ظل نظام سياسي بمواصفاته المعروفة، ونوعية العلاقة التي ينبغي أن تحكم الحزب في علاقته بالدولة ومؤسساتها.

غير أن هذا التمرين يبقى مشروطا بتجاوز نمطية التفكير التي وضعها الجيل المؤسس والتي تجعله أسير عقدة النشأة التاريخية للحركة الإسلامية ومقارناتها الدائمة مع حركات إسلامية أخرى في المشرق العربي تميزت علاقتها بأنظمتها السياسية بتوترات عنيفة.

إن الفرضية التي نطرحها في هذا المجال هي أن عقدة الانتماء التاريخي للحركة الإسلامية لم يسمح للجيل المؤسس، حتى وهو يخوض تجربة سياسية متقدمة من داخل حزب سياسي، بتجاوز مجموعة من المفاهيم والمقولات النظرية الموروثة من مرحلة الحركة / الجماعة وأيضا بعض الاختيارات التي خلقت حواجز ثقافية ونفسية وسياسية مع فئات سياسية واجتماعية معينة لها اختيارات أخرى فيما يتعلق بنمط الحياة والمعيش اليومي لها.

 

تحمل جيل التأسيس في سياقات اجتماعية وسياسية معينة، مسؤولية بناء عمل تنظيمي متميز مؤطر بالمرجعية الإسلامية ونجح في القيام بالمراجعات الضرورية لولوج المجال السياسي وتأصيل فكرة المشاركة السياسية، وهو ما مكن الحزب من الانخراط الانسيابي في الحياة السياسية المغربية وسمحت له بتولي مكانة محترمة في المشهد السياسي،

 



ورغم المجهودات المبذولة فإن بعض عناصر تفسير ما حصل يوم 8 شتنبر يمكن تفسيره في إخفاق الجيل المؤسس على تحقيق الاندماج الكامل أو التطبيع الشامل مع النظام السياسي ومؤسسات الدولة المركزية، وإخفاقه في بناء تحالفات سياسية على أرضية مصالح متبادلة…

ما العمل؟ أو في الحاجة إلى تجديد الخط السياسي:

انطلاقا من المداخل السابقة يمكن القول بأن الخروج من هذه المرحلة بقراءة جديدة يبقى ضرورة حتمية لتحقيق الاندماج الضروري والاعتراف الموضوعي بهذه المدرسة السياسية الموجودة في البيئة المغربية، وهو ما ينبغي أن يمر عبر فهم عميق للسياق السياسي الداخلي والخارجي الذي وفر البيئة المناسبة لنكسة 8 أيلول (سبتمبر).

كما أن هذه المداخل تبقى عامة ومجردة إذا لم ينجح الحزب في تجديد خطه السياسي في إطار من الوضوح النظري الضروري لإعادة التموضع في الساحة السياسية كفاعل سياسي إصلاحي ديمقراطي حقيقي قادر على ممارسة وظيفة التدافع والوساطة والتمثيل السياسي دونما خلط بين ما هو دعوي بما هو حزبي، خصوصا وأن اشتباك الفاعل السياسي مع بعض القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية يتم من منطلق البحث عن المصالح وتعزيزها ودرئ المفاسد وتقليلها، وهو ما يجعل عملية الموازنة بين بعض المصالح تظهره في تناقض مع بعض المواقف المبدئية وتجعله في تعارض مع طبيعة الفاعل المدني/ الدعوي الذي يشتغل في حقل محكوم بالمواقف المبدئية بعيدا عن إكراهات الدولة وتحدياتها الداخلية والخارجية. 

 

الخروج من هذه المرحلة بقراءة جديدة يبقى ضرورة حتمية لتحقيق الاندماج الضروري والاعتراف الموضوعي بهذه المدرسة السياسية الموجودة في البيئة المغربية، وهو ما ينبغي أن يمر عبر فهم عميق للسياق السياسي الداخلي والخارجي الذي وفر البيئة المناسبة لنكسة 8 أيلول (سبتمبر).

 



وهو ما يفرض الانتقال إلى ترسيم المسافة الضرورية بين المجالين وفك ارتهان أحدهما بالآخر وذلك بشكل عقلاني ينطلق من خصوصية كل مجال وحاجته للاستقلال بذاته على كافة المستويات، دون أن يعني ذلك التفريط في المرجعية الإسلامية باعتبارها ركنا رئيسيا من أركان الهوية السياسية للحزب، بالإضافة إلى حاجة البلاد إلى قوة سياسية تدافع عن القيم الإسلامية الأصيلة للشعب المغربي أمام زحف العولمة وتيارات محو الخصوصيات الثقافية والحضارية للشعوب.

ومن جهةٍ أخرى، لقد افتقد الحزب في السنوات الأخيرة إلى خطاب سياسي واضح ذو مضمون ديمقراطي، وانزلق إلى تبني خطاب تدبيري صرف يعتمد على الحصيلة الرقمية لآداء الوزراء ورؤساء الجهات والجماعات، ويفتقر للتحليل السياسي والديمقراطي الضروري، كما أن ترأس الحزب للحكومة لم يكرس الاهتمام بحقوق الإنسان في الفعل العمومي بالشكل الذي يجعله مدخلا ضروريا لتحصين مكاسب الانفراج الحقوقي الذي تأسس عليه مفهوم العهد الجديد والذي جعل من الحريات وحقوق المواطنة أولوية في إصلاح بنيات الدولة، وساهم سكوت الحزب في ظهوره بمظهر من يوفر الغطاء السياسي لمجموعة من التجاوزات الحقوقية التي شهدتها البلاد، خصوصا وأن أحد كبار قيادات الحزب كان يتولى منصب وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان!

لقد أضحت الحاجة ماسة لضرورة امتلاك قيادة الحزب لرؤية واضحة للانتقال الديمقراطي بالمغرب،  وذلك في إطار مقاربة تفاهمية مع جميع الفاعلين تنتهي لبناء ديمقراطية توافقية وحدها تبدو قادرة على تجسير العلاقات بين القوى السياسية المختلفة وتحقيق الاعتراف المتبادل بين الجميع والخروج من لحظة الانتخابات باعتبارها لحظة لإعادة توزيع الاعتراف ونزعه حسب ما تسمح به الظروف المحلية والدولية، ولعل محطة المؤتمر الاستثنائي القادم لحزب العدالة والتنمية تكون مناسبة لانتخاب قيادة جديدة قادرة على فتح أوراش النقد والتقييم بكل جرأة وشجاعة وتأهيل الحزب ليكون في مستوى التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه البلاد، ذلك أنه من المؤكد أن الحجم الانتخابي لحزب العدالة والتنمية لا يعكس وزنه السياسي الحقيقي في الساحة المغربية، وهي الحقيقة التي يعرفها الجميع وينبغي لقيادة العدالة والتنمية المقبلة أن تأخذها بعين الاعتبار.


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا