كتب

الاستثنائية الإسلامية ودور الإسلام في صوغ المجال العام

يرى مؤلف الكتاب أن استبعاد الإسلام من المجال السياسي هو أحد أسباب نشأة تنظيم الدولة (عربي21)
يرى مؤلف الكتاب أن استبعاد الإسلام من المجال السياسي هو أحد أسباب نشأة تنظيم الدولة (عربي21)

الكتاب: الاستثنائية الإسلامية. كيف يعيد الصراع حول الإسلام تشكيل العالم
المؤلف: حميد شادي
ترجمة صلاح حيدوري، ومراجعة خالد بن مهدي
الناشر: مركز نماء للبحوث والدراسات
الطبعة الأولى 2018

ظهر الكتاب بصيغته الإنجليزية سنة 2016، عن "منشورات مارتينز"، وكان له ما وراءه، بحكم الأفكار والحجج التي قدمها بخصوص الدور الحيوي للإسلام في صناعة التداول السياسي العربي، والخلاصات النقدية التي تشكلت للدكتور صلاح شادي، من خلال معايشته لتيارات الإسلام السياسي ورموزهم وقادتهم. ونظرا لأن تداول الكتاب وأفكاره ظلت حبيسة التداول الغربي، أو في أحسن الأحوال لدى النخب التي تتقن اللغة الإنجليزية، فقد قام مركز نماء للبحوث والدراسات بجهد مقدر في تقريب هذه الأفكار، من خلال نشر الكتاب ضمن ترجماته، باسم: "الاستثنائية الإسلامية: كيف يعيد الصراع حول الإسلام تشكيل العالم"، والذي صدر سنة 2018.

في أهمية الكتاب:

يكتسي الكتاب أهمية كبيرة في حقل الدراسات المهتمة بموضوع "الإسلام السياسي"، لكنه في الجوهر يتعدى ذلك، إلى طرح إشكالات عميقة حول موقع الإسلام في التداول السياسي، وإشكالات تمثل تيارات الفعل السياسي للدولة الحديثة، وشكل التعاطي السياسي معها.

مبدئيا، تكفي الصفة العلمية للباحث لإثبات أهمية الكتاب، فالبروفسور حميد شادي، أحد الباحثين الكبار في مركز سياسات الشرق الأوسط بمعهد بروكنجز، وله خبرة وتجربة في إدارة برامج بحثية ومشاريع في الشرق الأوسط تتعلق بالديمقراطية، فضلا عن مؤلفاته النوعية، ومن أبرزها كتابه "إغراءات السلطة: الإسلاميون والديمقراطية غير الليبرالية في الشرق الأوسط الجديد"، وهو فوق ذلك، أحد المتخصصين في الإسلام السياسي، ويحتفظ بتراكم بحثي وعلائقي مهم مع الحركات الإسلامية ومع رموزها.

 

قيام تنظيم الدولة في الجوهر، جاء جوابا عن عدم الاعتراف بالاستثنائية الإسلامية ودورها في صوغ المجال السياسي


لكن، مع الأخذ بعين الاعتبار هذه الخلفية البحثية والأكاديمية، وهذه الخبرة الميدانية في دراسة الإسلام السياسي، فإن ما يميز الكتاب شيء آخر، كونه يطرح أفكارا تفسيرية كبرى، هي أشبه ما تكون بالأفكار التي طرحها كبار علماء السياسة مثل صمويل هنتنغتون وغيره، كونه لا يهتم بتتبع السلوك السياسي للإسلاميين في أقطار مختلفة، محاولا فهم ثوابت العقل السياسي الذي يحركهم في سياقات سياسية مختلفة، وإنما يحاول فهم أزمة الشرق الأوسط من زاوية دراسة موقع الإسلام ووظيفته في تشكيل التداول السياسي، وبشكل أخص، الدولة الحديثة، وأشكال التوتر التي تنشأ على خلفية هذا الموضوع، وأنماط تعاطي الإسلاميين مع الدولة القومية، بحيث يفسر اختلافهم بناء على هذه الرؤية.

في مفهوم الاستثنائية الإسلامية:

يدور الكتاب حول فكرة جوهرية كبرى، تعتبر أن الإسلام يتميز بعلاقة استثنائية بالسياسة، وأن تلك الاستثنائية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار عند الحديث عن بناء إقليمي يحظى بالأمن والاستقرار.

والمثير في رأي الدكتور حميد شادي، أنه لا يبحث عن جذور هذه الاستثنائية في فكر الإسلاميين، ولا يجعلها حكرا عليهم، وإنما يمد أسسها وقواعدها إلى المجتمع الإسلامي برمته، وإلى التكوين الثقافي الإسلامي، الذي يعطي أهمية كبيرة للدين ودوره الحيوي في المجال العام، وفي التداول السياسي.

غير أن التكوين الثقافي، يصطدم، بواقع الدولة القومية في العالم العربي، والنظم العلمانية الاستبدادية العربية، التي في الغالب ما تكون مدعومة بنخب سياسية وثقافية علمانية ليبرالية محليا، وبنظام دولي وقوى غربية، بحيث ينتقل الصراع حول دور الإسلام في المجال العام، من صراع محلي إلى صراع دولي، أو يصبح موضوع دور الإسلام في صناعة التداول السياسي، وتشكيل الدولة الحديثة، جزءا من الديناميات التي تتم على المستوى الدولي، إذ لا تعترف الدول الغربية بهذه الاستثنائية الإسلامية، وتراها  تهديدا لعملية التحديث الحتمية التي يلزم تسريعها في العالم العربي، على شاكلة ما وقع في الدول الغربية، لكي تنتج نظما ديمقراطية ونظاما إقليميا علمانيا ليبراليا.

يتتبع حميد شادي هذه الديناميات في سياقها الدولي، ويرصد دور الإسلاميين في تحريك معادلاتها وأطرافها، ويخلص في فكرته الجوهرية، إلى أن تحولا عميقا طرأ في سلوك الإسلاميين أدى إلى تجاوز الخطوط الحمر الموجهة، وأربك التفاهمات التي كانت قائمة على المستوى الدولي والإقليمي والمحلي بخصوص دور الإسلام في صوغ المجال العام، فبعد أن كان أداء الإسلاميين، وبشكل خاص، سلوك جماعة الإخوان المسلمين يتميز بالانضباط لهذه الخطوط الحمر وعدم مجاوزتها، أو باللعب عند تخومها، جاء الربيع العربي، وحفز مجموعة من السلوكيات الجديدة التي أخلت بالتفاهمات القديمة، خاصة لما أصبحت عين الإسلاميين على الدولة الحديثة، فأصبحت ساحة للصراع  السياسي المفتوح بين مختلف المكونات، بمراقبة وتدخل غربي عند اللزوم لمنع حدود إخلال كبير بالحدود التي كانت مرسومة قبل الربيع العربي، بحيث أصبحت الدولة هي محور الصراع المركزي في الشرق الأوسط، بل صار فهم الشرق الأوسط في هذه المرحلة الدقيقة من التاريخ العربي المعاصر لا يمكن خارج مركزية الدولة في الصراع السياسي.

مفارقة حصار الإسلاميين سوء تعاطيهم مع الدولة الحديثة

ويلاحظ حميد شادي أن الصراع حول الدولة بين النخب السياسية المختلفة الإسلامية والعلمانية، ترجم في الجوهر عدم الرغبة في الاعتراف والتعامل مع الاستثنائية الإسلامية، كما عكس من جهة أخرى حالة الحصار التي ضربت على تجارب الإسلاميين وعلى مشروعهم السياسي، لكنه في المقابل، يترجم من جهة عجز الإسلاميين أو سوء تعاطيهم مع الدولة على الرغم من مشروعهم وأحلامهم التاريخية التي ارتبطت ببناء هذه الدولة وأسلمتها.

والمثير في فكرة حميد شادي، أنه بنى على الحالة استنتاجا مهما يتعلق بتفسير نشأة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، فهو يرى أن قيام هذا التنظيم، في الجوهر، جاء جوابا عن عدم الاعتراف بالاستثنائية الإسلامية ودورها في صوغ المجال السياسي، وعن حصار تجارب الإسلاميين، وأيضا عن ارتباك الإسلاميين في تجاربهم القصيرة في الحكم في التعاطي مع الدولة الحديثة ومعضلاتها.

 

إقرأ أيضا: باحث فرنسي يدافع عن أطروحة "الإسلام السياسي صوت الجنوب"

قد تبدو هذه الفكرة مثيرة، كونها تحاول البحث عن جذور تكوين تنظيم الدولة "داعش"، في اختلال التفاهمات القديمة، وتحول أدوار فاعلين سياسيين تعدوا حدود المعادلات السياسية القديمة، وفي الصراع المركزي حول الدولة، والذي لم ينجح مختلف الفاعلين على تسويته بشكل سلمي بناء على قاعدة الاعتراف، لكن، ما هو مثير في كتاب شادي هو محاولته، إسناد هذه الفكرة من خلال قراءة تجارب الإسلاميين في الحكم، حيث اختار بهذا الصدد ثلاث تجارب أساسية، الإخوان في مصر، وحزب العدالة والتنمية في تركيا، والنهضة في تونس، ليقدم دعامات لفكرته الجوهرية، وهي أن الإسلاميين فشلوا جميعا في التعاطي مع الدولة، وأنتجوا أشكالا مختلفة في التعاطي معها أفضت جميعها إلى تبئير الصراع وتعقيد مستوياته.

الإخوان: عودة الاستبداد، وجيل عدم الثقة في الوسائل السلمية

خص حميد شادي الفصل الرابع من الكتاب "الإخوان المسلمون من الإصلاح إلى الثورة" لدراسة تجربة الإخوان المسلمين في مصر، وتتبع مواقفهم من الثورة زمن الربيع العربي، وحرصهم على التزام التدرج إلى أبعد الحدود، لكنه لاحظ تعمق الفجوة داخل النخب السياسية مع وصولهم للحكم حول دور الدين وطبيعة الدولة، إذ أن وصولهم للحكم، جعل قضية الدولة الإسلامية قضية سياسية وواقعية، وليس مجرد هم نظري كانوا يتداولونه في نقاشاتهم الفكرية، وهو ما أثار النخب الاقتصادية والسياسية التي تحالفت مع الجيش للإطاحة بالإخوان، مما حرك تحولات عميقة داخل الإخوان، وبالأخص أجيالهم الشابة، من حركة إصلاحية تدرجية انتظارية، إلى حركة ثورية يميل جيل الشباب فيها إلى عدم الثقة في الوسائل السلمية.

وقد لاحظ شادي الفرق بين سلوك الإخوان بعد سقوط مبارك وسقوط مرسي، فمع سقوط مبارك كانوا يميلون للخيار الإصلاحي، مراهنين على أنه الخيار الأفضل لتجنب المواجهة المباشرة مع الجيش الذي طالما اعتبر الوصي على الدولة المصرية مع غض الطرف أحيانا كثيرة عن إدارته الكارثية للمرحلة الانتقالية، لكن مع سقوط مرسي، أصبح موضوع الإصلاح وأدواته السلمية خارج اهتمام جيل الشباب من الإخوان، وأصبحوا ميالين أكثر للثورة.

تركيا: استبداد الدولة والتمكن من مؤسساتها

في الفصل الخامس، تناول حميد شادي التجربة التركية في عهد أردوغان، فتحت عنوان "النموذج التركي: الإسلاميون الممكن لهم" يستعرض حميد شادي جزءا من تاريخ الحركة الإسلامية في تركيا، مع نجم الدين أربكان، ويركز على حالة الإقصاء الذي تعرضت له الرموز الإسلامية في تركيا من قبل الحكومات العسكرية والعلمانية (اللغة العربية، الآذان باللغة العربية، التعليم الديني، الحجاب..)، ويرصد التشابه في التزام التدرج بين إسلاميي مصر وإسلاميي تركيا، وكونهم أيضا التزموا في البدء الخيار الإصلاحي التدرجي التراكمي، وحتى في اللحظات الحرجة القمعية التي حظر فيها الحزب، لم يتجهوا إلى تبني خيار الثورة، إذ كانوا في كل مرة يضطرون للتكيف مع الأوضاع، وإعادة بناء تجربتهم من جديد بإنشاء أحزاب أخرى مثل ما وقع مع حزب الرفاه سنة 1983. ويلاحظ شادي أن الدولة التركية السريعة التحديث، كانت تحمل هوية إقصائية للإسلاميين، وأن اختيارها للنموذج العلماني الفرنسي المتطرف بدل النموذج الأمريكي المنفتح، أثار غضب الإسلاميين، وجعل مسارهم محكوما بمظلومية تاريخية، لكنهم مع ذلك لم يختاروا مواجهة الدولة، وإنما اختاروا اللعبة الطويلة، فأزاحوا الهيمنة العلمانية شيئا فشيئا. ويرى حميد شادي، أن حزب العدالة والتنمية، عندما نجح في إضعاف نفوذ المؤسسة العسكرية وضمان حياد المحكمة الدستورية، انعطف إلى اليمين في القضايا الدينية، معتمدا على سياسة "الأسلمة الناعمة"، ثم اتجه بعد ذلك إلى منطق التمكين، معتمدا على استبداد الدولة.

"النهضة" في تونس: الذوبان والتنازل عن الإسلامية

يستعرض حميد شادي جزءا من مسار حركة النهضة في تونس، والصراع الحاد الذي خاضته مع القوى العلمانية، وحرصها على لعب دور أساسي في تحقيق التحول الديمقراطي في تونس، ويرى أن الديناميات السياسية التي عرفتها تونس منذ صعود إسلاميي النهضة للحكم، ترجم الصراع حول دور الدين في صوغ المجال السياسي، ودفع إسلاميي تونس في الأخير، حرصا منهم على إنجاح الانتقال الديمقراطي إلى التنازل عن جزء مهم من إسلاميتهم، والذوبان في المجال العلماني العام.

هل يحل النظام البرلماني أزمة الانقسام الحادة بين الإسلاميين والعلمانيين؟

يرى شادي أن استمرار الانقسام الشديد بين الإسلاميين والعلمانيين، ورفض الاعتراف بدور الإسلام في صوغ المجال السياسي، أدى في سياق إقليمي مخصوص إلى قيام تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ويمكن له أن يؤدي إلى قيام أزمات أخرى في الشرق الأوسط، ويقترح لتجاوز هذه المآلات الخطيرة، تبني النظام البرلماني الذي يعرف  بمواصفاته المرنة التي تسمح بالتعامل مع الاختناقات السياسية الحادة بعيدا عن أسلوب الانقلابات، كما يقترح تأجيل النقاش الهوياتي إلى حين ترسيخ المبادئ الديمقراطية للنظام السياسي، ويدعو الإسلاميين بهذا الخصوص إلى تطمين خصومهم بالحفاظ على طبيعة الدولة القومية، كما يدعو العلمانيين إلى تقبل طبيعة مجتمعاتهم المحافظة، والقبول بنسخة غير ليبرالية من الديمقراطية وفق قواعد فوق دستورية تحفظ حدا مقبولا من الحريات والحقوق.

 

إقرأ أيضا: "فقه المشاركة السياسية": الحكم والوقائع

التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم