آخر الأخبار

المناظرات الرئاسية في تونس وحلم العبور نحو الفعل التاريخي

تونس ـ عربي21 ـ الحسين بن عمر الخميس، 12 سبتمبر 2019 12:53 م بتوقيت غرينتش

مثلت المناظرات الرئاسية التونسيّة، التي بثتها وسائل الإعلام التونسية وعديد الفضائيات المحلية والعربيّة استعدادا للانتخابات الرئاسية المرتقبة يوم 15 من أيلول (سبتمبر) الجاري، لحظة فارقة، وفق كثيرين، حرّرت الناخبين من طواحين استلاب الوعي الجمعي التي وصّفها بيار بورديو بـ"كلاب الحراسة"، ليقرّروا عن رويّة وعلى غير المعتاد من سيختارونه رئيسا للبلاد.

بدا المشهد صادما لجمهور عربي ألف الترويض من قبل كهنة الميديا والتلفزيون على التلهّي بمسابقات ألعاب القمار وسلسلة "ستار أكاديمي"، مشهد عرج بالنخبة الفكرية والسياسيّة من سقيفة بني ساعدة، أين اختلف الصحب ولم يتخالفوا، إلى ما بعد الحكم العضوض لدولة "بسمارك" الوطنيّة..

مشهد غريب عن الساحات العربية، أن يتسمر الناس أمام شاشات التلفزيون ليلا، وهم يتابعون مبارزات فكرية وسياسية بين من رأوا في أنفسهم أهلا لقيادة البلاد.. بينما لا يزال قسم من العرب يتقاتل بالسلاح في أطر من دولة من أجل الوصول ليس إلى المنصب الأول، وإنما إلى التوافق على آلية سياسية يحتكم إليها الناس في الوصول إلى قيادة البلاد.. 

بات من اللّزوم التساؤل عن أفق التأثيرات الفكريّة والسياسية للمناظرات الرئاسيّة على مستقبل الديمقراطيّة التونسيّة الغضّة، وإلى أي حد بوسعها أن تشكّل لحظة إفلات حقيقي من عقال أدوات الضبط والتحكّم السياسي التقليدية التي اعتادت توجيه الناخب وتوظيفه في غير هدى استحقاقاته المشروعة؟ ثم هل يمكن اعتبار تونس نموذجا سياسيا يمكن التأسيس عليه للحديث عن تحول فكري وسياسي في المنطقتين العربية والإسلامية؟

الإعلامي والصحفي التونسي الحسين بن عمر، يعرض في هذا التقرير الخاص بـ "عربي21"، لرأي عدد من علماء الاجتماع والسياسية في حقيقة ما آلت إليه الثورة التونسية من توافقات سياسية انتهت إلى هذا المشهد الأخير من المبارزات السياسية والفكرية على الهواء مباشرة، وما إذا كان لهذا التطور السياسي اللافت أي تداعيات عربية وإسلامية. 

 



ثورة في الإقامة الجبرية

يعود المفكرون العرب وربما الغربيون أيضا، في بحث مسألة السلطة في العالمين العربي والإسلامي من الناحية الفكرية، إلى مراجع تاريخية مهمة منها "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، وإذا أرادوا البحث في آراء رصينة وموضوعية، عادوا إلى كتاب "الفتنة الكبرى" للمفكر التونسي هشام جعيط، أو "العقل السياسي العربي"، للمفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري.. لكن من حيث التجارب الواقعية وباستثناء التجربة الإيرانية، التي تمتاح أسسها من مرجعية فكرية شيعية، فقد ظلت المنطقة العربية عامة شحيحة في تقديم نموذج سياسي واقعي للتداول السلمي على السلطة.

وعندما نجح المصريون في ثورة يناير 2011، وتمكنوا من انتخاب أول رئيس مدني في تاريخهم الحديث، استبشر العرب خيرا بأن عهدا سياسيا مختلفا قد دشنه العرب، على الرغم من تحفظ الكثير منهم على قيادة الإخوان لها، لكن التجربة سرعان ما انتكست، وعاد الحكم عسكريا كما كان، وظلت التجربة التونسية الوحيدة في تقديم نموذج على امكانية نجاح النبتة الديمقراطية في العالم العربي، وإن كان الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني فيها لا يزال هشًّا.

استبعد الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي، في تصريح لـ "عربي21"، أن تكون للمناظرات الرئاسيّة آثار بيّنة على مستقبل المناخ الديمقراطي بالبلاد، مبيّنا أنّ التاريخ لا يمكن أن يُكتَب بالأدبيات دون قوّة ماديّة، فشرعيّة الثورة التونسيّة ستظلّ مجرّد سلوك دعوات أخلاقيّة ما لم تسندها شوكة، بالمفهوم الخلدوني للدولة، فالوضع الرّاهن "المعسكر" وغير الديمقراطي في كل من ليبيا والجزائر معيق حقيقي لأيّة عمليّة انتقال ديمقراطي ناجحة، وبالتالي فإنّ الاستثناء التونسي يبقى مهدّدا ما لم تنجح التجارب الديمقراطية بدول الجوار والمنطقة العربيّة. 

 



وأضاف: "إن أفضل مثال على ذلك هو تجربة الثورة الفرنسيّة، التي ما كانت لتنجح لولا ربحها للمعركة المعنويّة المتمثّلة في تشبث الشعب الألماني بقيم الثورة الفرنسية من حريّة ومساواة، وتصدّيه لدكتاتورية نابليون بونابارت".

كما أكّد المرزوقي على أنّ نجاح الألمان في توحيد إماراتهم المشتتة في 18 كانون ثاني (يناير) 1871، وتوسّع هذا الحزام المعنوي المنتصر لقيم الثورة الفرنسيّة وتبنيه لاحقا من قبل الشعوب الروسية والإسبانية والإيطالية، هو من وفّر الحصانة الدّائمة لثورة الجمهوريات، وعليه فإنّ "تأمين الثورة التونسية من الردّة يبقى مرتبطا بمدى نجاح الانتفاضات الديمقراطية بدول الجوار".

وأضاف: "إنّ الشرعية الثورية هي الأخرى باتت محلّ جدل داخلي نتيجة انكفاء النفس الثوري عند معظم المترشحين للرئاسيّة، مقابل عودة النظام القديم الذي بدا متحكّما في إدارة العمليّة السياسيّة برمّتها منذ انتخابات تشرين أول (أكتوبر) 2014، مؤكّدا في نفس المقام على ارتهان الطبقة السياسّة لما أسماه بالمافيات الداخليّة، المرتهنة بدورها لمافيات أوروبيّة وأمريكية وإسرائيلية وخليجيّة وحتى إيرانية وتركيّة".

عادل بن عبد الله، الباحث في الإسلاميات، بدا متوجّسا هو الآخر ولم يستبعد أن تكون "الكتلة التوافقيّة" الممسكة بزمام اللحظة الديمقراطيّة الراهنة، مجرد تعبيرة مؤقتة عن التوازنات الإقليمية والدولية، وبالتالي "إمكانية الارتداد عنها بحكم هشاشتها وغياب أي تأصيل نظري لها".

 



وقال بن عبد الله في مقال له الأسبوع الماضي في "عربي21": "إنّ نجاح الكتلة التوافقيّة واستمرارها لعقود قادمة يتوقّف على عاملين إثنين: العامل الأوّل هو مدى نجاحها في تجاوز تناقضاتها الداخلية، والثاني هو مدى توفّر المناخات الإقليمية والدّوليّة الملائمة لكذا تجربة ديمقراطيّة، وفق ما ورد في مقاله: "إلى أين يتجه المسار الديمقراطي التونسي؟".

البحث عن الفعل التاريخي

كمال العروسي ، أستاذ مساعد للتعليم العالي وباحث متخصّص في الأنثروبولوجيا السياسيّة، يعتبر أنّ التحدّي الأكبر الذي تواجهه اللحظة الديمقراطيّة، هو حصولها داخل مجال نفوذ القوى المهيمنة، وهو ما يفسّر سعي هذه الأخيرة، لمحاصرتها قبل أن تجد صداها لدى باقي دول الجوار، كما تحرص على توجيه مخرجاتها بما يخدم ديمومة مصالحها ونهبها للمجال.

ويرى العروسي، في تصريحات خاصة لـ "عربي21"، أنه رغم الحرب العالميّة التي شُنّت على ثورات الربيع العربي بالمشرق والمغرب العربيّين، بتدخّل أمريكي وروسي وفرنسي وإسرائيلي مباشر، وبالاستعانة بأدواتهم المحليّة من أنظمة بائدة وعسكر بائس، لا يزال مركز ربيع العرب بتونس صامدا يصرّ على إنجاح تجربته الانتقاليّة والمرور بتونس إلى الفضاء المحرّم دوليّا على الدول العربيّة: فضاء الديمقراطيّة والتداول السلمي على السلطة، كخطوة أولى على درب التحرير الشامل للمنطقة العربيّة.
 
وأضاف: "إنّ هذا التوجّه الذي تحاول قوى التغيير في تونس رسمه هو بمثابة خارطة طريق لحرب عبور حقيقيّة تنتقل بالأقطار العربيّة من حالة التيه التاريخي إلى مراتب الحضور الفاعل. وتكمن في هذا التوجّه المضامين المؤسّسة لما أطلقنا عليه اسم: "كتلة الداخل"، في مقابل "كتلة الخارج" التي تمثّلها قوى الأنظمة الوظيفيّة البائدة وملحقاتها الخارجيّة".

زهيّر اسماعيل، جامعي وباحث بمركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية ـ السيراس، يعتبر أنه علاوة على ما تمثله هذه المناظرات من مادّة خبريّة عند الآلة الإعلامية وشبكاتها، وربّما حدثاً سياسيا في أفق بناء تجربة ديمقراطيّة في سياق عربي إسلامي، فإنّها تمثّل عند المشتغلين بالفكر السياسي وتاريخ الثورات منطلق ثورة الألفيّة الثالثة ومقترحا لتأليف جديد بين الحريّة والديمقراطيّة، مضيفا في ذات السياق، أنّ  ثورة المجال العربي المنطلقة من تونس تعمل على أن تكون الديمقراطيّة لأول مرّة في تاريخها مشروطة بالحرية، كما كانت الديمقراطيّة اليونانية مشروطة بالعبوديّة، والديمقراطية الأوروبية الحديثة مشروطة بالاستعمار.

 


 
وأضاف إسماعيل في حديث خاص لـ "عربي21": "من فضائل هذه الثورة، هو اقتراحها لمفهوم الكرامة متصورا تكون فيه "الديمقراطيّة للناس كافة". وكأنها في ذلك تستدعي رسالة "النبوة الخاتمة" إلى الإنسانية بإخراج الدين من "شروطه الأقواميّة" (ارتباطه بالهويات القومية) إلى حقيقته الإنسانية". 

عقلنة اللحظة السياسيّة

يرى عبد السلام الككلي، جامعي ورئيس تحرير موقع "اسطرلاب"، أنّه بإمكان هذه التجربة الجديدة من المناظرات التلفزيّة أن تسهم في خلق عقل جديد مختلف وتؤسس لثقافة جديدة قائمة على الاختلاف والتنوع وتعدد الأفكار والبرامج، ثقافة مختلفة تخرجنا من منطق الإقصاء إلى المشاركة ومن الواحد إلى المتنوع ومن العنف إلى ثقافة السلم. فالدّيمقراطية وفق رأيه، مناخ كامل من قبول مبدأ المحاورة والرأي المختلف لا مجرد صندوق اقتراع، وهذا المناخ الفكري لا غنى عنه لإرساء قواعد العيش المشترك داخل مجتمع متنوّع ومتضامن.

 



من جهته، ثمّن محمّد الرّحموني، أستاذ الحضارة بالجامعة التونسية، المناظرات التلفزيّة واعتبرها دليلا على مضيّ قطار الثورة في طريق الحرية وإن بدت في طريقه مطبّات كثيرة، مؤكّدا في ذات المنحى على أنّ هذه الممارسة الديمقراطيّة الحرّة ماهي إلا روحا لثورة 17 كانون أول (ديسمبر) 2010 ـ 14 كانون ثاني (يناير) 2011. 

ومن منطلق هذه الروح الثوريّة، يتأمّل الرحموني خيرا في ما أسماه بالحراك الفكري الجيّد، فمنطق تاريخ الأفكار يقول: "إذا تواجهت فكرتان إلى حدّ التقاتل تبرز فكرة ثالثة وسطية هي التي تسود، واليوم هناك الكثير من الأصوات المتطرفة يمينا ويسارا خرست نهائيا وهناك أصوات أخرى اعتدلت"، ممّا سيقلّص مستقبلا من حدّة التجاذبات ومن شيوع فكرة التنافي والاستئصال بين مختلف مكونات الطيفين الفكري والسياسي، بحسب قوله.

من جهته يرى عادل بن عبد الله، في نفس المقال المذكور أعلاه، أن الاستثناء التونسي القائم على شراكة إدارة الرّأي العام بين الإسلاميين والعلمانين سيواصل الاشتغال بعد الانتخابات المقبلة بعيدا عن مفهوم "الكتلة التاريخية" وما يعنيه من انحياز لمن هم أسفل، وهو ما يجعل من هذه المحطّة لحظة سياسية ضرورية بل عقلانية بالمفهوم الهيغلي بحكم غياب أية بدائل جدية، معتبرا  أنّ "الكتلة التوافقية" مجرد لحظة سياسية منفتحة على عدة ممكنات: فإما أن تكون "إرهاصا" أو مقدمة للكتلة التاريخية بالمعنى الذي وضعه لها غرامشي بعد تَونسته.

وبهذا المعنى، فإن المناظرات الرئاسية التلفزيونية، التي تشهدها تونس لأول مرة في تاريخها، وربما هي الثانية عربيا بعد التجربة الموريتانية التي لم تأخذ حظها بالكامل، بسبب هيمنة العسكر على الحياة السياسيةهناك، لا تؤسس لآليات جديدة ظلت مطلبا للعرب ولكل قواهم السياسية لعقود طويلة فحسب، وإنما تعيد النظر أيضا في تاريخ سياسي وفكري طويل في علاقة الفكر العربي والإسلامي بالآلية الديمقراطية، وتقدم نموذجا واقعيا وملموسا عن أنه بالإمكان التعايش بين الفكر الإسلامي والديمقراطية كآلية للحكم، وأن العرب يمكنهم أن يديروا خلافاتهم بالفكر والسياسة أيضا بديلا عن الحرب، وأن بيت أبي فراس الحمداني:

نحن قوم لا توسط بيننا / لنا الصدر دون العالمين أو القبر، يبقى من الإبداعات الشعرية المرتبطة بالبلاغة اللغوية، بدليل التجربة التونسية..

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا