عـاجل
آخر الأخبار

كاتبان أمريكيان: رعونة ابن سلمان تتنامى بتحريض من ترامب

لندن- عربي21 الثلاثاء، 11 يونيو 2019 10:17 م بتوقيت غرينتش

قال كاتبان أمريكيان، إن "رعونة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ناتجة عن تحريض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي طالما تفاخرت بعلاقتها مع هذا الشاب الذي غدا الحاكم الفعلي للمملكة".


وأضاف الكاتبان ستيفين سايمون ودانييل بنجامين في الجزء الأول من مقال لهما نشرته مجلة "ذي نيويورك بوك ريفيو" وترجمته "عربي21" على أن تنشر الجزء الثاني في وقت لاحق، أن إدارة ترامب تتجنب انتقاد ابن سلمان على ما يصدر عنه من "بلايا"، مشيرين إلى أن "البيت الأبيض يشرف بنفسه وبشكل مباشر على إدارة العلاقة الأمريكية السعودية، تماما كما هو الحال مع إدارة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، بينما لم يكن ذلك بشكل عام مع أي من العلاقات الثنائية الأخرى".


وتابع الكاتبان: "لذلك لم يحصل أن أخذت القيادة السعودية في يوم من الأيام على محمل الجد لا الكونغرس الأمريكي ولا وزارة الخارجية الأمريكية، وظلت باستمرار تسعى خلف الارتباط المباشر بالرئيس نفسه".


وتاليا نص الجزء الأول من المقال:


أهوج في الرياض


بقلم: ستيفين سايمون ودانييل بنجامين


ذي نيويورك بوك ريفيو


نشر بتاريخ 30 مايو / أيار للعدد الصادر في 27 يونيو / حزيران 2019


في فبراير / شباط من عام 1945، وفي طريق عودته إلى بلاده من مؤتمر يالطا – وفقط قبل شهرين من وفاته – انعطف فرانكلين روزفيلت ليتوقف في مصر حيث التقى عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، مؤسس الدولة السعودية الحديثة. يذكر المؤرخون أن العاهل السعودي أحضر معه إلى ظهر السفينة "يو إس إس كوينسي" أغناماً حية ليشويها على ظهر السفينة واصطحب معه منجمه، بينما عرف الرئيس الأمريكي الملك ذا السبعين عاماً على الآيس كريم (البوظة) وأفلام السينما. إلا أنهما كانا رغم ذلك منشغلان بقضايا جادة: كانت الولايات المتحدة تبحث عن الوصول المضمون إلى النفط الذي اكتشف في المملكة قبل سبعة أعوام بينما طلب ابن سعود، كما كان يعرف آنذاك، الحماية لحكم عائلته من خطر محدق كان يتصوره قادماً من طرف بريطانيا.


على مدى أربعة وسبعين عاماً مضت على تشكلها، أظهرت العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية قدرة عجيبة على الثبات والاستمرارية. ولعل واحداً من أسباب ثبات هذه العلاقة هو السهولة التي نشأت بها بينما كان الشركاء يثرون ويزدهرون في ظروف سياسة عالمية متغيرة، حيث تحولت المملكة العربية السعودية بفضل ثروتها النفطية من تجمعات قبلية شبه بدوية متناثرة إلى واحدة من القوى الاقتصادية العشرين الأكبر في العالم، بينما تنامى نفوذ التدخل الأمريكي في أمن المنطقة بشكل مضطرد على مدى عقود لدرجة أن المحللين باتوا يتحدثون عن "سلام أمريكا" في الشرق الأوسط. وكان من العوامل الهامة التي حافظت على استمرار هذه العلاقة تجنب الزعماء الأمريكيين انتقاد السياسات السعودية المحلية، وخاصة في مجال حقوق الإنسان. ولقد لاحظ بروس ريديل، الذي عمل مستشاراً في شؤون الشرق الأوسط لدى أربعة من الرؤساء الأمريكيين، إن المرة الوحيدة التي ضغط فيها زعيم أمريكي على السعوديين لإحداث تغييرات داخلية حصلت في عام 1962، عندما تجاوب ولي العهد آنذاك الأمير فيصل مع إلحاح جون إف كينيدي فأدخل إصلاحات على الجهاز القضائي ووفر الرعاية الصحية والتعليم المجانيين وألغى الرق.


ولطالما أشرف البيت الأبيض بنفسه وبشكل مباشر على إدارة العلاقة الأمريكية السعودية، تماماً كما هو الحال مع إدارة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، بينما لم يكن ذلك بشكل عام حال أي من العلاقات الثنائية الأخرى. ولذلك لم يحصل أن أخذت القيادة السعودية في يوم من الأيام على محمل الجد لا الكونغرس الأمريكي ولا وزارة الخارجية الأمريكية، وظلت باستمرار تسعى خلف الارتباط المباشر بالرئيس نفسه. وما لبثت محطة السي آي إيه (المخابرات الأمريكية) في الرياض تمارس درجة عالية من الضبط والتحكم بما يجري من تعاملات مع المملكة وذلك للحيلولة دون حدوث تدخلات دبلوماسية غير مرغوب بها مثل التطوع بأفكار كبيرة حول احترام حقوق الإنسان وكذلك للحيلولة دون تجاهل رغبة السعوديين في الحفاظ على السرية التامة. يمكن لمثل هذا الترتيب أن ينجح في بلد لم يعرف تاريخياً وجوداً إعلامياً أجنبياً من أي نوع تقريباً ولا وجود منظمات مجتمع مدني. وفعلاً، فقد ظلت إدارة الحكم السعودي تقليدياً حكراً على عدد صغير من الأمراء المسنين. وكثيراً ما كان يتردد في أوساط صناع السياسة وضباط المخابرات الأمريكيين أنه فيما عدا شمال كوريا لا تكاد تجد بلداً يضاهي السعودية في انعدام الشفافية. 

 

اقرأ أيضا: أهوج في الرياض


أما اليوم، فلربما بدأ هذا الانسجام الذي عمر طويلاً بالانهيار نتيجة وصول ولي العهد السعودي النزق محمد بن سلمان إلى رأس السلطة في البلاد. لقد أعرب زعماء الكونغرس الأمريكي من الحزبين عن سخطهم تجاه ولي العهد البالغ من العمر اثنين وثلاثين عاماً بسبب دوره في جريمة القتل التي وقعت في إسطنبول بحق الصحفي المقيم في أمريكا جمال خاشقجي في شهر تشرين الأول/ كانون من عام 2018، وكذلك بسبب أفعال سيئة أخرى له – وخاصة التدخل السعودي في حرب وحشية داخل اليمن أحالت البلد إلى كارثة إنسانية هي الأشد وطأة في العالم.


تتنامى رعونة إم بي إس، كما بات يُعرف، بفضل تحريض من إدارة ترامب التي طالما تفاخرت بعلاقتها الخاصة مع هذا الشاب الذي غدا الحاكم الفعلي للملكة (فوالده الملك سلمان يعاني من وضع صحي سيء بينما يتمتع إم بي إس بصلاحيات واسعة). في نفس الوقت تجنبت إدارة ترامب انتقاده على ما يصدر عنه من بلايا. في هذه الأثناء يصطف الديمقراطيون الذين يتنافسون على الفوز بترشيح حزبهم لخوض انتخابات الرئاسة في عام 2020 لرؤية من هو أعلاهم صوتاً في انتقاد السعودية، ولعله مما زاد في سخط الديمقراطيين شكهم في أن موالاة الرئيس للسعوديين وامتناعه عن توجيه أي نقد إليهم مرجعه تطلعه إلى الإثراء الشخصي من العلاقة معهم – وهو تخمين معقول إذا ما أخذنا بالاعتبار تعود السعوديين على حجز طوابق بأكملها في فندقه الكائن في واشنطن عندما تحل وفودهم في المدينة. وبينما يقترب تحالف الأمر الواقع من ذكراه السنوية الخامسة والسبعين، تجد بعض صناع السياسة وعلمائها في الولايات المتحدة يتساءلون حول ما إذا بقي لهذا التحالف من معنى بالنسبة للولايات المتحدة.

من الواضح أن جدواه استمرت لزمن طويل. كان أول خرق للتحالف هو ذلك الذي حدث أثناء حرب يوم الغفران (أكتوبر) 1973 عندما سارعت واشنطن إلى مد إسرائيل بالسلاح الذي ساعدها على إحباط الهجوم المفاجئ الذي شنته عليها الدول العربية. أسخط ذلك الملك الفيصل، والذي ربما كان أذكى أولاد ابن سعود، فعمل على إقناع الدول الأعضاء في أوبيك بتخفيض إنتاجها في وقت شهد طلباً عالمياً متزايداً على النفط. على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تستورد إلا القليل من النفط من منطقة الخليج الفارسي، إلا أن الأسعار تضاعفت تقريباً أربعة أضعاف، وأضحت الأزمة التي شهدتها العلاقة بين الطرفين واقعاً يومياً يعيشه الأمريكيون بسبب الطوابير الطويلة على محطات التزود بالوقود، ناهيك عن أن الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة تراجع على مدى أكثر من عامين بما نسبته ستة في المئة.


انتهى تخفيض الإنتاج النفطي بعد أن خلف خالد بن عبد العزيز شقيقه فيصل الذي اغتاله ابن شقيق له معتوه في عام 1975، وبعد أن أصبح جيمي كارتر رئيساً للولايات المتحدة في عام 1977. حينها تأسست قناة جديدة للتعاون تمثلت في العمليات الاستخباراتية السرية. وبعد وقت قليل من غزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان في عام 1979، سعى نائب وزير الخارجية وارين كريستوفر ومستشار الأمن القومي زبغنيو بريزنسكي للحصول على مساندة خالد في تنفيذ عملية سرية لتسليح وتدريب المعارضة الأفغانية، وغدت عادة لدى السعوديين أن يقوموا بدور البنك غير الرسمي لتمويل عمليات واشنطن. تمكن روبرت مكفارلين، مستشار رونالد ريغان للأمن القومي، من استخلاص اثنين وثلاثين مليون دولار من الرياض لتمويل الكونتراس في نيكاراغوا، رغم أن السعوديين لم يسرهم أن يكتشفوا فيما بعد أنهم استخدموا دون علمهم في مؤامرة تخللها جهد أمريكي سري للتقارب مع جمهورية إيران الإسلامية، والتي تعتبر من وجهة نظرهم الخطر الأكبر الذي يتهدد المملكة. ما من شك في أن البغض السعودي لإيران سابق على الثورة الإسلامية التي تفجرت في عام 1979، إلا أن هذا البغض والجفاء تعمق بسبب الثورة. وعلى الرغم من أن الانقسامات السنية الشيعية تتحمل جزءاً من المسؤولية عن العداوة المتبادلة بين البلدين إلا أن تلك العداوة يغذيها التنافس على الهيمنة في منطقة الخليج الفارسي لما تحتويه من احتياطيات هائلة من النفط والغاز، مع أن أياً من الطرفين أبعد ما يكون عن القدرة على إخضاع الآخر لسلطانه.


في سنوات ما بعد حظر النفط، رسمت الهموم الأمنية شكل العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، فقد فاقم غزو أفغانستان من المخاوف من أن يسيطر الاتحاد السوفياتي على الخليج الفارسي ويقطع امتدادات النفط، ولربما كان ذلك وراء اعتبار "عقيدة كارتر" أن المنطقة تمثل مصلحة حيوية للولايات المتحدة وتعهد إدارته بالدفاع عنها بالقوة. وعلى إثر غزو صدام حسين للكويت في عام 1990، عرض الرئيس جورج إتش دبليو بوش نشر قوات أمريكية داخل المملكة – وهي القوات التي أنيطت بها في نهاية المطاف مهمة طرد القوات العراقية من الكويت.

 

اقرأ أيضا: لوموند: هكذا يسعى اللوبي السعودي لتحسين صورة المملكة


يصعب على المرء المبالغة حين الحديث عن اعتماد السعوديين على الضمانات الأمنية الأمريكية، وذلك على الرغم من الإلحاح البطيء الذي مارسته المملكة لإخراج القوات الأمريكية من أراضيها بعد الهجوم الإرهابي على ثكنة سلاح الجو الأمريكي في قاعدة الظهران الجوية في عام 1996. لقد فاقم ذلك التفجير، الذي نُقذ بتوجيه وتمويل من إيران، من المخاوف السعودية بأن يتم جر المملكة إلى صدام قد يقع بين الولايات المتحدة وإيران، مع أن حجم ووضوح الوجود الأمريكي كان ينظر إليه على أنه يشكل استفزازاً للسعوديين، باعتبار أن الاعتماد على القوات الأجنبية يثير تساؤلات حول أهلية ونزاهة النظام الملكي.


لم تحفز سنوات من مشتريات السلاح بمليارات الدولارات آل سعود على الاستثمار في التجنيد والتدريب وإعداد جيش على درجة عالية من الكفاءة. (لم يكن الهدف من تلك المشتريات بناء قدرة عسكرية حقيقية بقدر ما كان يقصد منها تعزيز العلاقة مع واشنطن وإعادة تدوير دخل النفط من البترودولارات، وتهدئة وطمأنة النخبة العسكرية السعودية من خلال تزويدها بأرقى أنواع الأسلحة، وإرسال إشارات إلى الجيران المعادين بأن ذلك التسليح يُفهم منه ضمناً وجود ضمانات أمنية أمريكية.) فقد كان يخشون من تشكل نخبة طامحة من القادة العسكريين كأولئك الذين كانوا يحكمون في كل من مصر وسوريا وتركيا وباكستان، وسعوا بدلاً من ذلك إلى إقامة علاقة دفاع وثيقة مع الولايات المتحدة والاحتفاظ بجيش محصن ضد الانقلابات.


ثم جاءت أزمة ثانية لتعيد رسم شكل العلاقة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وذلك أن خمسة عشر من بين تسعة عشر مهاجماً كانوا سعوديين، بينما كان أسامة بن لادن سليل واحدة من أغنى العائلات خارج نطاق العائلة الملكية الحاكمة. إلا أن الأمراء المسنين الذين يحكمون البلاد بالكاد أقروا بتورط مواطنيهم في الهجمات، بل راح بعضهم يوجه أصابع الاتهام إلى إسرائيل – وظلوا على ذلك إلى أن وقعت هجمات الرياض في عام 2003 والتي أتاحت لهم الفرصة ليتظلموا من أنهم هم أنفسهم وقعوا ضحية للإسلاميين المتطرفين. بعدها، تحولوا مباشرة ليصبحوا حلفاء للولايات المتحدة في حربها التي تشنها على الإرهاب. وحينها وثق مسؤولو المخابرات الأمريكية الصلة مع الأمير محمد بن نايف، مسؤول مكافحة الإرهاب المقتدر جداً والموالي لأمريكا.


استمرت الولايات المتحدة في التعامل مع السعوديين بأسلوب يراعي حساسية العلاقات معهم، فعلى سبيل المثال، وبينما كان البلدان يستهدفان الإرهابيين، لم يصدر عن واشنطن الكثير فيما يخص المنظمات غير الحكومية الكثيرة في السعودية التي كانت تنشر رؤيتها للإسلام الوهابي المتشدد حول العالم. فكما لاحظ الباحث المتخصص ويل ماكانتس، حينما يتعلق الأمر بالتطرف الإسلامي فإن "السعوديين يمارسون في نفس الآن دور من يشعل النيران ودور من يسعى لإطفائها."

 

ومع ذلك، أثمرت الروابط المتنامية بين عملاء المخابرات لدى الطرفين فوائد حقيقية، فقد تم إحباط مخططين على الأقل كان بإمكانهما لو تما قتل عدد كبير من الأمريكيين في عهد إدارة أوباما وذلك بفضل المعلومات التي وردت من الطرف السعودي. كما صدرت عن المسؤولين الأمريكيين موافقة مغمغمة عندما اتخذ السعوديون خطوات صغيرة للتخفيف من معاناة الأقلية الشيعية في البلاد أو لتشجيع تعليم الفتيات وإشراكهن في سوق العمالة، إلا أنهم التزموا الصمت تجاه ما يرتكب من انتهاكات لحقوق الإنسان – بما في ذلك تعذيب وسوء معاملة من ينتقدون الحكومة، وتنفيذ العقوبات القاسية بحق العمال الأجانب، وقطع الرؤوس الجماعي، سواء بحق "الإرهابيين" الشيعة أو المجرمين العاديين.


إذن، أين الخلل؟ وما الذي جرى؟ ساءت العلاقات بين الطرفين أثناء حقبة أوباما بسبب سخط السعوديين إزاء رفض واشنطن الوقوف إلى جانب الرئيس المصري حسني مبارك بينما كان نظامه ينهار تحت وطأة الربيع العربي. كما أسخطهم أيضاً قبول الولايات المتحدة الضمني لجماعة الإخوان المسلمين التي أوحى تبنيها للديمقراطية ضمناً بأنها تتحدى النظام السياسي السعودي. ثم أسخطهم رفض الولايات المتحدة التدخل عسكرياً في الحرب الأهلية داخل سوريا، حيث كان السعوديون يتطلعون إلى رؤية نظام الأسد، حليف إيران القديم، يطاح به من السلطة، حتى لو كان ذلك يعني دعم المقاتلين الإسلاميين المتطرفين. كان ذلك من وجهة نظر الرياض سيشكل يوم الحساب رداً على الصعود السريع للنفوذ الإيراني في العراق بعد أن أطاحت الولايات المتحدة بصدام حسين وبعد إقامة حكومة يهيمن عليها الشيعة في بغداد.


ومما زاد من شعور السعوديين بخيبة الأمل مع الولايات المتحدة تلك الدبلوماسية التي تمخضت عن اتفاق النووي مع إيران، والذي رأي فيه السعوديون نذيراً لتقارب أشمل مع إيران بما يمهد الطريق أمام انسحاب الولايات المتحدة من منطقة الخليج الفارسي. وتصاعد التوتر خلال تلك الفترة بسبب دعم إيران لحزب الله في لبنان والخوف من قيام "هلال شيعي" تسوده طهران يمتد من لبنان عبر سوريا إلى العراق ثم إيران. بل ذهب الدبلوماسيون السعوديون، وعلى رأسهم سفيرهم آنذاك لدى الولايات المتحدة عادل الجبير، يستخفون بالرئيس أوباما معتبرين إياه زعيماً ضعيفاً، في حين أن الذي أثار امتعاضهم في حقيقة الأمر هو رفضه الانسياق مع الموقف السعودي العدائي المتشدد تجاه إيران.
ثم تزعزع الاستقرار مجدداً في عام 2015 على أثر وفاة الملك عبدالله، الذي حكم لعشرة أعوام بعد أن أمضى عقداً من الزمان ولياً للعهد كان خلاله الحاكم الفعلي للبلاد بسبب مرض سلفه، أخيه غير الشقيق فهد. وهذا ما حصل مع سلمان، استمراراً لنفس التقليد. ويذكر أن سلمان هو الابن السادس من أولاد ابن سعود الذي يرتقي إلى العرش، وكان قد نُصب قبل ذلك ولياً للعهد من قبل عبدالله ومجلس من كبار الأمراء. إلا أن الملك الجديد وابنه المدلل، محمد، ما لبثا سريعاً أن تحللا من قيد التقليد المتوارث. على النقيض من كثير من الأمراء من أبناء جيله، وحتى من أبناء الجيل السابق، تلقى محمد بن سلمان تعليمه بشكل كامل داخل المملكة العربية السعودية. وفي يناير / كانون الثاني من عام 2015 نُصب وزيراً للدفاع مباشرة بعد تولي سلمان الحكم ثم عُين نائباً لولي العهد.

 

اقرأ أيضا: "FT": إصلاحات ولي العهد مصدر ألم لرجال الأعمال السعوديين


وبعد أقل من شهرين، زج محمد بن سلمان بقوات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية في حملة عسكرية ضد المتمردين الحوثيين الذين استولوا على العاصمة اليمنية صنعاء. إلا أن توقعاته بأن تكون تلك الحرب قصيرة ومجيدة ما لبثت أن تبخرت، حيث غدت أضخم وأطول عمل عسكري تلتزم به المملكة. كان ذلك التدخل مخالفاً لما جرت عليه عادة المملكة من تسليح الآخرين للقتال بينما تبقي هي على قواتها آمنة سالمة داخل ثكناتها. ولكن لم يكن ذلك الأمر هو الشيء الوحيد الذي استجد. بدأ الديوان الملكي السعودي سريعاً في القيام بجهد غير مسبوق لمركزة السلطة، وذلك من خلال إلغاء العديد من الكيانات الحكومية التي كان يقوم عليها كبار الأمراء واستبدالها بلجان يغلب على الموظفين فيها أنهم ليسوا من آل سعود، بل من التكنوقراط الموالين لمحمد بن سلمان شخصياً.
كانت تلك التغييرات جزءاً من محاولة أكبر لإبراز الحكام الجدد في صورة الإصلاحيين الذين يتصدرون لمواجهة التحديات التي تلوح للمملكة، ومنها النمو السكاني الكبير (كان تعداد السكان وقت وفاة الملك عبد العزيز في عام 1953 أقل من ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة بينما يصل تعدادهم اليوم إلى عشرة أضعاف ذلك)، والاقتصاد الذي يعتمد بشكل تام على النفط، والعمالة غير الماهرة التي تعودت على الحصول على دعم وهبات سخية لم يعد بالإمكان الاستمرار في منحها. ولذلك أعلن محمد بن سلمان في عام 2016 عن "رؤية 2030"، وهي عبارة عن خطة شاملة لتحديث وتنويع الاقتصاد السعودي.


في بداية الأمر، منحت "رؤية 2030" محمد بن سلمان بريقاً حقيقياً، حتى أن دونالد ترامب خالف ما جرت عليه العادة والتقاليد وكرس أول زيارة خارجية في رئاسته للتوجه إلى الرياض بدلاً من التوجه إلى حلفاء الولايات المتحدة في البلدان الديمقراطية. حينها، كتب توماس فريدمان في عموده الذي تنشره له صحيفة نيويورك تايمز: "لم أكن أظن أنني سأعيش لما فيه الكفاية حتى أكتب هذه الجملة: إن أبرز وأهم عملية إصلاح تجري حالياً في أي مكان في الشرق الأوسط هي تلك التي تحدث في المملكة العربية السعودية." ثم أشاد بمحمد بن سلمان لتقليصه نفوذ المؤسسة الدينية في البلاد معلناً أنه "لا يوجد سعودي واحد تحدثت معه هنا على مدى ثلاثة أيام إلا وعبر عن دعمه الشديد لحملته ضد الفساد." وخلال زيارة قام بها إلى الولايات المتحدة في إبريل / نيسان من عام 2018 استُقبل الأمير بحفاوة بالغة من قبل بيل غيتس وجيف بيزوس، واستضافه روبرت ميردوخ في حفل عشاء حضره ليفيف من كبار الممثلين منهم مايكل دوغلاس ومورغان فريمان، وذلك قبل أن يحظى بلقاء خاص مع أوبرا وينفري.


إلا أن البريق ما لبث سريعاً أن تلاشى، وذلك بعد أن بدا جلياً أن فكرة محمد بن سلمان عن الإصلاح لا تعزى إلى القيم الغربية بقدر ما تعزى للرئيس الصيني زي جينبينغ وللسياسة الصينية التي تدفع باتجاه تحقيق نمو اقتصادي دون السماح بتوسيع هامش الحريات السياسية. ما من شك في أنه كانت هناك درجة محدودة من التوسع في مجال الحريات، ولكن محمد بن سلمان يرى أن الإصلاحات ينبغي أن تأتي بمنحة من قبل التاج لا أن تنتزع انتزاعاً، ناهيك عن أن يطالب بها رعاياه، ومن هنا جاء القرار بسجن النساء اللواتي ناضلن من أجل الحصول على حق قيادة السيارات وتخفيف القيود التي تفرضها "قوانين الولاية"، والتي تمنح الرجال سلطة التحكم بحياة النساء داخل عائلاتهم – وهي نفس الإجراءات التي أقرها محمد بن سلمان وإلى حد ما أمر بإنفاذها. ثم، وبالرغم الإصلاحات، شهدت المملكة ارتفاعاً كبيراً في وتيرة الإعدامات، وينتظر أن ينفذ المزيد منها بحق عدد من كبار علماء أهل السنة والذين رغم تعرضهم للسجن بسبب معارضتهم للسياسات الملكية كان ينظر إليهم باعتبارهم من المشاهير الذين لا ينبغي أن يعاملوا بقسوة فائقة بسبب شهرتهم.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا