آخر الأخبار

لمصلحة من الترويج لبؤس و"بشاعة" صورة فلسطين؟

أحمد الدَبَشْ الجمعة، 06 ديسمبر 2019 04:30 م بتوقيت غرينتش

الكتاب: "مارك توين: رحلة الحجاج إلى الأرض المقدسة".
المؤلف: مارك توين
ترجمة: عبد الباقي بركات
الناشر: المركز القومي للترجمة ـ مصر، ط1، 2013
عدد الصفحات: 597 من الحجم المتوسط

لعل الكاتب الأمريكي الساخر، مارك توين (Mark Twain)، هو أبرز من صور الشرق الأوسط في القرن التاسع عشر، إذ باع كتابه المليء بالسخرية السوداء عن جولته الكارثية بـ "الأرض المقدسة"، ما يقرب من مائة ألف نسخة في العامين التاليين لنشره في 1869، وباعتباره سيداً من سادة التهكم والسخرية، جعل عنوان عمله عن تجواله الطويل في الشرق "السذج خارج الوطن" 
(The Innocents Abroad Roughing It)، وقام عبد الباقي بركات، بترجمة الكتاب تحت عنوان "مارك توين: رحلة الحجاج إلى الأرض المقدسة"، (المركز القومي للترجمة ـ مصر، ط1، 2013).   

يقع الكتاب في 597 صفحة من الحجم المتوسط، ويتألف من تقديم للمترجم، وستون فصلاً. 

قدم توين في الكتاب، وصفية لاذعة عن رفاقه في الرحلة، الذين كان معظمهم يتسم بالعجرفة وعدم اللباقة، وما قد يطلق عليه نقاد القرن العشرين "الاستعمار الثقافي". 

 

رحلة إلى أرض مجهولة

قام مارك توين، مع مجموعة من الحجاج الأمريكيين، حوالى أربعين شخصاً، "متجهين من بوسطن وسانت لويس، وبعض المناطق الغربية بالولايات المتحدة الأمريكية، إلى الشرق الأوسط لأول مرة. في شهر حزيران/ يونيو 1867، كان مارك توين، يحث الخطى عبر وول ستريت، ويصعد بصعوبة إلى الباخرة كويكر سيتي (Quaker City)، المتجهة إلى الأرض المقدسة، لكي تحملهم أقدامهم متعثرين في أرض مجهولة بالنسبة لهم".

يحدثنا عن الشرق، بطريقة تنم عن التعالي والإزدراء، بالقول: "بيوت المسلمين فيها معتمة كئيبة، تخلو من وسائل للرّاحة، ككثير من المقابر. وشوارعها متعرّجة، وعرة غير ممهدة. وتشبه من حيث الضيق درج السلم العادي. تقود شوارعها المتماثلة إلى التيه عن المكان الذي قصده، وتباغته بمواقع لم تكن في حسبانه قط. تمارس فيه التجارة أساساً في أسواق كبيرة مغطّاة، ومقسمة إلى حوانيت لا حصر لها كأقراص النّحل هذه إلى شبكة من الأزقّة. يسع الزقاق فيها مرور جمل محمّل بالبضائع. وقد أعدت تماما لإرباك الغريب وتعريضه من وقت لآخر للتيه. تنتشر النفاية والحشرات في كلّ مكان. وترقد الكلاب الهزيلة والمثيرة للرثاء في الطرقات. واكتظ كل زقاق بالبشر، حيث تقع عيناك أينما نظرت على عرض أزياء تنكّري رهيب، وحيث كل الورش الصناعية مشرعة على الطّرقات فيظهر الحرفيوّن، وتسمع إلى كل ما يخترق الأذن من أصوات، وتعلو أصوات الضوضاء لإثارة التفات الزبائن وجلبة الشوارع على صوت المؤذن الذي يدعو المؤمنين من أوغاد المحمّدين إلى الصلاة. ثم ينصب الاهتمام أولاً وآخراً بالزّبائن أو بلفت أنظارهم. ولا تتراجع أبداً نفاية المحمّدين، التي لو قورنت رائحتها، بما يبعثه ربع صينيّ. لاقتربت رائحة الأخير من شواه عجل سمين في خياشيم موسر عائد إلى وطنه. ذلك ترف الشرق، وتلك أبْهته وعظمته! قرأنا عنه في كل أطوار حياتنا. لكننا لم نعرفه إلا بعد أن رأيناه بأعيننا"، (ص 377) 

يتطرق إلى مشكلة المواصلات والتنقل، التي شكلت مبعث قلق بالنسبة له؛ فيقول: "كنا ندرك تماماً أنّ فلسطين من البلاد التي لا تتوفر فيها وسائل لنقل المسافرين(...) لجأ كل منّا ونحن في القسطنطينية إلى إرسال برقيّات للقنصليات الأمريكية في الإسكندرية وبيروت. لإخبارهم برغبتنا في الحصول على تراجمة ووسائل للتنقل"،(ص 398)

يمعن بازدراء واحتقار أهالي الشرق، بذكر موقف تعرض له، فـ "خلال مائدة الإفطار، جلس كالعادة هذا الجمع البشريّ المزري في جلد، خارج دائرة المخيّم السّحريّة. يترقبون تلك اللّقيمات، التي تقدم لهم على سبيل الرّحمة لما أصابهم من بؤس. كان منهم الشباب وكبار السّن، والصّفر والسّود، والرجال طوال وقصار القامة (نادراً ما تقع عين أمرئ على رجال بتلك الملاحة، كما يحدث هنا في بلاد الشّرق)، لكن كل النساء والأطفال بدت عليهم الفاقة والبؤس، ومضهم الطّوى. لقد ذكرني هؤلاء كثيراً بالهنود الحمر حيث يغطي أجسادهم ما خفّ من ثياب، لكنها اتسمت بغرابة المظهر وغرابة الهندام. عرضوا ما تزينوا به من بهرج وحليّ رخيصة، بطريقة بسيطة تمكن من لفت الأنظار، جلسوا في صمت وصبر لا يلين، لمراقبة كل حركة تصدر عنا بإزدراء، وفظاظة مكبوتة، تماماً، كما يفعل الهندي، ما يؤدي إلى إثارة حفيظة الرجل الأبيض وتململه وقسوة ترغبه في إبادة القبيلة عن أخرها. تميّز أولئك المحيطون بنا، بأسماء أخرى، لاحظتها من قبل في الهندي الأحمر الأصيل، حيث غشيتهم الحشرات الطّفيليْة، وران على إجسادهم الوضر حتى صار قشوراً. كان الصغار في حال تدعو إلى الشفقة، فكلّهم مقرحو الأعين، ويعانون أنواعاً أخرى من الأمراض، يذكر أنه لا يوجد طفل في بلاد الشرق، إلا وعانى من قروح في عينيه، وأن الآلاف منهم يفتقدون عيناً واحدة أو الاثنتين كل عام. أصدق صحة هذه المعلومة، لأنني أرى كل يوم الكثير من فاقدي البصر، ولا أذكر أن امرأة أمريكية قد هان عليها الجلوس وطفلها بين ذراعيها، وتركت الكثير من الذّباب يحوّم طليقاً طوال الوقت حول عينيه؟"، ص (431 ـ 432).

 

كانت كلمة فلسطين، من الغموض بالنسبة لي بحيث أوحت إلى عقلي، بأنها بلد في حجم الولايات المتحدة الأمريكية، لم أدري لذلك سبباً، لكن الأمر سار على هذا النحو، لعل سبب ذلك، كان جهلي بأن بلداً صغيراً يمكن أن يكون له في التاريخ مثل هذا الزّخم"


 
تنتابه نوع ما من خيبة الأمل، التي أحس بها، حيث يقول: "لكنْ جمال البقعة اللاّفت لن يدفع عاقلا للانبطاح على الأرض مغشياً عليه لفرط انفعاله بجمالها، حسبما تدفع كتب الرّحلات إلى سوريا، الناس إلى تصديقها(...) قطعنا مسيرة ساعة فحسب داخل حدود الأرض المقدسة، وكان من الصعب، أن نبدي تقديراً بأننا نقف الآن، على أرض تختلف في شيء عن أيّ أرض أخرى اعتدناها. وأننا نري أيضا كيف بدأت الأسماء التاريخية، تحشد بالفعل أمامنا(...)  (وفي رأيه،  حدود فلسطين، تحدها) من الشمال بلدة دان، ومن الجنوب بير سبع، وهذه العبارة، ترادف عبارة من بالتيمور إلى سان فرانسيسكو، ومن ميامي إلى تكساس(...) (ويشير إلى) أنه يمكن تقسيم ولاية ميسوري إلى ثلاثة، يعادل كل مساحة فلسطين، وتبقى مساحة كافية لجزء رابع، هو الأكبر"،( ص 437).

 

قدم صورة سلبية للقدس

يقول: "كانت كلمة فلسطين، من الغموض بالنسبة لي بحيث أوحت إلى عقلي، بأنها بلد في حجم الولايات المتحدة الأمريكية، لم أدري لذلك سبباً، لكن الأمر سار على هذا النحو، لعل سبب ذلك، كان جهلي بأن بلداً صغيراً يمكن أن يكون له في التاريخ مثل هذا الزّخم" ص (443 ـ 444). و"لم تتغير فيها شيء سواء في المسلك، أو العادات، أو في العمران"، (ص 458).  

يشكك توين، فيما كتبه الرحالة السابقون له، بالقول: "أرى من خلال السياق العام لكل ما قرأت من كتب، أنني على يقين من أن كثيرين ممن زاروا هذه المنطقة مؤخراً، كانوا من أعضاء الكنيسة المشيخية البروتسانتية، وقد أتوا سعياً وراء أدلة تدعم معتقدهم الخاصّ، فرأوا من وجهة نظرهم أن فلسطين مشيخية بروتسانتية، وكانوا مستعدين لترتيب أفكارهم على أن تكون فلسطين هي تلك التي يعرفونها وحدهم هم، يواكب ذلك احتمال جهلهم بها، فحماسهم الديني قد أعمى بصائرهم"، (ص 464). 

يسخر مارك توين، من نساء الناصرة، فيقول إنهن: "يفتقرون إلى الملاحة (حسن المظهر)"، (ص 481). ولكن تظهر "ملاحة الوجوه في رجال العرب، وليس نسائهن، علينا جميعاً التسليم بأن العذراء مريم كانت جميلة، كانت جميلة. ولا يعقل أن تكون على النقيض من ذلك، ولكن أيعقب ذلك أن نلتزم بالكشف عن معالم الجمال في نسوة الناصرة الحاليين؟" (ص 482). 

وصف مدينة القدس، بأنها مدينة "تثير الشّجن والأسى والوحشة. لم تعد لديّ الرغبة في الحياة في أورشليم"، ( ص 506). ولم تنج كنيسة المهد، في بيت لحم، من نقده المتعسف، حيث ذكر أنه، "زين الكهف (مكان ميلاد المسيح، كما يزعم) بالصورة النمطية المقزّزة نفسها، التي لا تخطئها العين، في كل الأماكن المقدسة في فلسطين"، (ص 541). 

لم يخف سروره بمغادرة فلسطين، حيث يقول "تدعوني الفطنة، إلى ضرورة ذكر كذبة بيضاء، والقول بأنني كففت نفسي مكرهاً عن النظر إلى أي مكان تاريخي في فلسطين، كل شخص يردّد هذا القول، لكني وبشيء من المباهاة، أشك، في كل كلمة يرددها هؤلاء، لكني أقسم غير حانث، بأنني لم أسمع أحداً من حجاجنا الأربعين، يردّد شيئاً من هذا القبيل"، (ص 543).
 
يختم رحلته، بكلمات تنم عن الكراهية فيقول: "فلسطين هي البؤس والبشاعة، فلماذا يتوجب على النقيض؟ أيمكن للعنة الرب أن تجمّل بلداً؟ لم تعد فلسطين اليوم شغل العالم الشّاغل، إنها مقدسة في الشعر والرواية الدينية القديمة إنها أرض الأحلام"، (ص 548). 

رغم أن رحلة مارك توين، كما يري دوجلاس ليتل، في كتابه "الاستشراق الأمريكى: الولايات المتحدة والشرق الأوسط منذ 1945"، قد حدثت قبل أكثر من قرن من الزمان، وقبل أن يصبح الشرق الأوسط هاجساً مقلقاً على المستوى القومي، فإن "توين، زود الأمريكيين بصورة باقية عن منطقة كان من المتعذر التنبؤ بما فيها، منطقة لا تنسى، وفي لحظة فارقة كانت الولايات المتحدة الأمريكية بادئة في الظهور كقوة عالمية".

إن رحلة مارك توين، إلى فلسطين، والمنشورة في كتابه (The Innocents Abroad Roughing It)، هي واحدة من مئات كتب الرحلات عن الشرق الأوسط التي نشرت في الولايات المتحدة الأمريكية على امتداد القرن التاسع عشر، والتي نقلت صورة ازدرائية ومتعالية، الأمر الذي جعل من الكتاب ذا أهمية خاصة لدى المفكرين اليهود الذين كانوا قد بدأوا بالترويج لإنشاء دولة لليهود في فلسطين، وذلك بتسليط الأضواء على الأوصاف، التي وردت على لسان مارك توين، في الصحف اليهودية.

 

*كاتب وباحث فلسطيني

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا