عـاجل
آخر الأخبار

السيطرة على العالم العربي في قلب الصراع الروسي ـ الأمريكي

توفيق المديني الخميس، 05 سبتمبر 2019 02:57 م بتوقيت غرينتش

الكتاب: روسيا الأوراسية كقوة عظمى جيوبوليتيك الصراع وديبلوماسية النفط والغاز في الشرق الأوسط
الكاتب: د. وسيم خليل قلعجية، 
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون،بيروت -لبنان ، الطبعة الأولى ، يونيو/حزيران 2019،
(عدد الصفحات 582 من القطع الكبير)

حتى تتحقق الأفكار المؤسسة للجيوبوليتيك الروسي الجديد على أرض الواقع، يجب العمل على تكوين موسكو محاور جيوبوليتيكية جديدة هي: المحور الغربي موسكو ـ برلين، والمحور الشرقي موسكو ـ طوكيو، والمحور الجنوبي موسكو ـ طهران.

ـ محور موسكو ـ برلين، حيث تتمدد روسيا الاتحادية غرباً لاستعادة معظم تراثها السوفييتي صوب وسط أوروبا، الذي يتحرك بقيادة ألمانية وتبعية فرنسية نحو الشرق، حيث تمنحه أوراسيا جزءاً من شرق أوروبا، ويهدف ذلك المحور إلى تقويض الحصار العازل في شرق أوروبا الذي حاول الأطلسيون تكوينه حول روسيا الاتحادية.
 
ـ محور موسكو ـ طوكيو: وهو المحور الذي تتمكن عبره أوراسيا من تطويل النفوذ الأطلسي من جهة الشرق، وترى الاستراتيجية الجديدة أن كلا من برلين وباريس وطوكيو تنطوي على تقليد ضد الأطلسي موروث منذ الحرب العالمية الثانية.

الأهمية الجيوبوليتيكية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في الشرق الأوسط :

حتى تتحقق الأفكار المؤسسة للجيوبوليتيك الروسي الجديد على أرض الواقع، وجب أن تعمل روسيا الأوراسية على تكوين محاور جيوبوليتيكة جديدة منها محور موسكو ـ طهران، والذي يحقق لورسيا الأوراسية المفتقرة للمنافذ البحرية على المياه الدافئة، التمدد والوصول إلى الخليج العربي. هذا الهدف الجيوبوليتيكي ظلت وما زالت روسيا الاتحادي تسعى إلى تحقيقه، ووفقاً لهذا التصور تحتل طهران مكانتها لدى موسكو باعتبارها من أهم شركاء روسيا الاتحادية في المنطقة والذي يسمح لها بالوصول إلى الخليج العربي سياسياً.
 
يقول الكاتب وسيم خليل قلعجية: "هذا التواصل الجغرافي الذي تتمتع به الجمهورية الإسلامية الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط يفرض على روسيا الاتحادية تحقيق تواصل جيوبوليتيكي مع إيران، حيث تحاول موسكو الاستفادة من الموقع الإيراني في لعبة الصراع مع واشنطن، كون السياسة الإيرانية هي في موقع النقيض مع السياسة الأمريكية وطهران لا تزال على خلاف وعداء مع واشنطن. من هنا، فإن موسكو تعمل على استغلال الموقع الإيراني في إطار الصراع مع واشنطن ضمن خطة تتضمن اعترافاً عملياً بضعف موقع روسيا الاتحادية النسبي في منطقة الشرق الوسط مقارنة مع موقف الولايات المتحدة الأميركية. بالتالي، فإن روسيا الاتحادية لا تنظر إلى إيران كخصم بل كشريك وحليف استراتيجي سيساعدها على تحدي القوة الأمريكية من خلال توسيع نوفذ روسيا الاتحادية الإقليمي والدولي، وتهدف هذه الاستراتيجية أساساً إلى إيجاد عالم متعدد الأقطاب، حيث تحاول كل من روسيا الاتحادية والجمهورية الإسلامية الإيرانية إضعاف القوة والتواجد الأميركية في الشرق الأوسط ومن خلاله إضعاف حلف الشمال الأطلسي وتكوين حلف سياسي ـ عسكري مضاد يكون موازياً للهيمنة الأميركية في الرق الأوسط تشكل سورية نقطة ارتكازه"(ص 91 من الكتاب).

 

تتمثل أقوى أدوات الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية الضاغطة على محور موسكو ـ طهران في أسطولها البحري الممتد والمسيطر على المجاري المائية في العالم وكذلك بالسيطرة على أهم الدول الاستراتيجية المجاورة لروسيا الاتحادية،



أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية الطرف المنافس والأقوى لنفوذ روسيا الاتحادية في منطقة الشرق الوسط، فإنها لم تقم علاقات دبلوماسية مباشرة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ أن قطعت العلاقات بين البلدين في العام 1979. وتشكّل سلسلة العقوبات على طهران استمراراً لسياسة التطويق التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية ضد روسيا الاتحادية عبر تواجدها في العديد من الأماكن كأفغانستان والعراق. 

تتمثل أقوى أدوات الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية الضاغطة على محور موسكو ـ طهران في أسطولها البحري الممتد والمسيطر على المجاري المائية في العالم وكذلك بالسيطرة على أهم الدول الاستراتيجية المجاورة لروسيا الاتحادية، لتعزيز موقفها المتقدّم والمتفوق حالياً على الساحة العالمية. كذلك تعمل الأساطيل العسكرية الأمريكية على حراسة مسارات أنابيب النفط والغاز ومسارات ناقلات النفط التي تعبر دول الخليج العربي. لذا فإن إيران سوف تمثل في القريب العاجل نقطة تماس هامة بين القطبين المتنافسين.

الأهمية الجيوبوليتيكية لتركيا في الشرق الأوسط

تحتل تركيا موقعاً مركزياً في الاستراتيجية الأمريكية ليس لاعتبارات الإيديولوجيا بل للاعتبارات الجيوبوليتيكية، يعود ذلك إلى أن الرقعة الجغرافية التي تتمدد عليها تركيا كانت وما زالت في قلب المنطقة الأوراسية ومركز دائرتها. تعتبر القوة البحرية الحالية (أي الولايات المتحدة الأمريكية) هذه المنطقة هي أساس لسيطرتها العالمية، كونها تحاصر القوة البرية (أي روسيا الاتحادية) وتمنعها من التمدد والوصول إلى البحار المفتوحة بالإضافة إلى أن تركيا تسيطر على نحو متميز على الممرات البحرية في البوسفور والدردنيل، المر الذي يجعلها في قلب أهم المواقع البحرية في العالم. 

 

تحتل تركيا موقعاً مركزياً في الاستراتيجية الأمريكية ليس لاعتبارات الإيديولوجيا بل للاعتبارات الجيوبوليتيكية



تمثل تركيا إحدى المفاتيح المهمة لفهم السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وذلك ليس فقط بسبب البعد الجيوبوليتيكي لتركيا والذي أعطاها ميزة ضغط بيد دول الخليج للتأثير على الدول الأفريقية النامية، بالإضافة إلى العامل الديني الذي أدّى دوراً بارزاً في ربط هذه الدول بمنظومة الدول الإسلامية التي أدّت فيها المملكة العربية السعودية دور المركز.

الأهمية الجيوبوليتيكية للعالم العربي في السياسة الخارجية الأمريكية

يتمتع العالم العربي، لاعتبارات جيواستراتيجية وجيوبوليتيكية، بمكانة كبيرة وموقع مميز في النظريات الجيوبوليتيكية كلّها. فقد اعتبر ماكيندر، صاحب "نظرية قلب العالم"، أنَّ العالم العربي من الأماكن الاستراتيجية المركزية في الكرة الأرضية التي تؤدي السيطرة عليها إلى السيطرة على العالم، فهو البوابة التاريخية لمنطقة غربي آسيا وبقعة الوثوب الاستراتيجية على أوراسيا. وبالتالي كان لزامًا على من يريد أن يُحكم سيطرته على قلب أوراسيا أن يعمل أولاً على تأمين هذه المنطقة وإحكام سيطرته على قلب أوراسيا أن يعمل أولاً على تأمين هذه المنطقة وإحكام سيطرته عليها.

يقول الكاتب وسيم خليل قلعجية: "بالإضافة إلى الأهمية الجيوبوليتيكية لإيران وتركيا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية، نجد أن العالم العربي بدوره يمتلك مفاتيح أساسية في التنافس الجيوبوليتيكي الأمريكي ـ الروسي، فالدول العربية تطل على المضائق المتحكمة في حركة الملاحة البحرية الأهم في العالم المتجهة من الشرق الوسط شرقاً إلى أوروبا غرباً، أي في مضائق هرمز، باب المندب، وقناة السويس، حيث تشكل هذه المضائق عاملاً حاسماً مهماً في واقع الجغرافيا السياسية للعالم العربي، كونه يحتل موقعاً جغرافياً يقع في ملتقى قارات ثلاثة من قارات العالم ويتحكم في أهم طرق التجارة العالمية براً وبحراً وجواً، مما يجعل من العالم العربي أرضاً للتنافس بين القوى العظمى"(ص 106 من الكتاب).

 

يحاول النظام الإقليمي الشرق الأوسطي الجديد العمل ضمن استراتيجية تحييد القوى المنافسة للولايات المتحدة الأمريكية



نتيجة لهذه الأهمية دخلت الولايات المتحدة الأمريكية في سعيها لإحكام السطرة على الشرق الأوسط بداية من العالم العربي، وذلك بهدف بناء نظام إقليمي شرق أوسطي جديد يحتل فيها الكيان الصهيوني مركز الريادة، وانطلاقاً من رؤية سياسية غير تقليدية تتميز بالتواجد العسكري المباشر في بعض الدول العربية، حيث يهدف هذا النظام الإقليمي الجديد إلى "عسكرة العالم العربي" وإعادة تشكيل نظام الأمن الدولي بما يخدم المصالح الأمريكية و الصهيونية .

يحاول النظام الإقليمي الشرق الأوسطي الجديد العمل ضمن استراتيجية تحييد القوى المنافسة للولايات المتحدة الأمريكية. هذه الاستراتيجية الأمريكية تعود أصلاً إلى فترة ما قبل انتهاء الحرب الباردة، وهي كانت ومازالت ، تهدف إلى الإبقاء على الهيمنة الأمريكية الصهيونية الكاملة على العالم العربي والتي عملت على تحقيقها عبر مايلي:

ـ إعادة رسم الملامح والخصائص السياسية في دول العالم العربي كي تصبح أكثر انفتاحاً وديمقراطية، باعتبار أن ذلك يشكل ضمانة أمريكية هامة لعدم تكرار سيناريوهات ومشاهد أحداث 11 أيلول 2001، وبالتالي السعي لتحضير قيام أحداث "الربيع العربي"، على أن يؤدي ذلك إلى الحيلولة دون ظهور أي تيارات أو قوى سياسية مناوئة للولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي ضمان عدم ظهور قوى منافسة للهيمنة الأمريكية على العالم العربي.
 
ـ دعم التواجد العسكري الأمريكي بصورة شبه مطلقة في العالم العربي ومحاصرة النفوذ والتواجد الروسي والحيلولة دون توسعه وانتشاره والعمل على تقليصه ومحدودية دوره. 

ـ استكمال عملية استقطاب دول العالم العربي في اتجاه النفوذ الأمريكي والعمل على دعم الأنظمة السياسية ذات العلاقة الوثيقة بواشنطن والعاملة على تنفيذ سياساتها.

يقول الكاتب وسيم خليل قلعجية: "شكلت أحداث الربيع العربي بداية لحقبة جديدة في منطقة الشرق الأوسط، حيث وصف الرئيس الأمريكي باراك أوباما هذه التحولات "بالفرصة التاريخية للولايات المتحدة الأمريكية"، وأنها تنسجم انسجاماً كلياً مع الأهداف العليا لأمركة العالم.هذه الفرصة التاريخية الأمريكية تقوم على أساس أن بنية الأنظمة الإقليمية العربية اصبحت لا تساعد على القيام بالوظيفة المطلوبة أميركياً مما يستوجب إخراجها من دائرة الفعل بتدميرها وإدخال مقدراتها في عملية "الفوضى الخلاقة" كخيار بديل عن الاستقرار الذي لا يتسق مع ديناميات الخطط الأمريكية المرسومة للجيوبوليتيك العالمي" (ص 107 من الكتاب).

حسب رأي العديد من المحللين المتابعين لأزمات المنطقة العربية، فإنّ ما حدث من تحولات في العالم العربي إنما يدخل في سياق بناء مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، انطلاقًا من منظور "الفوضى الخلاقة" التي تُعَدُّ أحد الأعمدة للإستراتيجية الأمريكية لرسم الخريطة الجديدة للمنطقة بعيدًا عن أي منافس محتمل. فـ "الفوضى الخلاقة" هي أقرب إلى مفهوم "الإدارة بالأزمات" المتعارف عليه في هذا المضمار، أي افتعال الأزمة أولاً، ثم العمل على إدارتها بالتدريج لبلوغ مصالح محددة سلفاً. إنها تفكيك الدول الوطنية العربية في إقليم الشرق الأوسط بطريقة تتيح الولوج إلى مكوناتها الأساسية وكافة عناصرها الصلبة والرخوة سعياً لتقويضها جزئياً أو كلياً وإعادة تشكيلها مجدداً بما يخدم بناء النظام الشرق أوسطي الجديد .

الأهمية الجيوبوليتيكية للعالم العربي في السياسة الخارجية الروسية

السياسة الخارجية الروسية ذات الأبعاد والحدود الجيوبوليتيكية الواقعية أضحت تختلف كلياً عما كانت عليه السياسة الخارجية الإيديولوجية للاتحاد السوفييتي سابقاً سواء من حيث الوسائل أو الأهداف أو الآفاق. تعكس الأهداف الجيوبوليتيكية الروسية حالياً في العالم العربي وجود خطوط حمراء لروسيا الاتحادية والتي يبدو أنها مستعدة للدفاع عنها، بشراسة ومهما كلف الثمن. لقد هيأت الأزمة السورية روسيا الأوراسية نفسها مرّة أخرى لأن تصبح لاعباً واقعياً قوياً ومعطى أساسياً ضمن معادلة الصراع في الشرق الأوسط والمنطقة العربية ككل. كذلك، أصبحت روسيا الأوراسية تمتلك كافة القدرات الكافية التي تمكنها من استغلال أخطاء الغرب مع عدم التورط في مغامرة مواجهته المباشرة في العالم العربي، وهو الأمر الذي ساعد على نجاح اختبار دبلوماسيتها وقدراتها العسكرية خارج معادلة مجالها لحيوي التقليدي ومباشرة على المسرح العربي للأحداث.
 
يقول الكاتب وسيم خليل قلعجية: "تعتبر روسيا الاتحادية العالم العربي منطقة جغرافية مهمة ومجاورة لحدودها، وتشترك معها بذات المصالح الحيوية العليا التي لها تأثيرها الهام على أمنها القومي، وعلى اقتصادها في آن واحد، وتنظر إليها باعتبارها بقعة جغرافية متواصلة مع المساحة الأوراسية المترامية، فالاستراتيجية الروسية المبنية على المصالح الخاصة والنفوذ القومي تجبر روسيا الأوراسية على النظر نحو الجنوب والغرب، كذلك فإنّ العامل الجغرافي يشكل بالنسبة لروسيا الوراسية سبباً هاماً من الأسباب التي تدفع بروسيا الاتحادية للبحث عن دور وموقع متقدم باستمرار في الشرق الأوسط عامة والعالم العربي خاصة"(ص 110 من الكتاب)

 

تعتبر روسيا الاتحادية العالم العربي منطقة جغرافية مهمة ومجاورة لحدودها، وتشترك معها بذات المصالح الحيوية العليا



فهناك شكل من أشكال التواصل والعوامل المؤثرة في الحراك السياسي الروسي الجديد، خاصة في ظل الصراع القائم على النفوذ والصراع الجيوبوليتيكي والذي تحاول روسيا الاتحادية إعادة دورها المفقود والمغيب بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وبروز القطبية الأحادية التي باتت القيادة الروسية الحالية ترفضها بكافة أشكالها، وتدعو إلى توجه جديد في النظام الدولي يقوم على عالم متعدد الأقطاب والذي يواجه رفضاً فعلياً في ظل الإدارة الأمريكية الحالية.

ووفقاً لذلك، فإن روسيا الأوراسية ترى نفسها في موقع الدفاع عن مفاهيم ومرتكزات أساسية تدعم نفوذها في الشرق الأوسط وفي العالم العربي من خلال العوامل الكثيرة التي تحفظ حضورها وقوتها في الميزان العالمي أهمها الحق في حماية واستخدام الممرات المائية والمعابر البرية وهي تنسج معظم سياستها في الشرق الوسط ومحيط البحر الأسود وفقاً لهذه الاعتبارات كون أكثر من 50 % من تجارة التصدير الروسية تمر عبر هذه المياه، بالإضافة إلى المفاهيم والاعتبارات الدينية، وحماية مصادر النفط، بالإضافة إلى العامل الاقتصادي الذي بات يشكل الاستراتيجية الحديثة للسياسية الروسية الجديدة التي حلت مكان الإيديولوجية السابقة في العصر السوفييتي.

أما بالنسبة للأهمية الجيوبوليتيكية للعالم العربي بالنسبة لروسيا الاتحادية، فإنه يتمتع بمكانة بارزة في الاستراتيجية الأوراسية وذلك نظراً إلى عوامل عدة أبرزها العامل الجيوبوليتيكي، إذ يكتسب العالم العربي أهميته الجيوبوليتيكية من عدة خصائص ومزايا.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا