آخر الأخبار

طارق الزمر: ثورة يناير انتصرت.. وخلع مبارك تحول تاريخي

عربي21- طه العيسوي الثلاثاء، 11 فبراير 2020 07:03 ص بتوقيت غرينتش

* رحيل مبارك مثّل نقطة تحول تاريخية وفتح الباب أمام تحولات مجتمعية هائلة في بلادنا

 

* ثورة يناير انتصرت فقد أوجدت حلما لا يبيد وفرضت نفسها على كل مسالك التغيير ولو بعد قرن من الزمان

 

* الحركة الوطنية المصرية كانت وما زالت غير مُجهزة وغير مُدربة للتعامل مع التحولات الكبرى

 

* التيار الإسلامي تقع عليه المسؤولية الكبرى لأنه لم يكن الأكثر جاهزية لبناء رؤية توافقية تعبر المرحلة الانتقالية بأمان

 

* أؤيد تأجيل حلم "يناير" لأن الأحلام تحتاج إلى شروط للتطبيق وواقع مُجهز للارتفاع إلى مستواها وهذا لا يعني هزيمة الثورة

 

* الحذر من الفوضى أمر مشروع ويجب أن يكون على أجندة أي مشروع ثوري أو إصلاحي

 

* أتفق مع التصور الذي طرحه الناشط علاء عبد الفتاح بعدم الرحيل الفوري للسيسي وضبط أداء سلطته حتى عام 2022

 

* يدي ممدودة لكل من يستطيع تأمين سيناريو علاء عبد الفتاح ولكل من يضمن هذا المسار

 

* أطالب القيادات المخلصة للثورة بأن تنتدب فريقا من الأكاديميين والخبراء لتقييم أداء كل المتصدرين للمشهد

 

* أدعو فريق الأكاديميين والخبراء والمتخصصين إلى وضع "روشتة الإنقاذ" بما يؤمن مسار استكمال الثورة

 

* نفس الفريق مُطالب بأن يضع تصورا لـ"الجمعية العمومية لاستكمال الثورة" ويتم اختيار "مجلس لقيادة الثورة"

 

* اعتزال الرموز السياسية سيترك فراغا لن تملأه سوى الثورة المضادة

 
قال الرئيس السابق لحزب البناء والتنمية المصري، طارق الزمر، إن رحيل الرئيس المخلوع حسني مبارك عن السلطة في مصر يوم 11 شباط/ فبراير 2011 ما زال يمثل "نقطة تحول تاريخية، حيث فيه تمت هزيمة الاستبداد، وانكسرت الديكتاتورية في بلادنا، وهو ما فتح الباب أمام تحولات مجتمعية هائلة لاتزال تترسخ حتى يتم التخلص من الاستبداد والديكتاتورية إلى غير رجعة".

وأقرّ الزمر، في الحلقة الأولى من المقابلة الخاصة مع "عربي21"، بأن "الحركة الوطنية المصرية لم تكن مُجهزة للتعامل مع تحولات مثل تلك التي فرضها يوم 11 شباط/ فبراير، بل إنها لا تزال غير مُجهزة أو مُدربة للتعاطي مع التحولات الكبرى التي تتداعى تلقائيا بسقوط الديكتاتورية في مصر، ولهذا فقد تم اختطاف نضالهم وتضحياتهم بسهولة".

ورغم أنه يرى أن ثورة يناير قد انتصرت، إلا أنه اتفق مع ما طرحه الناشط السياسي البارز، علاء عبد الفتاح، الذي قال إنه "علينا أن نضحي بأحلامنا حتى يتمكن أبناؤنا من الحلم"، مضيفا أنه "إن كان يقصد تأجيل حلم يناير فأنا أتفق معه، لأن الأحلام بطبيعتها تحتاج إلى واقع مُجهز للارتفاع لمستواها، وتحتاج إلى شروط للتأويل والتطبيق، لكن هذا لا يعني هزيمة يناير".

واتفق الزمر مع التصور الذي يطرحه علاء عبد الفتاح المرتبط بعدم الرحيل الفوري للسيسي عن الحكم، مع ضبط أداء سلطته حتى عام 2022، قائلا: "يدي ممدودة لكل من يستطيع تأمين هذا السيناريو أو يضمن هذا المسار، لأنه في النهاية ووفق صيرورة ثورة وأهداف يناير سيؤدي بالضرورة إليها".

وأضاف الزمر، وهو رئيس مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن "الحذر من الفوضى أمر مشروع، ويجب أن يكون على أجندة أي مشروع ثوري أو إصلاحي، ولا سيما إذا كنا نتعامل مع نُظم غير وطنية تحكم بالحديد والنار، ولا تتيح لأحد أن يحكم بعدها".

 

اقرأ أيضا: علاء عبد الفتاح: لهذه الأسباب لا أطالب برحيل فوري للسيسي

وأثناء نظر تجديد حبسه أمام نيابة أمن الدولة الشهر الماضي، كشف علاء عبد الفتاح أنه لا يطالب برحيل فوري للرئيس عبد الفتاح السيسي، لأن "خلق صراعات في هذه اللحظة الهشة أمر شديد الخطورة"، معلنا -لأول مرة- أنه يؤيد مسألة التدرج في الانتقال الديمقراطي للسلطة، لأن "حجم الأزمات والاستقطاب وعدم الثقة المتبادل يستدعي ذلك"، وداعيا أولياء الدم من كل الأطراف إلى "تأجيل القصاص مقابل ضمانة ألا تتكرر المذابح والتفجيرات".

وقال علاء: "يمكن استغلال الفترة المتبقية من الفترة الثانية للسيسي وفقا لدستور 2014 في إطلاق حرية المجتمع المدني والتنظيم النقابي ثم إجراء انتخابات المحليات وفقا لآلية بسيطة كانتخابات مباشرة بقوائم نسبية في الوحدة المحلية، ويتم التدرج في اللامركزية عن طريق انتخابات تصعيدية للمراكز والمحافظات بدلا من القفز مباشرة إلى تجارب كانتخاب المحافظين ورؤساء المدن. وفي هذه المستويات القاعدية فرصة لبناء أحزاب قوية وفرصة لمؤسسات الدولة أن تعتاد على التعاطي مع السياسة والسياسيين والمجتمع بأساليب غير فوقية، دون استعلاء ودون محاكمات واعتقالات".

وطالب الزمر من وصفها بالقيادات المخلصة لثورة يناير بأن "تنتدب فريقا من الأكاديميين والخبراء والمختصين القادرين على الإمساك بكل ملفات وأوراق ثورة يناير لتقييم أداء كل المتصدرين لاستكمالها، وذلك منذ الانقلاب عليها وحتى اليوم. وأن يقوم ذات الفريق بوضع روشتة الإنقاذ بما يؤمن مسار استكمال الثورة حتى بناء الدولة الديمقراطية الحديثة دولة القانون والمؤسسات"، مؤكدا أن "اعتزال الرموز السياسية سيترك فراغا لن تملأه سوى الثورة المضادة".

وتاليا نص الحلقة الأولى من المقابلة الخاصة:

 

في مثل هذا اليوم رحل الرئيس المخلوع حسني مبارك عن السلطة في مصر.. كيف تنظرون لرحيله اليوم بعد مرور 9 سنوات؟

 

ما زال رحيله نقطة تحول تاريخية، كما أنه ما زال هذا اليوم يتطلع لما بعده، وما يجب أن يبنى عليه، حيث فيه تمت هزيمة الاستبداد، وانكسرت الديكتاتورية في بلادنا، وهو ما فتح الباب أمام تحولات مجتمعية هائلة لا تزال تترسخ حتى يتم التخلص من الاستبداد والديكتاتورية إلى غير رجعة.

كما أن رحيله، وإن كان قد أدى لتمكين الدولة العميقة من مفاصل الدولة، وأصبحت طافية فوق السطح، وأصبح المجلس العسكري يحكم بشكل صريح ومباشر، إلا أننا نستطيع القول إن هذه هي علامات فقدان السيطرة على الأركان الأساسية للحكم العسكري، والتي مكنته من السيطرة على مدى 70 عاما، حيث إننا نشاهد سيارة قد فُككت كل صواميلها وهي تتحرك بالفعل، ولكنها تتحرك على غير هدى، بل تستطيع وفق النظرة الاستراتيجية أن تراها تتخبط، ولهذا فغالب خياراتها الاستراتيجية في مجال السياسة أو الاقتصاد أو الأمن هي خيارات انتحارية.

ولماذا بعد تنحي مبارك وانتهاء الـ 18 يوما الأولى لثورة يناير بدأت الانقسامات والصراعات والتخبط والارتباك يسود صفوف الثوار والمشهد المصري ككل؟


للأسف لأن الحركة الوطنية المصرية غير مجهزة للتعامل مع تحولات مثل تلك التي فرضها يوم 11 شباط/ فبراير، بل إنها لا تزال غير مُجهزة أو مُدربة للتعاطي مع التحولات الكبرى التي تتداعى تلقائيا بسقوط الديكتاتورية في مصر، ولهذا فقد تم اختطاف نضالهم وتضحياتهم بسهولة، لكنها على كل حال عملية قرصنة تشبه القرصنة البحرية، حيث يمكن استردادها بسهولة، فما زال الطرفان في البحر، ولم يستقر أحد على الشاطئ.

ونحن نعيش أيام الذكرى التاسعة لثورة يناير.. كيف ترى واقع الثورة اليوم؟ وهل كان هناك شيء جديد أو مختلف في تلك الذكرى؟

 
هناك ملاحظتان لافتتان على ذكرى مرور تسع سنوات على يوم 25 يناير: الأولى حالة التعلق الشديد بالثورة، والارتباط العميق بمفاهيمها وأهدافها، والتي يمكن قراءتها بوضوح على مواقع التواصل الاجتماعي أداة التعبير الصادقة والباقية بعد انسداد كل منافذ التعبير، والتي تُعبر اليوم بشكل صريح ومباشر عن رفض ما آلت إليه الحالة السياسية والتطلع نحو التغيير بكل أبعاده.

وقد ساهم في ذلك أن العام الماضي قد أكدت فيه الشعوب العربية في موجتها الثانية أنها لا تزال تتطلع للتغيير الذي وضعت بذوره الثورة التونسية والمصرية؛ فإذا كانت الثورة التونسية قد سبقت فإن الثورة المصرية هي التي عولمتها وجعلتها تعبر عن حالة رفض عربية عامة وتطلع جارف للتغيير، وهي بطبيعة الحال ينبغي ألا تقف عند حدود مصر وتونس، ولهذا توسعت ثم رأينا منذ مطلع العام الماضي الموجة الثانية من الربيع العربي، وما زلنا نرقب الموجة الثالثة والرابعة؛ فقد تفتحت عيون شعوبنا على مدى حاجتنا للتغيير بعد أن اكتشفت أن مجتمعاتنا هي الأسوأ في العالم في كل المجالات وخاصة في مجال الكرامة الإنسانية.

والملاحظة الثانية، وهي حالة الإحباط ونبرة اليأس التي بدت بوضوح لدى البعض، والتي ترجع في هذا العام تحديدا لإعطاء ظاهرة الفنان والمقاول محمد علي أكبر من قدرها، والتعويل عليها بذاتها لتكون أساسا للتغيير، والحقيقة برغم أنها ألقت حجرا في الماء الراكد وأكدت مدى هشاشة السلطة التي تبدو باطشة، وأيقظت تطلعات شبابنا للتغيير، إلا أنها أيضا كشفت أن المعارضة المصرية لا تزال غير جاهزة حتى الآن للتعاطي مع حالة تغيير كبرى قد تفاجئ الساسة، كما فاجأتهم في 2011.

الناشط السياسي البارز، علاء عبد الفتاح، قال إن "ثورة يناير هُزمت، وعلينا أن نضحي بأحلامنا حتى يتمكن أبناؤنا من الحلم، وسأدعو أولياء الدم من كل الأطراف أن يؤجلوا القصاص مقابل ضمانة ألا تتكرر المذابح والتفجيرات".. كيف تنظرون لتلك التصريحات؟


أولا لا بد أن أطالب بإسقاط التهم الملفقة والموجهة لعلاء والإفراج عنه فورا، كما أثمن دوره وأسرته في المساهمة الجادة في الدفاع عن ثورة يناير وأهدافها وقيمها طوال السنين، ولا أنسى أبدا والده الذي ساهم بشكل كبير في ترسيخ قيم الاصطفاف الوطني وعبور الأيديولوجيات، والتي جعلته يعبر أسوار السجون مدافعا عن الشباب الإسلامي المعتقل في عصر مبارك.

ثانيا، كامل تقديري للظروف القاسية التي يتعرض لها علاء بسبب صلته بثورة يناير التي قررت الثورة المضادة التنكيل بكل من وما يمت لها بصلة، ولهذا من الضروري أن أؤكد أن الثورة التي لا تزال تؤرق خصومها بهذا الشكل لا يمكن تصور أنها قد هُزمت أو ماتت، لأن المهزوم أو الميت لا يخشى أحد من عودته ولا يتهيبه بكل هذه الإجراءات، بل والقوانين السارية والجاري سنها حتى الآن.

أما إن كان يقصد تأجيل حلم يناير فأنا أتفق معه لأن الأحلام بطبيعتها تحتاج واقعا مُجهزا للارتفاع لمستواها، وتحتاج شروطا للتأويل والتطبيق، لكن هذا لا يعني هزيمة يناير، لأن إيجاد وصناعة "الحلم" غير القابل للتحريف أو التبديد هو أهم نقطة ارتكاز في قيام الثورات التي بطبيعة الحال لا تحقق أهدافها بين يوم وليلة.

ولهذا، أرى أن ثورة يناير قد انتصرت، فقد أوجدت حلما لا يبيد، وأن أهم ما انتصرت فيه وله هو إعادة مجتمعنا إلى مربع الإنسانية والتطلع للحياة الكريمة كما يحيا البشر، وهو ما يخلق ديناميكية يصعب حصارها. كما أزعم أن ثورة يناير قد فرضت نفسها على كل مسالك التغيير في مصر، ولا يمكن تصور تغيير في مصر- ولو بعد قرن من الزمان- بعيدا عن أهدافها وقيمها التي رواها الشباب بدمائه وغذاها الشعب بإيمانه بها.

علاء عبد الفتاح أكد أيضا أنه لا يطالب برحيل فوري لرئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، لأن "خلق صراعات في هذه اللحظة الهشة أمر شديد الخطورة"، داعيا لاستغلال الفترة المتبقية من الفترة الثانية للسيسي وفقا لدستور 2014 في إطلاق حرية المجتمع المدني والتنظيم النقابي ثم إجراء انتخابات المحليات.. فما هو موقفكم من مطلب الرحيل الفوري للسيسي؟

 
الحذر من الفوضى أمر مشروع، ويجب أن يكون على أجندة أي مشروع ثوري أو إصلاحي، ولا سيما إذا كنا نتعامل مع نُظم غير وطنية تحكم بالحديد والنار، وتعمل على تلغيم المجتمع بشتى الألغام السياسية والمجتمعية والاستراتيجية بحيث لا تتيح لأحد أن يحكم بعدها، وإذا حكم فإنه يحكم مجتمعا ممزقا ودولة مفتتة أو مشتتة وأوضاعا استراتيجية مهلهلة تخدم الخصوم أكثر مما تخدم الأوطان.

أما عن التصور الذي يطرحه علاء والمرتبط بعدم الرحيل الفوري للسيسي وضبط أداء سلطته حتى عام 2022 فيدي ممدودة لكل من يستطيع تأمين هذا السيناريو أو يضمن هذا المسار، لأنه في النهاية ووفق صيرورة ثورة وأهداف يناير التي ذكرتها سيؤدي بالضرورة إليها.

هناك بعض المؤمنين بثورة يناير، بل وبعض الشباب الذين كانوا فاعلين فيها سابقا، هم اليوم يكفرون بتلك الثورة ويندمون عليها.. ما السبب في تلك الحالة التي تجعل هناك حنينا ورغبة للعودة إلى نظام مبارك "المستبد"؟


رأيي أن ثورة يناير ستظل فكرة قائمة وحلما يدغدغ وجدان الأجيال، وحتى لو تخلينا نحن عنه فسيجد من يحمله ويتحمل المسؤولية بجدية ويجعله حقيقة اجتماعية وسياسية. علما بأن بعض المحبطين الذين تحدثت عنهم لم يكفروا بحلم يناير، وإنما هزمتهم ظروف الواقع الأليم الذي نحياه بعدها، كما أن الشباب بطبعه يستعجل الثمرة وإلا بحث عن غيرها، هذا بالإضافة إلى أنني على يقين من أن شباب مصر يتعرض طوال الوقت لمظالم فادحة وخاصة الشباب الذي فجر ثورة يناير.

وأحب أن أؤكد لمن يفكر في العودة لنظام مبارك أن النظام الحالي هو نظام مبارك المعدل إثر ثورة يناير التي كشفته حتى القاع والنخاع، كما كشفت عن حالة تطلع جارف للتغيير، وربما لو قُدر لمبارك أن يستكمل حكمه لرأيناه أبشع من السيسي ولانتهج سياسات أخطر من تلك السياسات الحالية علما بأن ما ساعد مبارك على الحكم هذه الحقبة الطويلة ليس هو نجاح سياساته، وإنما قدرته المتجددة على التآمر على المجتمع، وما أتيح له من إمكانيات وظروف ساهمت في تفكيك حالات الغضب الكبرى التي نبتت في عصر السادات وتعمقت في عصره، لكنه في النهاية فشل في تأجيلها لما بعد 2011، وقد قرر يومها فعلا القمع الواسع الذي ظهرت مؤشراته الدموية والعنيفة في أيام الثورة الأولى، لكن هناك جهات أخرى أكبر منه وأخطر تكتيكيا قررت الالتفاف على الثورة كما رأينا فيما بعد.

برأيك: ما هي أبرز الأخطاء التي وقعت فيها ثورة يناير وتسبّبت في حالة "الندم والكفر بالثورة" لدى البعض؟ ومن المسؤول عن ذلك؟

 
لست مع تحميل طرف معين المسؤولية، ومع ذلك رأيي أن التيار الإسلامي تقع عليه المسؤولية الكبرى، لأنه برغم كونه الأكثر اتساعا وتجذرا، إلا أنه لم يكن الأكثر جاهزية لبناء رؤية توافقية تعبر المرحلة الانتقالية بأمان.

كما أن هناك عقبات وأخطاء حالت دون اكتمال نجاح ثورة يناير، وكانت من عوامل عودة الدولة العميقة وحكم الاستبداد، منها طبيعة المؤسسة العسكرية في مصر وعقيدتها التي تستند أساسا على أنها صاحبة الدولة، ومنها طبيعة علاقاتها العميقة مع الكيان الصهيوني وخاصة بعد اتفاقية كامب ديفيد، والتي أمنت لها تأييدا دوليا دائما ضد حريات الشعب وتمكين إرادته.

ومن بين تلك العقبات والأخطاء التي حالت دون اكتمال نجاح الثورة، عدم امتلاك القوى السياسية الداعية للثورة أو قواها الرئيسة لمشروع سياسي فضلا عن الجرأة أو القدرة على اختراق الحواجز الأيديولوجية والسياسية التي حولتها لجزر منعزلة، ومن ثم عدم النجاح في التوافق على الحد الأدنى المشترك اللازم لاستكمال الثورة، ومنها عدم استثمار القوى السياسية والرئيسية لثورة الجماهير، والتي كان ينقصها الإدارة الاستراتيجية والتوجيه السياسي، فضلا عن الأخطاء الجسيمة التي استثمرتها الدولة العميقة بعد أن دفعت إليها.

كما أن الحراك الشعبي المليوني واسع النطاق الذي شهدته كل مدن وقرى مصر خلال أسابيع الثورة الأولى لم يُستثمر في إحداث عملية تغيير جذرية لبنية النظام عن طريق قرارات ثورية محمية بالإرادة الشعبية الحاضرة في الميادين، وتم بدلا من ذلك ترك الميادين والقبول بولاية المجلس العسكري الذي ولاه مبارك، والقبول بإدارته للمرحلة الانتقالية.

وكذلك لم يتم استثمار الأخطاء الفادحة التي ارتكبها المجلس العسكري في فترة إدارته، والتي كان يمكنها أن تهيئ الأوضاع لاحتجاجات شعبية جديدة كفيلة بتغيير الخريطة السياسية التي كان يحرص على استمرارها (أحداث محمد محمود- وثيقة علي السلمي).

وأيضا لم يتم استثمار الشرعية القانونية والسياسية التي أولاها الشعب للثورة في انتخابه لأول برلمان، والذي اعتبره المراقبون برلمان الثورة، بينما انشغل البرلمان بقضايا هامشية، وقد كان يمكنه محاصرة قوى الثورة المضادة تشريعيا وسياسيا وتفكيك الدولة العميقة وإعادة تركيبها وفق مقتضيات الثورة والقيام بدور القيادة السياسية للجماهير استنادا لأهم شرعية حصلت عليها الثورة، والتي كان من مظاهرها انتخابه في انتخابات شهدت أكبر نسبة ناخبين في تاريخ مصر كله.

ولم يتم استثمار الهزيمة الواضحة لكل قوى الدولة العميقة من خلال الانتخابات الرئاسية، والتي اضطرتها للقبول برئيس مدني لأول مرة في تاريخ الحكم العسكري. وكذلك فشلت الثورة في التخطيط لاستثمار منصب الرئاسة وما يمثله من شرعية أخرى للثورة وقواها الحية في مهاجمة أوكار الدولة العميقة وفق مجموعة من القرارات والتشريعات المستندة للحشود المليونية التي كان لا يزال ممكنا استدعاؤها لحماية الثورة والدفاع عن قراراتها.

كما أن عدم التحرك السريع في مواجهة الدولة العميقة حين بدت مخططاتها منذ دعوة وزير الدفاع لاجتماع القوى السياسية في كانون الأول/ ديسمبر 2012 أعطاها الفرصة لبناء شرعيتها، بينما نجحت الدولة العميقة في خداع الرئيس كما نجحت في استمالة جانب مهم من القوى الشبابية والسياسية وتعبئة قطاعات شعبية مهمة ضد الرئيس المنتخب على أساس أنه قد فشل في توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين، وتم استخدام ذلك في حصار شرعيته القانونية حتى تم تقويضها.

وأيضا لم يتم استثمار الغضب الشعبي الزاعق الذي امتلأت به المحافظات ضد الدولة الفاشية التي أمعنت في قتل وذبح مواطنيها بما لم يحدث في مصر من قبل وخاصة في رابعة وأخواتها.

ومن تلك العقبات أيضا، تدهور مستوى التعليم، وانتشار الأمية، وهو ما سهّل عملية تضليل قطاعات واسعة من الشعب، ومنها تنفذ النظام داخل الساحة السياسية على مدى عقود طويلة وتجنيده للعديد من عناصرها، وهو ما يسهل دائما إعادة فك وتركيب هذه الساحة وفق مقتضيات الحالة الاستبدادية، ومنها عدم إتاحة أي مساحات للحوار المباشر أو المفتوح بين الفرقاء السياسيين لدرجة عدم توافر أي قدرة على التواصل بينها، وهو ما حال بينها وبين الاحتكاك المباشر ومن ثمّ عدم التعارف بينها، ومن ثمّ عدم اكتشاف القواسم المشتركة في ظل حالة التوجس والشكوك المتبادلة التي تحكمت في الجميع.

البعض طالب نخب ورموز المعارضة المصرية في الخارج بضرورة اعتزال المشهد السياسي على غرار ما فعله الفنان والمقاول محمد علي عقب فشل دعوته للحراك الثوري في 25 يناير.. لماذا لا تعتزلون المشهد كما يطالبكم البعض؟


لا بد أولا أن أقرر أن قيم ثورة يناير توجب علينا احترام كل ما يصدر عن أي طرف منها مهما كان موقعه، ومهما كان ما يذهب إليه، وخاصة إذا كان ذلك من جنس دعوتنا التي تقوم على التغيير والإصلاح في إطار مخطط استكمال ثورتنا وتحقيق أهدافها.

ولهذا، فإني أنتهز هذه الفرصة لأطالب القيادات المخلصة لثورة يناير، والتي لا تزال تدافع عنها وتدعو لاستكمالها، بأن تنتدب فريقا من الأكاديميين والخبراء والمختصين القادرين على الإمساك بكل ملفات وأوراق ثورة يناير لتقييم أداء المتصدرين لاستكمالها سواء كانوا رموزا أو كيانات منظمة، وذلك منذ الانقلاب عليها وحتى اليوم. وأن يقوم ذات الفريق بوضع روشتة الإنقاذ بما يؤمن مسار استكمال الثورة وتحقيق أهدافها حتى بناء الدولة الديمقراطية الحديثة دولة القانون والمؤسسات.

وأن يضع ذات الفريق تصورا لما يمكن أن نسميه الجمعية العمومية لاستكمال الثورة وتحقيق أهدافها كما يضع نظام عمل هذه الجمعية، على أن تقوم باختيار مجلس قيادة يمثلها ويكون مسؤولا أمامها. وفي تصوري أن مجلس القيادة الجديد سيكون في غالبه من الوجوه الجديدة، وفي نظري أن هذا هو الطريق الأفضل، حيث إن مجرد الاعتزال سيترك فراغا لن تملأه سوى الثورة المضادة.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا