كتاب عربي 21

كرة قدم سورية مثلثة!

أحمد عمر
1300x600
1300x600
تتبادل الصحف ومواقع التواصل رسائل فنانين وإعلاميين من التيار الرابع أو الراكع، والتوصيف من عندي، وهو غير التيار الثالث، مثل أيمن زيدان وشكران مرتجى وماجدة زنبقة وبشار إسماعيل، وهي رسائل تتضرع إلى الرئيس؛ تشكو الفساد وتبكي الماضي، وترجو قطرة دفء ولقمة طعام، ويا بسينة يا شعبان الشعب السوري جوعان. أيمن زيدان قال: انتصرنا لكننا مذلولون مهانون.. المنتصر عزيز.

مساكين ومساجين أهل الهوى، أهل "منحبك". اعتبرت المواقع والصحفُ الرسائلَ شجاعةً وتهوراً، وبعضها يظن أنها قد تمت بموافقة المخابرات، فهذه الجرأة غير معهودة.. بعضها الآخر يرى أنها لتضخيم شأن الأسد وتأكيد مرجعيته الأولى، الرجل الذي يطعم ويكسو، ويخلق ويقتل. أحد الناشطين الموالين هدد الرئيس بالانتحار إن لم يتدخل في لجم الفساد. طبعاً الرئيس ما إن يرى رسالته حتى يبادر إلى زيارته ويأمر وينهى، ويصلح ويجبر، فهو رب البلاد والعباد.. هو رب الفساد.

كان فوز الفريق الوطني؛ الذي لو تم لا سمح الله، سيحقن الأجساد الباردة ببعض السعرات الحرارية، في هذا الزمهرير، مثله مثل فوز أدونيس بجائزة نوبل، لكن أدونيس قد ينال نوبل، فهو حبيبهم، أما الكرة فهي العاهرة في التعريفات، ليست حبيبة أحد، لأنها خؤونه، لكن الفريق خسر، والحمد لله رب العالمين. لقد تعادل مع فريق فلسطين تحت الاحتلال، وفريقنا أيضاً تحت الاحتلال. وكان فريق فلسطين قد لعب بعشرة لاعبين، ولو لعب بالعدد الكامل لربح. الفريق الوطني السوري ليس وطنياً، ولم يكن يوماً وطنياً.. هو فريق الرئيس، كلاهما فريق، هذا فريق رياضي وذاك فريق عسكري، وليس منتخباً، ولم يكن منتخباً يوماً، لا الفريق الرياضي ولا الفريق العسكري.. الفريق العسكري قفز إلى الرتبة بالمظلة، لا شيء منتخب في سوريا سوى القتلة ورؤوس فروع الأمن، إنهم منتخبون بدقة، ليس في صندوق الانتخاب، وإنما في الصندوق الأسود.

الكرة دين شامل يحبه الجميع، المؤمنون والكفار، والفريق المحلي فريق طائفي، والفريق في اللعب الجماعي يشبه صلاة الجماعة، لكن العرب لا يبرعون سوى في الألعاب الفردية. يقول أدواردو غاليانو: إن الكرة والوطنية توأمان. ومن أغرب تصريحات العلامة القرضاوي؛ فرحه بفوز الدوحة باستضافة مونديال 2022، واعتبر ذلك نصراً على أمريكا. الحقيقة أني فوجئت بالتصريح، وما ذكري لهذا الأمر إلا للقول إن الكرة لم تفلت حتى الأتقياء من غرمها وغرامها، وإنها صارت تعبيراً وطنياً. ولعل أحد أسباب حرب الإخوة في الخليج على الدوحة هم حسدهم منها على فوزها بهذا المجد، فستغدو الدوحة "كعبة" في سنة 2022، لكل المؤمنين بالكرة والكفار بها أيضاً.

بالأمس القريب سألت نور خانوم ضيفها الكابتن مروان منى عن أحوال الكرة السورية، فذكر أنه التقى بحافظ الأسد، كما يجدر بنجم كرة، وأحد رموز الوطنية السورية. واللقاء بالرئيس يشبه طاقة القدر، ومصباح علاء الدين، وقد حك مروان منى المصباح، وسأل العفريت عن مكان اعتقال أخيه، فما كان من العفريت إلا أن اعتقله، وكان حسن الحظ أن اعتقاله لم يدم سوى نصف شهر، مدنياً، ولعل شهرة مروان منى شفعت له، وإلا صار في تدمر، فمروان منى له عشاق وأصدقاء، واتحاد دولي لكرة القدم قد يطالب بدمه وقدمه. المصابيح أيام زمان كانت سحرية وتضيء، أما مصابيح هذه الأيام فلا تسبب سوى ماسات كهربائية مع توفر "أس 300" عندنا، ووجود ظهير نووي وقوة عظمى!

سئل مروان منى عن سبب عودة نجوم سوريين إلى حضن الوطن فلم يجب جواباً شافياً، لعل أهم الأسباب أن العائد يريد الإفراج عن أهله الرهائن، والثاني أنه من الطيور التي ولدت في القفص، وتظن أن الطيران جريمة، الثالث أنه يفكر بقدمه أكثر مما يفكر برأسه، وهو والنظام يلتقيان في عبادة البوط، وإن اختلف الوزن. البوط العسكري صار قبلة ومبوسة، على التلفزيون.. البوط الرياضي أدنى.

كرة القدم السورية تحت حكم آل الأسد لم تكن كرة، لعلها مربعة، أو مثلثة، لم تكن تدور، إنها تشبه اللغم، أمس رأينا بشار الأسد يوقع على صدور لاعبي المنتخب، وما هو بمنتخب. في البلاد الأوروبية التي تقدر المواهب، النجم هو الذي يوقع للرئيس، فالرئيس يحكم ثم يختفي، ويبقى ذكر النجم، نجم الكرة يخطئ، فيسخط عليه المحبّون، وخصومه من خارج البلاد، أما الرئيس، فخصومه من داخل البلاد، ولا يوجد رئيس له جمهور كامل سوى رئيسنا المفدّى.

نستطيع أن نقدر أسباب خسارة فريق نسور قاسيون، أولها أنهم دجاج، والدجاج لا يطير، ولن يفوز حتى لو لعب في الملعب نزولاً، وكانت الريح معهم، وعوارض مرماهم سميكة، والحارس من المخابرات فرع الجوية، وحكما التماس أعميان. السبب الثاني قد يكون: أن نصف الفريق يلعب، والنصف الآخر يرفع التقارير بالنصف اللاعب. عملت الدولة المفيدة العتيقة النظامية؛ دعاية كبيرة للمنتخب، وليس بمنتخب، إنه منتجب، على حين غفلة، فأحضرت الممثل أيمن زيدان، ليقوم بتمثيل دور السوري غير المستحيل، وكان قد مثل ذات يوم، بطولة مسلسل ظريف اسمه "يوميات مدير عام"، تنكر فيه المدير كما كان يتنكر الخلفاء في الحكايات والأخبار، ولا يحتاج الأمر في زمن الخلفاء إلى تنكر كبير، وما هو إلا أن يخرج من غير الحاشية والجند، فلم تكن الجماهير تعرف صورة الخليفة والملك، وكان اسم الجماهير الناس، لم تكن تلفزيونات أو صور. فكشف المدير المتنكر الفساد في شركته، وكان قد طمي الخطب حتى غاصت الأكتاف.

وقال عوجا، ولم يقل الرئيس أعوج. وقالوا إنهم سيغيرون مدرب الفريق الألماني بريد شتانغة.. وملخص الثورة السورية أنها أرادت تغيير مدرب النظام السوري، الذي حول الملعب إلى حظيرة لثيرانه.
التعليقات (1)
انس
الأحد، 20-01-2019 01:44 م
الغريب في هذا التيار الراكع انه يتكلم عن الفساد حالياً وكأنه شيئ طارئ.... فهذا رضا الباشا يتكلم وكأن الأمور كانت قبل الثورة سمنة على عسل.... ماهو يا ملعون ابو اللي جابك انت وشلة الشبيحة الشرفاء الطالعين جديد لو ان البلد تصير متل ما عم تقولو ماكنا سوينا ثورة يا اغبياء.... يتكلمون الآن لان البل وصل لدقنهم وبداوا يعانون... في الماضي كانوا يعرفون ولكنه لم يكن ياثر عليهم فيطنشون وتتاثر الطبقة الفقيرة فقط...