آخر الأخبار

الإسلام والديمقراطية بعد الربيع العربي.. ما بعد هنتغتون

شريف أيمن الإثنين، 25 نوفمبر 2019 01:36 م بتوقيت غرينتش

كتاب: الإسلام والديمقراطية بعد الربيع العربي
تأليف: جون إسبوزتيو، تمارا سون، جون فول، ترجمة: أسامة عباس، مراجعة: طارق عثمان.
الناشر: مركز نهوض للدراسات والنشر، بيروت، 2019.
عدد الصفحات: 381.

ذهب صامويل هنتنغتون في كتابه (صراع الحضارات) إلى أنه "ربما لم تكن جميع الأديان معادية للتعددية والحرية الدينية والديمقراطية، لكن الإسلام كذلك بالفعل. لقد استطاعت الديمقراطية أن تنشأ في المجتمعات الغربية المسيحية، لكنها عجزت عن ذلك في المجتمعات الإسلامية". 

 



هذه الأطروحة هي التي يناقشها كتاب الإسلام والديمقراطية بعد الربيع العربي، عبر تسعة فصول: مقدمة ثم سبعة فصول تدرس سبع حالات لدول مختلفة (تركيا، وإيران، وباكستان، وإندونيسيا، والسنغال، وتونس، ومصر) على الترتيب، ثم ينتقل إلى خلاصة الدراسات في الخاتمة.

يفنّد الكتاب هذه الأطروحة عبر وسيلتين، إحداهما، عبر استطلاعات الرأي العامة في الدول العربية أو الاستطلاعات المحددة ببلدان الدراسة، وثانيهما دراسات الحالات عبر الفصول اللاحقة. ويضع الفصل الأول الإطار النظري للأفكار التي يطرحها الكتاب، متحدثا عن نظرية التحديث ومركّزا على أفكار هانتنغتون، ثم يطرح مناقشة لها مع تبيين الفوارق بين معارضة العلمانية ومعارضة الديمقراطية، كما يسرد مسار تغيّر العلاقات بين الإسلام والديمقراطية.

تركيا

قام مصطفى كما أتاتورك بانقلابه العسكري، وألغى السلطنة عام 1922 ثم الخلافة عام 1924، ليمهّد الطريق إلى حذف مادة الدستور التي تنص على أن "دين الدولة هو الإسلام" عام 1928، فكرّس أتاتورك دولة علمانيّة، ثم كانت وفاته عام 1938 سببا في إتاحة مساحة لديمقراطية محدودة فتحت المجال أمام عودة الدين في تركيا، كما كان الخوف من تأثير الاشتراكية السوفييتية الإلحادية عاملا آخر في عودة الدين.

 


بدأ النشاط الإسلامي في تركيا يظهر بحلول الستينيات، وكان نجم الدين أربكان من أبرز نشطائه، وبعد جولات سياسية عديدة خلال فترة السبعينيات، نجح أربكان في الفوز بمنصب نائب رئيس الوزراء لثلاث مرات متتالية، وقام النظام التركي أخيرا بانقلاب عسكري عام 1980 وحظر الحزب، ثم عادت الحياة السياسية عام 1983، ومعها عاد أربكان ليصل إلى الحكم بنهاية التسعينيات، ليتم حظر الحزب مرة أخرى ويُحاكم أربكان كذلك، ولم ييأس أعضاء الحزب من تشكيل حزب جديد حظرته الحكومة كذلك، ليخرج من عباءته حزب العدالة والتنمية عام 2001، الذي شكّل حكومة منفردة بعد عام واحد من تأسيسه.

كان النجاح الاقتصادي للحزب سببا في استمراره في الحكم إلى الآن، وبحسب استطلاعات الرأي العامة في 2008، بدا أن العامل الأساسي لاختيار الناخبين للحزب في انتخابات 2007 هو العامل الاقتصادي، "حيث اختار 78% منهم (المستطلَع آراؤهم) تلك الإجابة: "الموقف الاقتصادي والتوقعات الاقتصادية"، واختار 14%: "الديمقراطية"، واختار 11% "تهديد العلمانية". لقد كان الاقتصاد، وليس الديمقراطية أو العلمانية أو الدين، هو العامل الأساسي في تلك الانتخابات" .

إيران

بدأت إيران أو بلاد فارس عملية الإصلاح الديمقراطي المؤسسية مبكرا، إذ كان دستور عام 1906 يجعل تشكيل الحكومة بيد البرلمان الذي ينتخبه الشعب، لكن الشاه توفي بعد الموافقة على الدستور وقبل دخوله حيز التنفيذ، ليعترض خليفته على تقييد سلطاته وتدخل البلاد بعدها في اضطرابات داخلية، استغلتها روسيا وإنجلترا اللتين قسمتا البلاد إلى مناطق نفوذ لهما.

بحلول عام 1951، وبسبب تزايد معدلات الفقر، صوّت البرلمان الإيراني على تأميم النفط وتعيين محمد مصدق رئيسا للوزراء، الذي تعاونت بريطانيا وأمريكا على إسقاطه واعتقاله عام 1953، لتنتهي استقلالية البرلمان، وقام الشاه بفرض سياسات غير شعبية بدعم جهاز أمني سيكون نواة للجهاز المرعب "سافاك"، كما تجاوز سلطة علماء الدين في التشريعات، ليصبح "آية الله الخميني" صوت معارضة الشاه، الذي نجح بحلول عام 1979 في العودة إلى البلاد والسيطرة على الحكومة.

 



قام النظام الإيراني الجديد بإجراء انتخابات الجمعية التأسيسية لمراجعة دستور 1906، محتفظا بعناصره الديمقراطية الأساسية كالبرلمان المنتخب، واختير الخميني قائدا أعلى للثورة، وعقب الحرب الإيرانية العراقية قامت إيران بمراجعة دستور 1979، وأصبح الرئيس يتمتع بمزيد من الصلاحيات، وأصبح الشباب الإيراني يتطلع إلى الاندماج الدولي، وكان فوز محمد خاتمي عام 1997 بانتخابات الرئاسة مؤشرا على الدور الشبابي، ثم عاد التيار المحافظ إلى الفوز مرة أخرى، وبحلول عام 2009 اندلعت احتجاجات واسعة اعتراضا على إعادة انتخاب أحمدي نجاد فيما عُرف بالحركة الخضراء، ورغم مواجهة النظام لها بقسوة، فقد عاد الإصلاحيون عبر مرشحهم حسن روحاني عام 2013، الذي قاد بلاده إلى إتمام الاتفاق النووي بين بلده وبين مجموعة (5+1).

باكستان

نشأت دولة باكستان عقب الحرب العالمية الثانية، وفي ظل الاهتمام الغربي بوقف المد الشيوعي، توجهت المساعدات المالية إلى الجيش بدلا من التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وبحلول عام 1970 دعا الرئيس الباكستاني إلى أول انتخابات وطنية، فكانت الأغلبية البرلمانية لرابطة (عوامي) في باكستان الشرقية، الأمر الذي رفضته باكستان الغربية التي كانت تتمتع بالهيمنة السياسية، فنشبت حرب بين الكتلتين، انتهت بانفصالهما وتأسيس بنغلاديش، وتغيير اسم باكستان الغربية إلى باكستان.

بحلول عام 1999 قام الجنرال برويز مشرّف بانقلاب عسكري، وقد ألزمته المحكمة العليا الباكستانية بتحديد موعد للانتخابات في غضون عام ونصف تقريبا، وقبل الموعد أعلن مشرَّف نفسه رئيسا للبلاد، ثم وقعت أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2001 لتؤثر الجيوسياسات العالمية على نضال باكستان نحو الديمقراطية، ودعمت الولايات المتحدة قادة الانقلاب لدورهم في الحرب الدولية على تنظيم القاعدة في باكستان.

 



في أوائل عام 2008 ـ وبعد عام دموي ـ بدأت باكستان في العودة إلى الديمقراطية بإجراء انتخابات برلمانية، أسفرت عن أول حكومة مدنية تتم فترة ولايتها كاملة، وقامت بتمرير تعديلات تقضي بنقل الوزارات والإدارات إلى المقاطعات لتتمتع بقدر أكبر من الحكم الذاتي، وأُلغي تعديل كان سيسمح لمشرف بالاحتفاظ بمنصبه رئيسا للجيش والبلاد، وأُلغي تعديل صدر في عهد ضياء الحق يسمح للرئيس بإقالة البرلمان المنتخب إذا شاء.

إندونيسيا

حكم إندونيسيا عقب الاستقلال عام 1945 وحتى عام 1998 رجلان فقط، أسَّسا نظاما استبداديا، وبحلول تسعينيات القرن الماضي تشكلت حركة (reformasi movement) بين المثقفين والشباب، وطالبوا بإجراء إصلاحات عديدة، وبلغت الاحتجاجات ذروتها عام 1998 الأمر الذي أدى إلى الإطاحة بسوهارتو.

انتقلت السلطة إلى نائب سوهارتو بصورة قانونية، وتحفّظ الشارع عليه باعتباره امتدادا للنظام السابق، لكن النخب الإندونيسية قبلت الانتقال بوصفه خطوة إلى حكم أكثر ديمقراطية، وبالفعل قام (بشار الدين يوسف حبيبي) بتغييرات كبرى، فـ"خفّضت إدارته وضع الجيش في السلطة التشريعية، ووضعت البنية القانونية اللازمة للأحزاب السياسية والانتخابات التنافسية"، وكان دور الجيش في تلك العملية حاسما بتأييد قادته تغيير النظام، ثم أجرى البرلمان أول انتخابات رئاسية عام 2000 أطاحت بـ"حبيبي" من الرئاسة.

 



أقامت إندونيسيا على مدار السنوات اللاحقة ثلاثة انتخابات رئاسية في أعوام 2004، 2009، 2014، وقد ساهمت في تعزيز الانتقال الديمقراطي، ووفقا لمؤسسة (freedome house) فقد تغير تصنيف إندونيسيا إلى دولة ديمقراطية منتصف العقد الأول من القرن الحالي.

السنغال

"لقد ساعدت ثلاثة تطورات سياسية عامة في أن تصبح السنغال دولة ناجحة إلى حد كبير في التحول الديمقراطي، وتجنب الحكم الديكتاتوري العسكري. العلاقات بين الإثنيات والحياة السياسية تعد العنصر الأول، إلى جانب العنصر الثاني، وهو أسلوب العمل السياسي للجماعات الدينية الكبرى، والعنصر الثالث هو استمرار الطابع غير السياسي للجيش في علاقته بالدولة والسياسة. وقد وُضعت أسس هذه الديناميات خلال التاريخ الطويل للجماعات الإثنية والدينية والعسكرية في منطقة سنغامبيا" .

استقلت السنغال عن فرنسا عام 1960 وعقب الاستقلال انتخبت الجمعية الوطنية (سنغور) رئيسا، ثم فاز وحزبه في انتخابات 1963، واستمر سنغور في الحكم حتى تقاعد اختياريا عام 1980، وخلَفه عبده ضيوف، وعلى مدار ربع قرن تقريبا كان عبد الله واد ينافس في الانتخابات الرئاسية، ليفوز أخيرا في انتخابات عام 2000 بمقعد الرئاسة وتَحقَّق انتقال السلطة عبر انتخابات، وقد بدا قبلها حرص جميع الأطراف على تقوية الديمقراطية بدلا من التخلي عنها.

 



عمد واد إلى تدعيم الحياة الحزبية فزادت الأحزاب من 26 حزبا عام 1997 إلى 154 حزبا عام 2008، لكن إعلانه للترشح عام 2008 عزّز المخاوف من الانحراف عن الديمقراطية، لكنه خسر الانتخابات في جولة الإعادة بنحو ثلثي الأصوات أمام المرشح مكي سال، وقد تقبّل واد وحزبه خسارة الانتخابات الرئاسية ثم البرلمانية التالية لها.

تونس

استقلت تونس عن فرنسا عام 1956، ومنذ استقلالها وحتى اندلاع ثورة الياسمين عام 2011 لم يحكمها سوى رئيسين هما، الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، ورغم ذلك فقد تقبلت العديد من النظم الغربية حكوماتهما السلطوية.

كانت هناك أزمات اقتصادية حادة يعاني منها التونسيون جراء الثورة، كذلك تصاعد الخلاف الإسلامي العلماني بسبب السلفيين، وبلغت هذه التوترات ذروتها باغتيال الناشط العلماني شكري بلعيد في شباط (فبراير) 2013، وقد مثّل الانقلاب العسكري في مصر منتصف 2013 عامل ضغط جديد على التجربة التونسية الناشئة والخوف من تكرار نفس السيناريو بها، الأمر الذي دفع حزب "النهضة" إلى التنازل عن الحكم للحد من عدم الاستقرار السياسي ولحماية الوحدة الوطنية، وبعد مخاض عسير نجح التونسيون في التوافق حول دستور تم إقراره مطلع عام 2014.

 



نهاية 2014 خسرت "النهضة" الانتخابات البرلمانية وحلّت في المرتبة الثانية بعد حركة "نداء تونس"، وبحلول كانون أول (ديسمبر) فاز قائد الحركة الباجي السبسي بالانتخابات الرئاسية، وأخلف السبسي وعده الأول بتشكيل ائتلاف واسع، وأعلن رئيس الوزراء المكلف عن حكومة ليس فيها أي عضو من "النهضة" مع أنها القوة الثانية في البرلمان، وتحت ضغوط تم إعطاء "النهضة" وزارة التوظيف ومناصب 3 نواب وزراء فقط، ورغم هذا فقد دعمت "النهضة" الحكومة وصوتت بإعطائها الثقة تدعيما للعملية الديمقراطية.

مصر

مطلع 2011 ومع نجاح ثورة الياسمين اندلعت الثورة المصرية مستفيدة من مواقع التواصل الاجتماعي، ودون وجود قيادة محددة، وقد نجح الشارع المصري في إجبار مبارك على التنحي بالفعل.

دعم المصريون الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، مستفيدين بالأساس من شبكات الإخوان الاجتماعية، فكان الناخبون واقعيين لا مؤدلجين، وقبيل إجراء جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية قامت المحكمة الدستورية العليا بحل مجلس الشعب المصري، كما أصدر المجلس العسكري ميثاقا، استهدف تحديد سلطات الرئيس القادم، وعقب فوز محمد مرسي بالانتخابات الرئاسية قام بإلغاء هذه القرارات في آب (أغسطس) 2012 وقام بإقالة كبار قادة الجيش.

 



في خضم تفاعلات سياسية خشنة طوال سنة حكم مرسي الأولى، خرجت دعوات تطالب بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وهو ما استجاب له الجيش يوم 3 تموز (يوليو) عندما أصدر وزير الدفاع بيان الانقلاب العسكري لتنهار الديمقراطية في مصر، وعمد النظام الجديد إلى سحق جماعة الإخوان المسلمين، فاعتقلت الآلاف من قادتها وأعضائها، وقتلت المئات خلال فض اعتصاماتهم، وهو ما اعتبره البعض أكبر مذبحة في التاريخ المصري الحديث.

كان لافتا دعم من يصفون أنفسهم بالليبراليين لحملات القمع العنيفة التي تعرضت لها الجماعة، فضلا عن ترحيبهم بالإطاحة بمرسي، الأمر الذي أوضح أن أحد "أهم التحديات السياسية التي واجهت الديمقراطية الناشئة (حكومة ومعارضة) هو الاعتراف بمبدأ "المعارضة المخلصة" وتبنيه"، كما بدا أن "الجيش وحكومته لم يسعيا إلى إجراء عملية ديمقراطية، لإضفاء الشرعية على سلطتهم، من خلال انتخابات برلمانية ورئاسية لتقويض مصداقية الإخوان، وإقصاء حكومتهم المنتخبة ديمقراطيا، وإقامة حكومة شرعية خاصة بهم" .

عقب نجاح الثورات العربية يمكن القول "إذا كان السؤال الذي يُطرح في الماضي هو: هل الثقافة العربية أو الإسلامية تتفق مع الديمقراطية؟ فإن السؤال الآن قد أصبح: هل الحرس القديم والنخب الراسخة (الجيش والمحاكم والشرطة وقوات الأمن وغير ذلك من النخب السياسية والاقتصادية)... وكذلك الإسلاميون مستعدون للانتقال إلى الديمقراطية؟".

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا